Monday, August 15, 2016

مجلة الوعي: صَفَحَاتٌ مُضِيْئَةٌ قَبْلَ سُقُوْطِ الخِلَافَةِ.

مجلة الوعي: صَفَحَاتٌ مُضِيْئَةٌ قَبْلَ سُقُوْطِ الخِلَافَةِ.
مجلة الوعي: السنة الواحدة و الثلاثين عدد خاص 356-357 رمضان شوال 1437هـ ، حزيران و تموز 2016م
من الصفحات المضيئة في تاريخ المسلمين في شمال أفريقيا، وفي الجزائر تحديدًا، أنه في عام 1541م وصلت الحملةُ الصليبية بقيادة كارلوس الخامس ملك إسبانيا إلى سواحل الجزائر وذلك بغيةَ الانتقامِ من المسلمين بعد النصرِ الذي حققه خليفةُ المسلمين السلطـان سليمـان القانونـي بعد فتحِه المؤزَّر لمدينـة بودابست (عاصمة المجر) في قلـب أوروبا عام 1541م، ودخولِه شخصيًا على رأس الجيشِ العثماني إلى المدينة. فاستغل كارلوس الخامس غيابَ القائد خير الدين بربروس (الغني عن التعريف) عن مدينة الجزائر؛ حيث كان وقتها في زيارة لعاصمةِ الخلافة (الآستانة)، وكان كارلوس الخامس وجيشُه على ثقة بنصر مؤزر لاعتقادهم أن رحيلَ بربروس سوف يخلِّف فراغًا كبيرًا في الجزائر، لكنه غفل عن وجود رجالٍ عظام وأسودِ جهادٍ في البر والبحر تركهم بربروس خلفه. وعندما نزل الجيشُ الصليبي برًّا خاض مناوشاتٍ بدائية مع كتائب المجاهدين تمكن بعدها من احتلال بقعة من الأرض أقام عليها معسكرَه.. ثم أرسل كارلوس الخامس إلى حسن آغا يطلب منه الاستسلامَ وتسليم المدينة، وقد قام حسن آغا بعرضِ الأمر على أهل الجزائر وطلبِ رأيهم، فما كان منهم إلا أن رفضوا العرضَ وأصروا على القتال في سبيل الله والدفاع عن مدينتهم. فأيدهم الله سبحانه وتعالى بجند من عنده كما في موقعة الأحزابِ، وسلط على كارلوس وجنودِه مطرًا وعواصفَ أفسدت البارودَ وبلت الأقدامَ وحطمت السفن، وكتب الله سبحانه وتعالى النصرَ المبينَ لأهل الإسلام من المجاهدين في تلك المعركة، واستطاع المسلمون تحريرَ أكثر من 1400 أسيرٍ من أسرى المسلمين ممن كان كارلوس قد استخدمهم في التجديف في سفنه. فتحقق بذلك نصرُ الله عز وجل للمؤمنين والخزيُ والخذلانُ لكارلوس وجنوده. قال تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾
وجدير بالذكر أنَّ خير الدين بربروس وبعد انتصاره على ثورة ابن القاضي (الذي كان متحصنًا في شبه إمارة مناوئةٍ للعثمانيين في بعض الجبال شرق مدينة الجزائر) عام 1521م، ونظرًا لما كان رآه من حال بعضِ أهل الجزائر في ذلك الوقت من تأييد لابن القاضي، ما كان منه إلا أن غادر الجزائرَ طواعيةً، وحمل أهلَه وجنودَه على المراكب وغادر إلى مدينة جيجل الساحلية شرق البلاد، فما كان من المخلصين من أهل البلادِ (ولاءً منهم للدولة الإسلامية) إلا أن أرسلوا له الوفودَ إلى جيجل ليس من أجل طلبِ العودةِ فحسب بل واستلامِ الحكم أيضًا. وبالفعل استجاب لهم خير الدين ونزل عند طلبهم وذلك عام 1527م. وقد كان لموقف أهلِ الجزائر هذا عظيم الأثر في تغيير مجرى التاريخ وإنقاذِ هذا الجزء من البلاد الإسلاميةِ من ويلات المستعمر الأوروبي على الأقل لمدة 300 عام!!
ويروي التاريخ أن كارلوس هذا اضطر لأن يلملم أشلاءَ جيشه وحملتِه الفاشلة ويُبحر على مَا بقي من أسطوله المحطم من عارِ وخزيِ الهزيمة، حيث توجه إلى إيطاليا ولم يتوجه إلى إسبانيا. وكان لفشله في حملته الصليبية على الجزائر أثر عميق على الصعيد العالمي بأسره، فلقد نزلت أخبارُ الهزيمة كالصاعقة على أوروبا وانفرط عقدُ التحالف الأوروبي الصليبي، وانفض الجميعُ من حول كارلوس الذي لم تقم له بعدها قائمةٌ، وظل يلعق جراحَ هزيمته بالجزائر حتى هلك بعدها بقليل (منـزويًا في دير من الأديرة).
ولقد امتد سلطانُ المسلمين أيام الدولة العثمانيةِ حتى شمال البحر الأبيض المتوسط بأكمله، ولم تكن لتجرؤ أي سفينةٍ على العبور فيه إلا بعد أن تدفع رسمًا للدولة العثمانية. ففي سنة 1795م وقَّعت الولايات المتحدة الأميركية على معاهدة مع الدولة العثمانية (مُـمثَّلةً بوالي الجزائر) وكانت المعاهدة باللغة التركية ولم تكن باللغة الإنكليزية، حيث وقعت أميركا على ما يلي: «تدفع الولايات الأميركية إلى ولاية الجزائر التابعةِ لدولة الخلافةِ العثمانية فورًا مبلغَ 642 ألف دولارٍ ذهبيٍ، وتدفع لها سنويًا مبلغ 12 ألف ليرة عثمانيةٍ ذهبيةٍ، وفي مقابل ذلك يُطلق سراحُ الأسرى الأميركيين الموجودين في الجزائر، ولا تتعرض ولايةُ الجزائر لأية سفينة أميركية، لا في الأطلسي، ولا في البحر الأبيض». وكان قد وقَّع وصدَّق على المعاهدة جورج واشنطن نفسُه، ووقع عليها بكلر بك حسن باشا من جانب الدولة العثمانية، علمًا أن هذه المعاهدة هي المعاهدة الوحيدة في التاريخ التي وقَّعت عليها أميركا بغير لغتها. كان ذلك أيام العز والقوةِ والمنعة أيامَ الخلافة.

No comments:

Post a Comment