الأندلس الفردوس المفقود من الفتح إلى
السقوط ح1
المقدمة
بسمِ اللهِ والصلاةُ والسلامُ على من لا
نبي بعده أُرسلَ مهداةً ورحمةً للعالمين سيدِنا محمدٍ المختارِ الأمين عليهِ أفضلُ
صلاةٍ وأتمُّ تسليمٍ، وبعد مستمعينا الكرام، نلتقي وإياكُم وبإذنِه تعالى ومعَ
سلسلةٍ جديدةٍ نطّلِعُ من خلالِها على عزٍ مفقودٍ وكرامةٍ ضائعةٍ، فكان لا بد من
سبرِ أغوارِ هذا التاريخِ المجهولِ لدى كثيرٍ من المسلمين. فتاريخُ الأندلسِ ثروةٌ
حقيقيةٌ من العلمِ ومن الخبرةِ ومن العبرةِ والتي لا بدَ أن نعتبرَ منها حتى لا
نقعَ في نفسِ الأخطاءِ التي وقعَ فيها من سبقونا، فتاريخُ الأندلسِ مضى في أكثرِ
من ثمانِمائةِ عام، قامتْ فيه أممٌ وارتقتْ، وفي الوقتِ نفسِه وَقَعَتْ أممٌ أخرى
واندَثَرَتْ، بَرَزَتْ فيهِ شخصياتٌ عديدةٌ، كعبدِ الرحمن الداخل وعبدِ الرحمن
الناصر ويوسفَ بنِ تشفين وغيرِهم..
لذا سنقومُ من خلالِ هذهِ الحلقاتِ ببيانِ
كيفةِ فتحِ الأندلسِ وكيفيةِ سقوطِها وما هي عواملُ السقوطِ؟ والتي لا بد من تجنبِ
تكرارِها لتجنبِ تكرارِ السقوط.
فمن المعلومِ لدينا أن للهِ سنةً في خلقِهِ
لا تتبدلُ ولا تتغيرُ، فاللهُ سبحانَهُ وتعالى يقول: " فَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً"
(فاطر:43) سورةُ فاطر الآيةُ الثالثةُ والأربعون.
فهذا أمرُ اللهِ سبحانَه وتعالى قرَرَهُ في
كتابِهِ وجعلَهُ من سنَنِهِ الثابتةِ، كثبوتِ درجةِ غليانِ الماءِ ودرجةِ تجمدِه
وثبوتِ الحرقِ في النارِ والقطعِ في السكينِ وثبوتِ حاجةِ الإنسانِ إلى الطعامِ
والشرابِ لاستمرارِ حياتِه، وإلا فقدهَا بفقدانِهِ إياها، فهذهِ الأمورُ وغيرُها
ثابتةٌ وستظلُ كذلك إلى يومِ القيامةِ، وهذا الثبوتُ يؤديْ إلى ثبوتِ حياةِ الناسِ
وبالتالي تستقيمُ أمورُهُم وتستقر، فاللهُ سبحانَه وتعالى وضعَ للإنسانِ والكونِ
والحياةِ قواعدَ محكمةً وسُننًا ثابتةً لا تتغيرُ إلى يومِ الدين.
كذلك وبالمثل فإن سننَ اللهِ تعالى في تغييرِ الأممِ هي سننٌ ثابتةٌ، فقد جعلَ اللهُ لتغييرِ الأممِ وتبديلِها من الفسادِ إلى الصلاحِ، ومن الصلاحِ إلى الفسادِ سنناً ثابتةً لا تتغيرُ.
كذلك وبالمثل فإن سننَ اللهِ تعالى في تغييرِ الأممِ هي سننٌ ثابتةٌ، فقد جعلَ اللهُ لتغييرِ الأممِ وتبديلِها من الفسادِ إلى الصلاحِ، ومن الصلاحِ إلى الفسادِ سنناً ثابتةً لا تتغيرُ.
