الصبر والثبات وتحمل الأذى من صفات حامل
الدعوة بهما يتحقق النصر
بسم الله الرحمن الرحيم
الصبر والثبات وتحمل الأذى من صفات حامل الدعوة بهما يتحقق النصر
أبو
الحسن الأنصاريالصبر والثبات وتحمل الأذى من صفات حامل الدعوة بهما يتحقق النصر
{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ، إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين }إن الصبر والثبات على الأذى وتحمل المشاق في حمل الدعوة لهو أمر عظيم لاتتحمله إلا النفوس الراقية والهمم العالية لأنه عمل الأنبياء والرسل ، وقد حث الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على تحمل الأذى والصبر في حمل الدعوة تأسيا بألي العزم من الرسل . قال تعالى :
{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل }
فحمل الدعوة والصبر عليها أمر عظيم لايوفق الله تعالى إليه إلا أصفياءه من البشر لأنه أحسن القول كما قال تعالى : {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} وقوله تعالى { وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } .
ومن نعم الله تعالى على هذه الأمة أن جعلها خير الأمم واصطفاها لحمل الإسلام إلى العالم ، وحفظ لها دينها بحفظه لهذا الكتاب العظيم الكريم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإن من الأدوات التي يجدد الله تعالى بها هذا الدين ويحفظه من عبث العابثين وخور الخوارين هم حملة الدعوة المخلصين الواعين والصابرين الصامدين على ما عاهدوا الله عليه الذين لم يغيروا ولم يبدلوا تبديلا كما وصفهم الله تعالى في قوله : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم}
إن صبر حامل الدعوة على الأذى وصد الناس واستهزائهم والمثابرة على إيصال الفكرة والطريقة إليهم وتحمله لأذى الأنظمة وأذنابهم والراكنين إليهم والثبات على ذلك وعدم التزعزع هو الذي يكسب ثقة الناس به واحترامهم له واستحقاق رضى الله تعالى وجزاءه الأوفى في أعالي الجنان .
ولولا ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم على أذى الدعوة ورفض كل المغريات ورد كل الدعوات إلى التناتزل عن بعض أحكام الإسلام ، وكذلك أصحابه الكرام لما بلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولكنه صلى الله عليه وسلم أثبت لكل القوى ولكل الطغاة أثبت لهم أن هذه القضية التي هو بصددها لاتقبل أي تنازل ولا تحتمل أي هزة ، وقد برهن ذلك في موقفه مع وفد ثقيف والذي ضرب به أروع الأمثلة ولأصحابه ولمن جاء من بعدهم على عدم التنازل عن جزيء من أحكام الإسلام والأخذ بقوة على يد من تسول له نفسه المساوة للتنازل أو التهاون . قال تعالى { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا }
فما كان من وفد ثقيف إلا الإذعان والإنقياد وكان الدرس قاسيا عليهم الجمهم لجام اليأس وشرد به من خلفهم وكل من تسول له نفسه المساومة على الإسلام وأحكامه .
فثبات حامل الدعوة وصبره على الأذى ونبذ المغريات يعطيه الثبات على دعوته وعدم الإنحراف عنها وعدم اليأس من إيجادها مجسمة في واقع الحياة ، لأنه ماض بأمر ربه واثق بوعد الله تعالى له بالتمكين في الأرض طال الزمان أم قصر . ظاهر على الحق كما وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايظرهم من خذلهم حتى يأتي الله بأمره " .
