التعليق السياسي حول أحداث الإنقلاب
العسكري الأخير في مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
التعليق السياسي
في كلمته في ميدان رابعة العدوية ذكر الدكتور محمد البلتاجي القيادي في جماعة الإخوان المسلمين وعضو مجلس الشعب أن أحد مساعدي الرئيس قال له: أنه في اللحظات الأخيرة _أي قبيل عزل الدكتور مرسي_ "جاءت آلية صاحبت التخطيط الكامل لهذه المؤامرة" ويقصد السفيرة الأميركية آن باترسون، وجاء جون كيري وزير الخارجية الأميركية ووزير خارجية إحدى الدول العربية وبحضور الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وعرضت السفيرة على الرئيس قبل عزله أن يبقى رئيساً "نحن نقبل أن تبقى رئيساً، ولكن ستكون السلطات الكاملة المطلقة بيد رئيس الوزراء ..." وذكر أن الرئيس قد رفض ذلك مطلقاً وعلق مخاطباً الجماهير "عشان تعرفوا من يدير شؤون الوطن ...السفيرة التي تدير شؤون البلد في هذه اللحظات".
ويبدو أن الدكتور البلتاجي قد غفل وهو يتحدث عن بطولة الرئيس مرسي وموقفه أنه يشير بكل وضوح إلى أن مصر هي بيد الأميركان الذين يستطيعون خلع أو وضع الرئيس لمصر. ومن المعلوم أن باترسون السفيرة الأميركية في القاهرة تدير طاقماً هو الأضخم من الدبلوماسيين والموظفين بين سفارات الدول الأجنبية، وهي شخصية مخضرمة في وزارة الخارجية الأميركية وتعد من أمهر الدبلوماسيين الذين خدموا في المناطق الحساسة، وهي تعد من الواعين على الثقافة الإسلامية.
ومنذ الخطاب الأول للدكتور مرسي إثر تسلمه لمنصبه كان واضحاً أنه موافق على قيادة مصر ضمن مفاهيم الحكم الغربية التي ترتكز على عقيدة فصل الدين عن الدولة وحياة المجتمع، وهي مفاهيم يجيد الغرب الكافر التلاعب بها حسب مصالحه. وهو بارع في استعمالها لتضليل وصياغة توجهات المجتمعات والجماعات والأفراد لخدمة خططهم وأهدافهم.
فبذريعة التعددية الحزبية القائمة على غير أساس الإسلام عقيدة المجتمع في مصر لم يكن بإمكان الدكتور مرسي منع الوسط السياسي القديم والتيارات السياسية المناوئة أن تصول وتجول في تضليل المجتمع وصياغة توجهات أجزاء منه، في الوقت الذي حرص من عزلوه من أدوات أميركا على عزل الوسط السياسي المحيط به، واعتقال معظم قيادات جماعة الإخوان بذرائع واهية. وبذريعة الحريات لم يجرؤ الدكتور مرسي على المس بالإعلام ومنه الفضائيات التي أمعنت في النيل منه وتأليب الناس عليه ونشر الفكر الغربي العفن بين الناس، في الوقت الذي تم حظر الفضائية الوحيدة التي تؤيده فور عزله مباشرة بل وتم حظر أغلب الفضائيات الدينية؟!!
ولذلك فقد نجحت أميركا التي تدير اللعبة السياسية في مصر في توسيع شعبية العلمانيين فيها تحت سمع وبصر الدكتور مرسي وجماعة الإخوان، تحت ذرائع التعددية السياسية والحريات، بل لم يتمكن الدكتور مرسي من تطهير دوائر الدولة ومؤسساتها؛ لأن مؤسسات القضاء والأمن والجيش لم تكن تحت سيطرته بل هي بيد أدوات أميركا في مصر الذين تحركهم السفيرة الأميركية وطاقمها الضخم حسبما تشاء.
وكان الهدف من توسيع شعبية العلمانيين في مصر هو قطع الطريق على المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية حتى في صفوف الإخوان أنفسهم، وهو مطلب كان واضحاً أنه سيغدو مع مرور الوقت أكبر من أن يستطيع الدكتور مرسي التغافل عنه وبخاصة وأنه وجماعة الإخوان يقولون بالتدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ويُطمئنون الناس وقواعدهم وكل من يتطلع إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بضرورة حصول ذلك.
وبدهاء السفيرة الأميركية التي تسير ضمن خطة واضحة في صياغة المجتمع في مصر، حيث أعلنت صراحة أن بلادها قدمت عشرات الملايين من الدولارات لمؤسسات المجتمع المدني، فقد استطاعت بواسطة الأدوات التي اصطنعتها من بقايا الحزب الوطني وأصحاب المال الفاسد وشباب (تمرد) إبراز العلمانيين بهذا الحجم الضخم، وكان من أبرز المساهمين في تلك الحشود الهائلة الكثيرون من الأقباط الذين أطاعوا أوامر وتوجيهات الكنيسة القبطية.