فالقارئُ للتاريخِ المقلبُ لصفحاتِه يشاهدُ
هذا الثبوتَ في تلك السننِ، ويجدُ كيفَ أن التاريخَ يكررُ نفسَهُ بصورةٍ عجيبةٍ،
فيظنَّ نفسَهُ حين يقرأَ أحداثاً حدثت منذ ألفِ عامٍ أو أكثر، وكأنها هيَ هيَ،
نفسُ الأحداثِ التي تتمُ في هذا الزمن، مع اختلافٍ فقط في بعضِ الأسماءِ أو
المسميات.
والمؤمنُ الحصيفُ لا يقعُ في أخطاءِ
السابقين، والمؤمنُ العاقلُ الواعيْ هو الذي يكررُ ما فعله السابقون من المحامدِ
والإيجابيات، فيفلحُ بفلاحهِم واقتدائِه بهم، وهو نفسُه الذي لا يقعُ في أخطاء ِمن
عارضَ منهجَ اللهِ سبحانه وتعالى، أو وقع في خطأٍ مقصودٍ كان أو غيرَ مقصود.
وقبل البدءِ في تاريخِ الأندلسِ، كان لا
بدَ من وَقْفَةٍ ولو يسيرةٍ على أمرِ الجهادِ وتعريفِه، فمسألةُ الجهادِ من
المسائلِ التي هاجمنا الغربُ من خلالِها، وهبَّ المسلمون للدفاعِ عنها وكأنَها
تهمةٌ تَلْحَقُ بالإسلامِ وأهلِه، مما زادَ الطينَ بِلَّةً، وأدى هذا الدفاعُ إلى
الإساءةِ لأحكامِ الشرعِ وتأويلِ نصوصِهِ تأويلاً لا تحتملُهُ، فأدى إلى الخطأِ
بلِ الضلالِ.
فقالوا: إن الجهادَ هو للدفاعِ عن النفسِ،
وهمشوا تماماً بقصدٍ أو دون قصد مسألةَ جهادِ الطلبِ، والذي لا تنتشرُ الدعوةُ إلا
بِِهِ، بل إنهُ الطريقةُ الشرعيةُ الوحيدةُ للدعوةِ إلى الإسلامِ.
والجهادُ هو بذلُ الوسعِ في ساحةِ القتالِ،
وأيضاً هو إزالةُ جميعِ الحواجزِ الماديةِ التي تمنَعُ انتشارَ الإسلام، فالإسلامُ
هو الدينُ الخاتَمُ، وهو كلمةُ اللهِ الأخيرةُ إلى الناسِ، وقد كلّفَ اللهُ هذهِ
الأمةَ - أمةَ الإسلامِ - أمرَ نشرِ هذا الدينِ في ربوعِ العالم، وتعليمِ الناسِ
كلِّ الناسِ مُرادَ ربِهم عزَّ وجلّ الذي أنزلَهُ على نبيِهِ خاتَمِ الأنبياءِ صلى
الله عليه وسلم.
وقد جعلنا اللهُ سبحانَه وتعالى -أمةَ
الإسلامِ- أمةَ الشهادةِ على باقيْ الأممِ، قال سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" البقرة:143.
والطبيعيُّ أن يكونَ هناك من يمنعُ ويصدُّ،
ويقفُ بكلِ ما أوتيَ من قوةٍ حائلاً بين حملةِ الدعوةِ وبين مَن يرادُ توصيلُ
الدعوةِ إليهِم؛ وذلك لأنَهُم- وهمُ الحكامُ- مستفيدون من عبادةِ هؤلاءِ الناسِ
لغيرِ اللهِ سبحانه وتعالى، فإذا حَكمَ شرعُ اللهِ انتقلتِ الحاكميةُ من هؤلاءِ
الناسِ- الحكامِ- إلى اللهِ سبحانه وتعالى وهم لا يريدون ذلك، ومن هنا سيقفون
أمامَ الدعوةِ بجيوشِهِم وسيوفهِم، ولن يجد المسلمون إلا أن يقفوا أيضا أمامَهُم
بجيوشِهم وسيوفِهم حتى يحموا الدعوةَ إلى اللهِ سبحانَه وتعالى.