فظهورهم على الحق هوالتزامهم به وثباتهم عليه مهما فعل الظالمون وأبطل المبطلون فهم جبال شامخة لاتهزهم الرياح العواتي ولا الأعاصير الزاحفة ، فلا يضلون حتى يضل النجم ، ولا يهابون حتى يهاب السيل ، وتجدهم في أعتى الحالات وأحلك الأحوال من أطيب الناس نفسا ، لأنهم أدركوا بحق وصدق بأن قتلهم شهادة وسجنهم خلوة وعبادة ، راجين الثواب العظيم والجزاء الأوفى من الله تعالى في الدنيا والآخرة فهم بحق كالأنبياء في صبرهم وجلادتهم وكالصديقين بعهدهم ووفائهم وكالمجاهدين على الثغور بتجلدهم ويقظتهم . لأن الثغر العظيم الذي وضعوا به أنفسهم يحتاج إلى همم عالية ونفوس راقية ورقاب شماء تكاد تطال السحاب ، إنها لحق من أعظم النعم التي من الله بها على هذه الثلة الواعية من الأمة ، لأن كل من حولهم يعبث ويلهوا بسم الإسلام ، أما هم فماضون قدما بأمر ربهم ، سباقون إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض امتثالا لقوله تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } .وقد سبقهم على هذه الثغور رجال من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم ضاربين أروع الأمثلة في الصبر والثبات والثقة متحملين الأذى في سبيل حفظ هذا الدين من عبث العابثين وتزوير المزورين ، من مثل سعيد بن المسيب ومواقفه الصادقة مع عبد الملك بن مروان ، فقد استخدم معه جميع أنواع التعذيب والإذلال فيئس منه فسلك معه طريقا آخر لاستمالته عارضا عليه المال والمنصب والمصاهرة فما كان من سعيد بن المسيب إلا زيادة في الصلابة حتى أجبر عبد الملك أن يفرض عليه مهابته وتقديره فقال أبى سعيد بن المسيب إلا صلابة في دينه .وكذا العز بن عبد السلام سلطان العلماء ومن على شاكلتهم من الرجال المخلصين الواثقين بنصر الله تعالى وعونه ، وإن كان عصرهم يختلف عن عصورنا لوجود الإسلام في واقع الحياة ولكن الأهواء وحب الهيمنة والشهوات وعدم الرضوخ للحق لما يخالف من هوى النفس موجود في كل عصر وخاصة بعد انقضاء عصر الخلافة الراشدة وتحول الخلافة عن مسارها الصحيح إلى ملك عضوض فلولا وجود هؤلاء لزاد الإنحراف وطال البغي جميع الإتجاهات والنواحي .
ومع ذلك كله فأن أولئك النفر لم تكتمل غربتهم كل الإكتمال ، أما حملة الدعوة في هذا العصر فقد اكتملت غربتهم ، لأنهم لايعيشون الإسلام في واقعهم فكل أحكام الإسلام معطلة تمام التعطيل فغربة الإسلام تكون أعظم إذا كانت بين أبنائه ، وحمل الدعوة يكون أعسر وأوعر إذا كانت الأحكام معطلة بكاملها .
فحمل الدعوة في ظل هذا الواقع ليس فسحة ولا سياحة بل هو بلاء مبين يجب أن يتصدى له رجال باعوا كل متع الدنيا وزهرتها للوصول إلى غاية الغايات وخير الدنيا والآخرة .
وقد ضرب لنا هؤلاء الرجال أروع الأمثلة في الصبر وتحمل الأذى والمشاق في سبيل الوصول إلى هذه الغاية العظمى ، فهاهم الشباب في أوزباكستان ومواقفهم الصلبة وأقدامهم الراسخة مع أعتى الحكام ضراوة ( كريموف ) بل كفروف الذي أنزل في الشباب أشد العذاب والتنكيل والقتل والتشريد فلم يرحم حتى المشلول منهم فما زادهم ذلك إلا ثباتا على دعوتهم ومضيا في طريقهم النقي والواضح بل ما فتئوا يكتبون وينشرون مخازيه ويهوديته ، حتى هزت هذه المواقف حكام الكرملين وأنصاره .
وكذا الشباب في سوريا وقد مارس معهم عتاة النصيرية صنوف العذاب والتشريد فلم يثنهم ذلك عن عزيمتهم والصلابة على دعوتهم قيد أنملة إنهم بحق فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى .
وكذا دأب الشباب في الأردن وفي المغرب والسودان وليبيا وفي كل بقاع الأرض لم يثنهم عن قضيتهم المصيريرة والعمل لإيجادها في واقع الحياة كيد الكائدين ولا مكر المتأسلمين الضالين ولا عبدة الأهواء المتمخلصين ناصبين أمام أعينهم قول الحق تبارك وتعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون }
نعم هذا هو الذي يجب أن يكون عليه حملة الدعوة في هذا الحزب الراقي في كل ظرف وفي كل حين ، لأنهم أ يقنوا أن نصر الله آت وأدركوا أنهم بحق حفظة الدين وحراسه الأمناء على فكرته وطريقته التي شرعها الله تعالى وسار عليها الرسول دون كلل ولا ملل ، لأنهم المجددون لهذا الدين والذابون عنه وهم الصادقون في نصح أمتهم ، والكاشفون لها ما يكيده أعداؤهم وأذنابهم والمضبوعين بهم .