ولما كانت التصريحات السياسية التي أدلى بها المسؤولون الأميركيون، والتي أدلى بها الفريق السيسي ومعظم قيادات المعارضة المصرية تدعو إلى عدم استبعاد أي فصيل أو جماعة من المشاركة في الحكم؛ لذلك لم يكن المقصود من مساومة السفيرة للدكتور مرسي هو مجرد عزله عن الحكم أو إبقاء قيادات الإخوان وبعض القيادات الإسلامية الأخرى رهن الاعتقال، بل المقصود من ذلك كله _كما أسلفنا_ هو قطع الطريق عن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، والتي ينبني عليها إعادة تشكيل الحياة السياسية في مصر والتي سيشارك فيها الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى التي آمنت وقبلت باللعبة الديمقراطية.
وعليه فإنه من المتوقع إطلاق سراح الدكتور مرسي، ومشاركة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى في السلطة من جديد، وإن كان ذلك قد يستغرق بعض الوقت قبل حصول التهدئة والاستقرار؛ أي حتى تحصل القناعة لدى كلٍ من الإسلاميين والعلمانيين بضرورة التوافق على حكم البلاد، وينزع معظم المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية ذلك الهدف من رؤوسهم بعد أن شاهدوا حجم الحشود التي خرجت تؤيد عزل الرئيس الذي ينتمي إلى التيار الإسلامي، رغم أنه لم يحكم بالإسلام. وبعد أن شاهد العلمانيون الإستئصاليون أيضاً حجم الحشود التي خرجت لتأييد الدكتور مرسي.
بل والأخطر من ذلك أن حصول التوافق والاشتراك في حكم البلاد يعني حدوث التوفيق بين الأفكار العلمانية والأفكار الإسلامية والوصول إلى صيغة تمزج بين العلمانية والإسلام، وذلك وفقاً للمفهوم الأميركي الجديد (الديمقراطية التشاركية).
ومما يشير إلى رجحان عودة "الإسلاميين" وفي مقدمتهم الإخوان إلى الحكم أو المشاركة الواسعة فيه هو تراجع موقف شيخ الأزهر الداعم للانقلابيين، ودعوته لتشكيل لجنة للمصالحة بعد سقوط عشرات القتلى أمس جلهم من الأخوان وأنصارهم، وانسحاب حزب النور السلفي وحزب مصر القوية من خارطة الطريق ومن كل المفاوضات، بعد حادثة مجزرة الحرس الجمهوري.
أما بالنسبة للمؤسسة العسكرية في مصر والتي تعد أكبر متلق للمساعدات العسكرية الأميركية بعد إسرائيل، حيث يتم التحكم في الجيش المصري من قبل البنتاغون، فقد كان وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي المتخرج من الكلية الحربية التابعة للجيش الأميركي بكارلايل بولاية بنسلفانيا، على اتصال دائم هاتفياً بوزير الدفاع الأمريكي هيغل من بداية المظاهرات خطوة بخطوة وعدة مرات يوم 30/6، فلا يرد أنه قد تصرف في (الانقلاب على الشرعية) من دون علم أسياده مما يؤكد ما تحدث عنه البلتاجي من إدارة أميركا لمصر.
ومن غير المستبعد بعد الشروع في المصالحة التي دعا إليها شيخ الأزهر أمس أن يكون بعض قادة الجيش أكباش فداء لتدخلهم في الحياة السياسية سعياً من أميركا لتحجيم دور العسكر وتدخله في مفاصل الحياة السياسية كما جرى في تركيا من قبل.
أيها المسلمون في مصر..
إننا ندرك أن المخاض الذي تمرون به عسير، وأن حجم التضليل عن الحقائق لا مثيل له، وأن هناك مناورات سياسية دنيئة تدفعون أنتم مقابلها من دمائكم وأمنكم ومقدرات البلاد. فقد تم بناء حكم الدكتور مرسي على أساس فاسد، وهو أساس فصل الدين عن الدولة وحياة المجتمع، الذي كان أساساً لحكم سلفه المخلوع حسني مبارك. وكان المفترض به أن يغير النظام بجعل العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة والدستور لا أن يكتفي بتغيير بعض أزلام السلطة السابقة.
كما لم يمنع الدكتور مرسي تدخلات السفارات الأجنبية في البلاد وبخاصة الطامعة في بلاد المسلمين، بل تركها أوكاراً للفساد والتجسس، وشراء الذمم، بعد إغرائهم بالسيادة والمال لتبقي دفة سير البلاد بيدها. كما ترك الدكتور مرسي الوسط السياسي السابق _عدا رموز قليلة منه_ يعيث فساداً في طول البلاد وعرضها وينفذ توجيهات أسياده الأميركان ويخدم خططهم ومصالحهم.
بل ترك الدكتور مرسي الفضائيات التي تبث ليل نهار الفساد والدعوات المشبوهة، ويتصدرها مناوئوه وبعض الإعلاميين الذين كانوا لا يجرؤون على رفع رؤوسهم ليواجهوا رجل أمن في فترة حكم مبارك، تركهم يهينون الدولة ورئيسها، ساخرين ومستهزئين دون أي رادع، وفوق ذلك يضللون الناس عن الحقائق ويوجهونهم إلى تحقيق غايات الجهة التي يخدمون أهدافها.