ومبدأُ الإسلامِ هو مبدأٌ شاملٌ كاملٌ ليسَ
فيهِ ثغراتٌ وليس فيه ما نستحيْ منهُ أو نُخفيهِ عن الآخرين، فهو من عندِ اللهِ
عزَّ وجلّ، بتعاليمِهِ، وكيفيةِ تنفيذِ هذه التعاليم، ووجبَ نشرُ هذا المبدأ،
ونشرُهُ يتمُّ بالدعوةِ والجهادِ،، فهذا أمرُ اللهِ ووجبَ علينا التنفيذُ، كما
نفذَ أجدادُنا الذين حملوا الإسلامَ طيلةَ أربعةَ عشرَ قرنا من الزمان
فهذهِ دولةُ فارسَ والتي تشملَ الآنَ: العراقَ وإيرانَ وباكستانَ وأفغانستانَ وكلَ دولِ الاتحادِ السوفياتي الجنوبيةِ والتي تشمل أكثرَ من خمسةَ عشرَ إلى ستةَ عشرَ دولة من جملةِ دول الاتحادِ السوفياتي السابق، كلُ هذهِ البلدانِ من هذهِ الدولةِ الفارسيةِ أسلمتْ ودخلَها المسلمون عن طريقِ الفتحِ الإسلاميِّ العسكري، بالجيوشِ والجهادِ والاستشهادِ والحروبِ المريرةِ لسنواتٍ طويلة، ومثلُها أيضا دولةُ الرومِ، وكذلكَ بلادُ الشامِ التي تشملُ فلسطينَ والأردنَ وسوريا ولبنانَ وأجزاءً من جنوبِ تركيا، بالإضافةِ أيضا إلى بلادِ آسيا الصغرى، كلُ ذلكَ فُتِحَ بالجهادِ في سبيلِ اللهِ، دولةُ الرومِ فُتحت فتحا عسكريا، وليسَ فتحُ القسطنطينيةِ خافيا عن العيون، وكذلكِ أيضا كلُّ بلدانِ شرقِ أوروبا، وكان منها على سبيلِ المثال: بُلغاريا واليونانُ ورومانيا والمجرُ وتشيكوسلوفاكيا وأجزاءٌ من النمسا ويوغوسلافيا بكاملِها وقبرصُ ومالطا، كلُ هذه البلدانِ فُتحت بالجهادِ في سبيلِ اللهِ في زمنِ الخلافةِ العثمانية، وعاشَ فيها الإسلامُ رَدَحا من الزمن، ثمَّ ما لبثَ أن اختفى منها، بسقوطِ دولةِ الإسلام.
فهذهِ دولةُ فارسَ والتي تشملَ الآنَ: العراقَ وإيرانَ وباكستانَ وأفغانستانَ وكلَ دولِ الاتحادِ السوفياتي الجنوبيةِ والتي تشمل أكثرَ من خمسةَ عشرَ إلى ستةَ عشرَ دولة من جملةِ دول الاتحادِ السوفياتي السابق، كلُ هذهِ البلدانِ من هذهِ الدولةِ الفارسيةِ أسلمتْ ودخلَها المسلمون عن طريقِ الفتحِ الإسلاميِّ العسكري، بالجيوشِ والجهادِ والاستشهادِ والحروبِ المريرةِ لسنواتٍ طويلة، ومثلُها أيضا دولةُ الرومِ، وكذلكَ بلادُ الشامِ التي تشملُ فلسطينَ والأردنَ وسوريا ولبنانَ وأجزاءً من جنوبِ تركيا، بالإضافةِ أيضا إلى بلادِ آسيا الصغرى، كلُ ذلكَ فُتِحَ بالجهادِ في سبيلِ اللهِ، دولةُ الرومِ فُتحت فتحا عسكريا، وليسَ فتحُ القسطنطينيةِ خافيا عن العيون، وكذلكِ أيضا كلُّ بلدانِ شرقِ أوروبا، وكان منها على سبيلِ المثال: بُلغاريا واليونانُ ورومانيا والمجرُ وتشيكوسلوفاكيا وأجزاءٌ من النمسا ويوغوسلافيا بكاملِها وقبرصُ ومالطا، كلُ هذه البلدانِ فُتحت بالجهادِ في سبيلِ اللهِ في زمنِ الخلافةِ العثمانية، وعاشَ فيها الإسلامُ رَدَحا من الزمن، ثمَّ ما لبثَ أن اختفى منها، بسقوطِ دولةِ الإسلام.