إن من كان هذا شأنه وهذه مواقفه لابد أن ينال ما يصبوا إليه بحق وصدق وسيصل إلى ثقة الأمة به وإعطائه قيادتها ، لأنه صادق في نصحها مضح من أجلها لم يدعها في يوم أو يمكر بها أو يزين لها عبث العابثين بها وكيد الكائدين لها .
إن حامل الدعوة الذي يصبر عليها ويتحمل الأذى من أجلها لا لشيء إلا لينال ثواب الآخرة هو الذي يصدق عليه قول الله تعالى { والذين جاهدوا فينا } أي في حقنا { لنهدينهم سبلنا } أي طريق السير إلينا { وإن الله لمع المحسنين } أي المؤمنين بالنصر والعون .
وإن حملة الدعوة الذين يسيرون على هذا الطريق القويم هم الذين تبسط لهم الملائكة أجنحتها ويصلي عليهم الحجر والشجر حتى النملة في جحرها والحوت في البحر لأنهم يعلمون الناس الخير كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله " إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير " وأي خير في هذا العصر أكبر وأعظم عند الله تعالى من دعوة الناس للعمل على ما يقوم عليه الأسلام كله بجميع أحكامه وهو العمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة التي بها يعم الإسلام جميع المعمورة ويبلغ ما بلغ الليل والنهار ، وبها يدخل الناس من جديد في دين الله أفواجا ، وبها تنقذ البشرية من ظلمات الرأسمالية ومن جور الأديان وقوانين البشر وبها يعم الخير والرخاء أرجاء المعمورة ، ومن خلالها يكمل المهدي فتح باق الدنيا .
فهل هناك طريق أوعر من طريق هذه نهايته وهل هناك جائزة أعظم من جائزة الله تعالى لهذا النوع من البشر أنه حق قول ثقيل وتبعية عظيمة كما أخبر بذلك سبحانه وتعالى { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي مهيبا شديدا لما فيه من التكاليف .
فحامل الدعوة بحق وصدق ويقين هو الذي يضع نصب عينيه عدم دخول الجنة وإنزال عقاب الله تعالى عليه إن تخلى عن دعوته بعدما علم علم اليقين وجوبها وفرضيتها فهو يعيش لأجلها ويموت لأجلها ، واضع نصب عينيه المغفرة الواسعة والدرجات العلى في الآخرة متمثل قول الحق تبارك وتعالى : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وهم الملائكة الذين سيشهدون للرسل وللمؤمنين بالبلاغ وإقامة الحجج . وكذلك قول الحق تبارك وتعالى { فاصبر إن وعد الله حف } ينصر أولياءه من الصابرين المحتسبين الواثقين بهذا النصر العظيم في الدنيا والثواب الجزيل الأوفى في الآخرة . قال تعالى : {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } .
إن حامل الدعوة هو الذي يغرس الغرسة الطيبة المباركة التي لاشوائب فيها ولا دخن فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، لأن عمله معين لاينضب فهو صدقة جارية له في حياته وبعد مماته .
وحامل الدعوة هو الحصن الحصين للأمة برمتها فهو مغيث اللهفان ودليل الحيران ومرشد الضال من التيهان . هذا هو الوصف الحقيقي لحامل الدعوة ، وهذا هو العمل الصحيح الذي لم يسلك الرسول صلى الله عليه وسلم سواه فهو الإتباع الحق لسيرته صلى الله عليه وسلم وهو السبيل الذي أشار إليه الرب جل وعلى في قوله : { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } وقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } فكل طريق يخالف طريق الرسول صلى الله عليه وسلم في حمل الدعوة هومن سبل الشيطان .
إن حامل الدعوة يجب عليه أن يعلم علم اليقين أن ما يقوم به هو أشرف عمل على وجه الأرض قاطبة فلا يصح من يطمع بذلك أن يتصور إن هذا الشرف سينال بأبسط الأمور من أمن وأمان وعدم بلاء وصبر حتى إذا ما وقع به أقل أذى نكص على عقبيه ، فهذا لايسمى حامل دعوة وإنما متسل عابث لأن البلاء يأتي على قدر الإيمان والإخلاص كما روى سعد بن أبي وقاص قال : " قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه ، وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء في العبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة ".