وليس هذا وحسب، بل راح يخدم مصالح أميركا على الوجه الذي تريده كما حصل ذلك من سلفه حسني مبارك، حيث أنه وافق على احترام الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقية كامب ديفيد والاتفاقيات التي أبرمها النظام السابق مع صندوق النقد الدولي، وأبقى الحصار على قطاع غزة وتوسط التفاهمات على الهدنة بين حماس وكيان يهود وشارك في إذكاء الفتنة الطائفية بين ما يسمى "السنة" و"الشيعة" بحسب المشروع الأميركي من خلال مشاركته في مؤتمر علماء المسلمين نصرة لسوريا.
وما كان كل ذلك ليحصل لو أجمع أمره وجعل العقيدة الإسلامية بنقائها دون تأويل أساساً للدولة ولتصرفاته، ولو فكر ملياً وأمعن النظر بمسؤولية الحاكم المسلم الذي يمتلك عقلية سياسية، لم يقبل أن يكون مقيداً وخاضعاً لشروط من يدير شؤون مصر، ولأدار ظهره لها، وأغلق سفارتها في مصر، وهو يعلم أنها وكر للتآمر، ولشلَّ حركة أدواتها فيها بعد التخلص من الوسط السياسي السابق، وحل كل الأحزاب القائمة على غير أساس العقيدة الإسلامية، وأغلق كل الفضائيات ووسائل الإعلام التي لا تخدم توجهات الدولة. ولو كان سياسيو الكفار وأدواتهم مكانه لفعلوا كل ما عجز هو عن فعله، أو لم يقبلوا أخذ الحكم أصلاً.
ورغم أن الحكم يجب أن تعطيه الأمة الإسلامية _الذين يشكل أهل مصر جزءاً جوهرياً فيها_ بعد وعيها الصحيح على إسلامها لمن تختاره ليحكمها حسب أحكام الشرع الحنيف، ولا ينبغي أن يحصل ذلك قبل أن ينقاد الناس إلى الإسلام فعلاً، إلا إننا نتصور أن الدكتور مرسي والإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى مثل حزب النور سوف يقبلون مرة أخرى بالعودة إلى الحكم أو المشاركة الواسعة فيه متمسكين بشروط ما يسمى اللعبة الديمقراطية، بل وبشروط من يدير شؤون مصر على الحقيقة.
أيها المسلمون..
وبناءً على ما سبق فإنه لا يتصور أن تتخلى أميركا عن الإخوان المسلمين القادرين أكثر من غيرهم على تنفيذ مشروع مزج الإسلام والعلمانية في الحكم، فهذا من صميم مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وجد لقطع الطريق على نهضة المسلمين على أساس الإسلام وتحررهم الحقيقي من النفوذ الغربي. لكن أميركا قد تضطر إلى تغيير بعض الأساليب والوسائل من أجل إنجاح المشروع نفسه عندما تعترضه عقبات في التنفيذ وذلك من أجل إقناع جميع الأطراف (إسلاميين وعلمانيين) بالالتزام به.
كما لا يتصور سكوت الولايات المتحدة على تدخل الجيش في الحياة السياسية فهذا بات منذ مدة طويلة أحد المفاهيم التي تعمل على تركيزها في كل الدول الخاضعة لنفوذها وبخاصة في العالم الإسلامي. أما موقفها الحالي من انقلاب مصر فهو من قبيل الإستدراج ومد بعض قادة الجيش بحبل سوف يشنقون به أنفسهم في حينه.
أيها المسلمون..
إن أميركا ومن ورائها دول الكفر تريد كذلك توجيه صدمة معنوية للمسلمين بفشل الإسلام في مختلف ميادين الحياة كلما سنحت لها الفرصة لإثبات ذلك، فقد قال ديفيد بروكس في عمود لجريدة نيويورك تايمز "لقد أصبح واضحاً في مصر وتركيا وإيران وغزة وأماكن أخرى أن الإسلاميين المتطرفين عاجزون عن إدارة حكومة حديثة" وفي صحيفة أخرى جاء "على الإسلاميين أيضاً أن يستوعبوا أنه لا يمكن للمرء أن يتغذى شريعة" مع أن مرسي لم يطبق الشريعة ، إلا أن المقصود هو توجيه أنظار المسلمين إلى فشل الإسلام في معترك الحياة، وعدم قدرته على إيجاد المعالجات لحياة المجتمع.
وعليه فإننا ندعو المسلمين كافة إلى العمل الجاد والدؤوب لإيصال الإسلام النقي الصافي إلى سدة الحكم، ونطمئنهم أنهم يمتلكون القدرة على إفشال مخططات الكفر للنيل من الإسلام والمسلمين، وندعو كل شباب المسلمين ومنهم من ينتمون إلى الحركات الإسلامية أن يتحلوا بالوعي على الإسلام وأن لا يكتفوا بالإخلاص له، وأن يتمثلوا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لست بالخب ولكن الخب لا يخدعني".
{ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}
30/شعبان/1434هـ حزب التحرير
9/7/2013
No comments:
Post a Comment