وأيضا دولُ شمالِ إفريقيا كلُّها فُتحت
بالجهادِ في سبيل ِالله، ابتداءً بمصرَ ومرورا بليبيا ثم تونسَ ثم الجزائرِ ثم
المغربِ، ومثلُها أيضا دولُ وسطِ وغربِ إفريقيا فتحت بالجهادِ في سبيلِ الله.
والناظرُ للفتوحاتِ الإسلاميةِ التي حصلتْ،
وتلكَ الحروبِ التي يشنُها الغربُ الكافرُ على الإسلامِ وأهلِه، يرى البونَ
الشاسعَ بين أهدافِ الفتوحات، وأهدافِ تلك الحروب، رغم ادعاءاتِهم بأنهم يريدون
نشرَ السلامِ وتحقيقَ الحريةِ والطمأنينةِ وتخليصَ الشعوبِ من ديكتاتورية حكامِهِم،
نجدُهُم يقتلونَ النساءَ والأطفالَ والشيوخَ دون رحمةٍ، يهدمونَ البيوتَ يحرقونَ
كلَّ شيءٍ أمامَهم ولمْ يسلمْ منهمُ الحجرُ والشجرُ.
فالمسلمون دخلوا البلادَ لينشروا فيها
العدلَ والرحمةَ ودينَ الحقِ ويعبِّدوا الناسَ لربِ العالمين، علّموا فيها الناسَ
دينَهم وهَدَوْهُمْ إلى طريقِ ربِهم، عملوا على نشرِ العلمِ والدينِ والرحمةِ
والعدلِ في ربوعِ العالمِ أجمع.
أما الغربُ الكافرُ فلم يدخلِْ البلادَ إلا
لاحتلالِها ونهبِ ثَرَواتِها وخيراتِها والقضاءِ على المسلمين أطفالاً ونساءً
وشيوخاً.
ففي فلسطينَ سمعنا عن كلِّ الموبقات التي
فعلها ومازالَ يفعلُها يهودُ هناك، وكذلك الأمرُ في العراقِ وأفغانستانَ، وسابقاً
سمعنا عن أفعالِ الصربِ في البوسنةِ والهرسكِ وفي كوسوفا حين قُتِل مِائَتَا ألفٍ
أو أكثرُ، في واحدةٍ من الاثنتين وقاموا بهتكِ عِرْضِ خمسينَ ألفَ فتاةٍ مسلمة،
ولا ننسى اجتياحَ روسيا للشيشانِ وكذلك أفغانستانَ وتدميرَ المنشآتِ المدنيةِ في
هذهِ البلاد، وقتلِ المدنيين ليلَ نهار.
كلُّ هذهِ الأفعالِ وأكثرُ باسمِ
الديموقراطيةِ ونشرِ الحرية، فعن أيةِ حريةٍ يتكلمون؟؟!!
إن تاريخَ المسلمين مليءٌ بصَفَحاتِ الشرفِ
والعزةِ والمجدِ، وهؤلاء إنما يريدونَ تغييرَ هذه الصَفَحاتِ المشرقةِ عن عَمْدٍ؛
حتى يشعرَ المسلمون بشيءٍ من الاستحياءِ تُجاهَ تاريخِهِم، وإنما التاريخُ
الإسلاميُّ صَفَحاتٌ بيضاءُ ناصعةٌ، يشرّفُ كلَ المسلمين ويُعْلِيْ من قدرِهِم،
وإنما الاستحياءُ كلُّ الاستحياءِ يجبُ أن يكونَ من أدعياءِ الحضارةِ والمدنيةِ
وفُعّالِ الفحشِ والموبقات.