فحمل الدعوة وطريقها كله وعورة هذا هو الأصل فيه ولذلك أكثر ما يحتاج إلى الصبر هو حمل الدعوة فالصبر عليها من أعظم الثواب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي والترمذي : " إنه من يستعف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله ، ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر " فمن لايصبر على أذى الدعوة فإنه لابد أن يراجع دينه لأن الصبر والتحمل في سبيل الدعوة من قوة الدين والإيمان لعظم الثواب كما أخبر بذلك عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ، ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب ، ثم يؤتى بأهل البلاء ولا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب عليهم الأجر صبا . . . الحديث "
وأي صبر أعظم عند الله تعالى من الصبر على أذى الناس والأنظمة وأذنابها من صبر حامل الدعوة الذي يحسن إلى من أساء إليه صبرا واحتسابا في سبيل نوال الأجر العظيم المترتب على ذلك كما جاء في قوله تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } .
إن الثبات على حمل الدعوة واجب أوجبه الله تعالى فهو فرض يعذب الله تعالى على تركه أشد العذاب وكذا يحذر الله تعالى المتلاعب في حمل الدعوة والمتخاذل والذي جمع بين هذا الفكر العظيم والخور والتهاون عن بيانه للناس . لأنه من صار عنده أدنى شيء من التنازل لاينطبق عليه وصف حامل الدعوة لأنه أخل بالثبات فتزعزع فينصب عليه قول الحق تبارك وتعالى : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا } فهذا التحذير والوعيد نزل في حق أشرف خلق الله كلهم فما بالك بمن هو أقل مرتبة من ذلك .وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم من خباب بن الأرت عندما سأل الرسول صلى الله علسه وسلم أن يدعوا الله لهم ويستنصره فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مبشرا الخباب ومنذره من عدم الصبر على هذه الدعوة : " إنه كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه وينشر بالمنشار من رأسه إلى أخمص قدميه لايرده ذلك عن دينه والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى بصرى لايخشى إلا الله والذئب على غنه ولكنكم تستعجلون "
وقوله صلى الله عليه وسلم : " كونوا كأصحاب عيسى نشروا بالمناشير وعلقوا على الخشب فوالذي نفسي بيده لموت في طاعة الله خير من حياة في معصيته .
فالذي يفتتن عن هذه الأفكار ويترك الدعوة فإنه قد تركها ولم يصبر ولم يثبت عليها عن علم ويقين بصحة هذه الأفكار والمفاهيم فإنه قد ضل عن علم وذلك أشد أنواع الضلال .
وآيات الثبات والصبر على الأذى في طريق الدعوة كثيرة والأحاديث النبوية التي ذكرت عظم الأجر والثبات على الأذى أكثر مما تحصر وهي كلها منصبة على الصبر والثبات على حمل الدعوة وبيان الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله تعالى والدرجات العلى من الجنة .
إن وعد الله تعالى بالتمكين والنصر لمثل هذا الصنف من الناس حق لاريب فيه وصدق لامراء فيه فهو قطعي في ثبوته وقطعي في دلالته فلا اجتهاد في مورده مطلقا ، إذا تحقق شرطه .
إن الثبات على حمل الدعوة وعدم الخوف هما الشرطان الأساسيان للتمكين بعد الإيمان لأن حمل الدعوة لاتتأتى من غير الثبات ونصر الله تعالى لايتحقق إلا إذا تحقق شرطه وشرطه الثبات وعدم الشرك والشرك هو الخوف بجميع أنواعه الخوف من قطع الأعناق والخوف من قطع الأرزاق والخوف من جور السلاطين والخوف من صد الناس واستهزائهم وغير ذلك من أصناف الخوف ، وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المانع من مجيء النصر بيانا لقوله تعالى { يعبدونني لايشركون بي شيئا } بقوله عليه الصلاة والسلام : " يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل أمن قلة نحن يومئذ ، قال : لا أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء ألقي في قلوبكم الوهن . قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت . فهذا معنى { يعبدونني لايشركون بي شيئا } . فإذا ما ثبت ذلك الوصف على حملة الدعوة تحقق فيهم قول الحق تبارك وتعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخالف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لايشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }
من مثبتات حامل الدعوة :
إن الأصل في حامل الدعوة أنه شخصية مميزة كل التمييز عما سواه لأنه يحمل تبعيات جسام لايحملها غيره وأمانة ثقيله عجزت عن حملها الجبال الرواسي وتخلت عن حملها السماوات الثقال فلذلك يحتاج دائما إلى وقود لاينفذ ومعين لاينضب حتى يستطيع أن يكمل سيره ويثبت على راحلته ، فوقوده كتاب الله تعالى ومعينه سنة المصطفى وسيرته ومواقف أصحابه ومن تبعهم وسار على دربهم فبهذه تحيا القلوب كما قال بشر : من الناس من تحيا القلوب بذكرهم .