نكتفي بهذا القدرِ، ونعود إليكُم بإذنه
تعالى الأسبوعَ القادمَ وحَلْقةً جديدةً من حَلَقاتِ (الأندلسُ المفقودُ من الفتحِ
إلى السقوطِ) نتعرف من خلالِها على بلادِ الأندلس، فإلى ذلكَ الحين، أستودعُ اللهَ
دينَكُم وأمانتَكُم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبته: أم سدين
21 من جمادى الأولى 1434 الموافق 2013/04/02م
الأندلسُ الفردوسُ المفقودُ من الفتحِ إلى
السقوطِ الحلْقةُ الثانيةُ
بلادُ الأندلسُ
السلامُ عليكم ورحمةُ الله تعالى وبركاته ،
نُطِلُ عليكُم مستمعينا الكرامُ من جديدٍ عَبْرَ إذاعةِ المكتبِ الإعلاميّ لحزبِ
التحريرِ ، ونواصلُ معكُم سلسلة َحَلَقاتِ الأندلسُ الفردوسُ المفقودُ من الفتحِ
إلى السقوطِ ، وسَنتحدثُ اليومَ عن بلادِ الأندلسِ والمعروفةِ اليومَ بدولَتَيْ
إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمى شبهَ الجزيرةِ الأيبيرية، ومِساحتُها (مجموعُ
الدولتين) سِتُّمِئَةِ ألفِ كيلو متر.
أما سببُ تسميتِها بالأندلسِ فقد كانت
هناكَ بعضُ القبائلِ الهمجيةِ التي جاءتْ من شمالِ إسكندناف من بلادِ السويد
والدانمارك والنرويج وغيرِها، وهَجمتْ على مَنطقةِ الأندلسِ وعاشتْ فيها فترةً
منذُ القرنِ الأولِ الميلادي، ويقالُ إن هذهِ القبائلُ جاءتْ من ألمانيا، وما
يَهُمُنا هو أنَ هذهِ القبائلَ كانتْ تَتَّسِمُ بالوحشيةِ والهمجيةِ فكانت
تُسمى قبائلَ الفندال أو الوندال باللغةِ العربية ؛ فسُمِيتْ هذهِ البلادُ
بفاندليسيا على اسمِ القبائلِ التي كانتْ تعيشُ فيها، ومع الأيامِ حُرِّف إلى
أندوليسيا فأندلس.
وكلمةُ فندليزم باللغةِ الإنجليزيةِ تعني همجيةً ووحشيةً ، وتعني أيضاً أسلوباً بدائياً أو غيرَ حضاري، وهوَ المعنى والاعتقادُ الذي رَسَّخَتهُ قبائلُ الفندال، وقد خرجتْ هذهِ القبائلُ من الأندلسِ وحكَمَها طوائفُ أخرى من النصارى عُرِفتْ في التاريخِ باسمِ قبائلِ القوطِ أو القوطِ الغربيين، وظلوا يحكمونَ الأندلسَ حتى قدومِ المسلمين إليها عام 92( اثنينِ وتسعينَ) للهجرةِ .
وكلمةُ فندليزم باللغةِ الإنجليزيةِ تعني همجيةً ووحشيةً ، وتعني أيضاً أسلوباً بدائياً أو غيرَ حضاري، وهوَ المعنى والاعتقادُ الذي رَسَّخَتهُ قبائلُ الفندال، وقد خرجتْ هذهِ القبائلُ من الأندلسِ وحكَمَها طوائفُ أخرى من النصارى عُرِفتْ في التاريخِ باسمِ قبائلِ القوطِ أو القوطِ الغربيين، وظلوا يحكمونَ الأندلسَ حتى قدومِ المسلمين إليها عام 92( اثنينِ وتسعينَ) للهجرةِ .
وفُتحت الأندلسُ في فترةِ الخلافةِ
الأمويةِ ، على زمنِ الخليفةِ الوليدِ بْنِ عبدِ الملك والتي كانتْ فترةُ حُكمِهِ
ما بينَ سنةِ سِتٍّ وثمانينَ إلى سنةِ ستٍ وتسعينَ من الهجرةِ، وهذا يَعني أن فتحَ
الأندلسُ كان في منتصفِ خلافةِ الوليدِ الأمويِّ رَحِمَهُ الله
وكان فتحُ الأندلسِ بعد أن فتحَ المسلمون
الشمالَ الإفريقيَّ كلَه، مصرَ وليبيا وتونسَ والجزائرَ والمغربَ، ووصلوا
إلى حدودِ المغربِ الأقصى والمحيطِ الأطلسي، ولم يكن أمامَهُم في سيرِ فتوحاتِهم
إلا أحدُ السبيلين، إما أن يَتجهوا شمالا، ويعبروا مَضيقَ جبلِ طارقٍ ويدخلوا
بلادَ الأندلسِ ، وإما أن يتجهوا جنوباً صوبَ الصحراءِ الكبرى ذاتِ المساحاتِ
الشاسعةِ والأعداد ِالقليلةِ من السكان، والمسلمون بدورِهِم ليس من همِهِم إلا
البحثُ عن تجمعاتِ البشرِ حتى يعلموهم دينَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى، ولم يَكُن
هَمُّهُم البحثَ عن الأراضي الواسعةِ أو جمعِ الممتلكات.
وعلى هذا النهجِ سارَ المسلمون في كلِ
فتوحاتِهم، وَيُجسِدُ هذا المنهجَ ذلك الحوارُ الذي دارَ بين معاذِ بْنِ جبلٍ رضيَ
اللهُ عنه وبينَ ملكٍ من ملوكِ الرومِ قبلَ موقعةِ اليرموكِ وكان رسولا إليه،
سألهُ الملكُ: ما الذي دعاكُم إلى الولوغِ في بلادنِا وبلادُ الحبشةِ أسهلُ
عليكُم؟ وقد كانت الرومُ آنذاك تقتَسِمُ العالمَ مع فارسٍ، فيسألُ ملكُ الرومِ
متعجبا كيف تَطْرقونَ أبوابَ القوةِ العظمى وتتركونَ الحبشةَ وهي الأسهلُ
والأيسرُ؟! فأجابَهُ مُعاذُ بْنُ جبلٍ قائلا: قالَ لنا ربُنا في كتابِه الكريم:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ
المُتَّقِينَ] {التوبة:123} سورةُ التوبةِ الآيةُ الثالثةُ والعشرونَ بعدَ
الْمِئَةِ . أنتمُ البلادُ التي تلينا، ثمَ بعدَ الانتهاءِ من بلادِ الرومِ
سنجَوِّزُها إلى الحبشةِ وغيرِها من البلادِ. أي أننا لم ننسَ الحبشةَ ولكنْ أنتم
المجاورون لنا، وهكذا كان الحالُ بالنسبةِ إلى الأندلسِ؛ حيثُ كانتْ هيَ التي تلي
بلادَ المسلمين.