فاستمرارية حامل الدعوة على تلاوة كتاب الله تعالى والإتصال به وإكثاره من النوافل والتقرب إليه بالطاعات وقيامه الليل هو الذي يشد من عزمه ويعينه على استمراريته وثباته في حمل الدعوة والصبر عليها والثبات على الأفكار والمفاهيم الراقية التي يتبناها . فالله تبارك وتعالى بعد أن كلف رسوله بالرسالة وتبليغها أمره بأمر هو المعين له على التحمل والصبر بقوله : { يا أيها المزمل ، قم الليل إلا قليلا ، نصفه أونقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}
قال عليه الصلاة والسلام : أتاني جبريل وقال : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل "
فليس هناك قول أثقل من حمل التكاليف الشرعية التي تتعلق بحمل الدعوة وتبعاتاها وما يؤول إليه أمر حاملها.
ومما يزيد حامل الدعوة ثباتا وصلابة على دعوته وتحمل تبعاتها هو المداومة على قراءة السيرة النبوية ليتواصل مع مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة ، ودراسة أساليبه الراقية والوقوف على ما قام به أصحابه الكرام من التزام بأوامره وصلابتهم في الحق والصبر عليه وما آل إليه أمرهم مع عتاة المجرمين من كفار قريش وباقي العرب فمواصلة قراءة هذه السيرة العطره هي التي تعطي حامل الدعوة دفعاة عظيمة من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وجرعات عالية من الصلة بالله الذي يكون له دافعا على الإستمرارية على حمل الدعوة بصدق وأمانة ووفاء ، لأنه ليس له قوت في هذا العصر سوى الإتصال الدائم بالله سبحانه وتعالى لشدة غربته وعظم محنته وطول وحشته .
وهكذا وبهذا القوت اليومي يكون حامل الدعوة في صلة دائمة مع ربه العظيم ، بها يستطيع أن يواصل الصبر والثبات على تحمل الأذى والمشقة بقلب ثابت ويقين راسخ .
إن الأمة سوف لن تنسى لهؤلاء الشباب مواقفهم وتضحياتهم في سبيل عزتها ومهابتها وكرامتها كل ذلك سيسطر في صفحات بيضاء عبر تاريخ أسود عاشته وذلك بعدما تذوق حلاوة النصر من بعد مرارة طالت ، وترى نور الصباح من بعد ليل طال سواده ، فقد ترضت ولا تزال تترضى عن الصحابة الكرام وترحمت ولا تزال تترحم على حملة الدعوة من سلف هذه الأمة وتابعيهم على مواقفهم الغراء لأنها هي التي كتبت سيرتهم العطرة ، فكذا الأجيال القادمة ستظل تذكر هؤلاء المخلصين المتفانين وستكتب سيرتهم كما كتب سلفهم سيرة الصحابة الكرام ، وسوف تترحم عليهم وتترضى عنهم كما ترحمت وترضت عن أولئك الأبرار . وستلعن كل من زيف لها واقعها المرير الذي عاشته سنين طويلة من المرارة والأسى واللوعة والخسف وضنك من العيش في ظل الطواغيت .
هذه حقائق لمسناها لمس اليد ممن جاءوا قبلنا وستلمسها الأجيال القادمة لمس اليد ممن أتوا قبلهم بأن الأمة لن تنسى من أحسن إليها ولن تنسى أبدا من أساء إليها .
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على حمل الدعوة وأن يقذف في قلوبنا الصبر على تحمل مشاقها وعنائها حتى يحقق الله فينا وعده وينصر فينا دينه ويعيد فينا العزة والمنعة والسمو بعد ذل قد طال .
قال تعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز }
تم بحمد الله تعالى في يوم الإثنين 21 من جمادى الأولى 1421 هـ
الموافق 21 من آب 2000 م
No comments:
Post a Comment