ودعونا مستمعينا الكرامُ نُلْقِ نظرةً على
حالةِ أوروبا والوضعِ الذي كانت عليه - خاصةً بلادَ الأندلسِ - عندَ الفتحِ
الإسلامي وكيفَ كان، وكيف تغيرَ هذا الوضعُ وهذا الحالُ بعدَ دخولِ أهلِ هذهِ
البلادِ الإسلامَ، فأوروبا في ذلكَ الوقتِ كانت تعيشُ فترةً من فَتَراتِ الجهلِ
العظيمِ جدا، حيثُ الظلمُ هو القانونُ السائدُ، فالحكامُ يمتلكونَ الأموالَ
وخيراتِ البلاد، والشعوبُ تعيشُ في بؤسٍ كبيرٍ، والحكامُ بَنَوْا القصورَ والقلاعَ
والحصون، بينما عامةُ الشعبِ لا يجدُ المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقرٍ شديدٍ،
بل إنهم يُباعون ويُشْتَرَوْنَ معَ الأرضِ، وبالنسبةِ للفردِ نَفسِه، فالأخلاقُ
مُتَدنيةٌ والحرماتُ مُنتَهكةٌ، وبُعدٌ حتى عن مقوماتِ الحياةِ الطبيعيةِ،
فالنظافةُ الشخصيةُ - على سبيلِ المثال - مختفيةٌ بالمرة، حتى إنهم كانوا يتركونَ
شعورَهُم تنسدلُ على وجوهِهِم ولا يهذبونَها، وكانوا - كما يذكرُ الرحالةُ
المسلمون الذين جابوا هذهِ البلادَ في هذا الوقت - لا يستحمّون في العامِ إلا مرةً
أو مرتين، بل يَظنونَ أن هذهِ الأوساخَ التي تتراكمُ على أجسادِهِم هي صحةٌ لهذا
الجسد، وهي خيرٌ وبركةٌ له.
وكانوا يتفاهمونَ بالإشارةِ، فليستْ لهم لغةٌ منطوقةٌ أصلاً، فضلاً عن أن تكونَ مكتوبةً، وكانوا يعتقدونَ بعضَ اعتقاداتِ الهنودِ والمجوسِ من إحراقِ المتوفى عندَ موتِه، ومِنْ حَرْقِ زوجَتِه معَه وهي حية، أو حرقِ جاريتِهِ معَه، أو من كانَ يُحِبُهُ من الناسِ، والناسُ تعلمُ وتشاهدُ هذا الأمرَ، فكانتْ أوروبا بصفةٍ عامةٍ قبلَ الفتحِ الإسلامي يَسودُها التخلفُ والظلمُ والفقرُ الشديدُ، والبعدُ التامِ عن أيِ وجهٍ من أوجُهِ التطورِ المدني.
وكانوا يتفاهمونَ بالإشارةِ، فليستْ لهم لغةٌ منطوقةٌ أصلاً، فضلاً عن أن تكونَ مكتوبةً، وكانوا يعتقدونَ بعضَ اعتقاداتِ الهنودِ والمجوسِ من إحراقِ المتوفى عندَ موتِه، ومِنْ حَرْقِ زوجَتِه معَه وهي حية، أو حرقِ جاريتِهِ معَه، أو من كانَ يُحِبُهُ من الناسِ، والناسُ تعلمُ وتشاهدُ هذا الأمرَ، فكانتْ أوروبا بصفةٍ عامةٍ قبلَ الفتحِ الإسلامي يَسودُها التخلفُ والظلمُ والفقرُ الشديدُ، والبعدُ التامِ عن أيِ وجهٍ من أوجُهِ التطورِ المدني.
هذه أوروبا قبلَ دخولِ الإسلامُ إليهَا
وهذا كان حالُها ، وهذا كان حالُ المسلمين ، عزٌ وفخارٌ وقوةٌ ، لأنهم اتخذوا
الإسلامَ منهجاً لهم ، وقد صدقَ عمرُ بن الخطابِ حين قال : " نحن قومٌ أعزّنا
اللهُ بالإسلامِ فإذا ابتغينا العزةَ بغيرِه ، أذلنا اللهُ "
نكتفي بهذا القدرِ ، وإلى لقاءٍ آخرَ
إن شاء الله ، الأسبوعَ القادمَ ، نتحدثُ فيهِ عن أعظمِ قوادِ الأندلسِ ، نتحدث
فيه عن القائدِ ابْنِ القائدِ ، فإلى ذلك َالحينِ ، نستودعَكُم اللهَ ، والسلام
عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
ام سدين
10 من رمــضان 1431 الموافق 2010/08/20م
الأندلس الفردوس المفقود من الفتح إلى
السقوط ح3
نحييكم أحبتنا الكرام بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، ونطل عليكم من جديد وسلسلتنا المتتابعة الأندلس الفردوس المفقود، وسنتحدث اليوم عن قائد بارع ألا وهو موسى بن نصير.
عندما تكون عقلية المرء ونفسيته منطلقة من
نفس القاعدة الفكرية، وحين تكون هذه القاعدة أساسها اتباع أوامر الله واجتناب
نواهيه، فإن الشخصية تكون متميزة، سلوك صاحبها يدل على رقي فكره الذي يحمله، وهكذا
كان موسى بن نصير ذلك القائد المسلم البارع التقي الورع الذي ثبت أقدام الإسلام في
هذه البلاد المترامية الأطراف في الشمال الإفريقي، وهو من التابعين، وقد روى عن
بعض الصحابة.
أما أبوه فهو نصير ذلك الغلام النصراني
الذي أسره خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة عين التمر، وكان قبلها يتعلم
الإنجيل والدراسات النصرانية في الكنيسة، وفي الأسر عرف الإسلام وأعجب به، فأسلم
وهو ابن ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاما، وكان معه وعلى شاكلته سيرين أبو محمد بن
سيرين التابعي المشهور.
وهنا وقفة لطيفة نشير إليها في معرض هذا
الحديث، وهي تلك الثمرة التي هي من ثمار ومن تبعات الفتوحات الإسلامية، ومصداقا
لقوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ {فصِّلت:33} . تلك الثمرة التي منّ
الله بها على نُصير وعلى ولده من بعده، ومن ثم على المسلمين أجمعين.
أما نُصير، فلما أسلم ازداد حبه للإسلام،
فأخذ ينهل منه ويتعلم حتى أصبح عالما، وفي ذات الوقت كان من الفرسان الأشداء
والمجاهدين الأكفاء، وظل يترقى من حال إلى حال حتى صار في زمن الدولة الأموية قائد
جيوش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وظل في هذه القيادة سنوات طويلة، وفي هذا الوقت
كان ابنه موسى يتربى في بيت الخلافة مع أولاد معاوية وأولاد الخلفاء، فنشأ موسى بن
نصير على حب الجهاد في سبيل الله ونشر الدين، حتى أصبح شابا يافعا يتقلد الرتب
والمناصب، فتقلد قيادة جيوش الأمويين في مصر في عهد عبد العزيز بن مروان الأموي،
ثم بعد ذلك واليا على إفريقيا وذلك في سنة خمس وثمانين من الهجرة.
ومنذ ذلك الحين أصبح كل همه البحث عن سبب
ارتداد بعض الناس بين الحين والآخر عن الإسلام بعد أن يكونوا قد دخلوا فيه؟! بل
كيف يعودون ويقاتلون المسلمين بعد أن كانوا مسلمين؟! ومن هنا فقد أراد أن يجد حلا
لهذه الأمور، ويعمل على تثبيت دعائم الإسلام في هذا الإقليم الذي كان قد فتحه عقبة
بن نافع رحمه الله، والذي اغتيل في القيروان من هذا الإقليم على يد البربر وهو في
طريق عودته من المغرب الأقصى.
وفي بحثه عن معرفة أسباب هذه الردة
المتكررة وجد موسى بن نصير خطأين وقع فيهما من سبقوه.
الخطأ الأول: وهو أن عقبة بن نافع ومن معه
كانوا يفتحون البلاد فتحا سريعا، ويتوغلون داخلها طمعا في فتح أماكن أخرى كثيرة،
دون أن يحموا ظهورهم في هذه المناطق التي فتحوها، ومن ثم كانت النتيجة أن البربر
فقهوا هذا الأمر واستغلوه جيدا، فانقلبوا على عقبة وأحاطوا به وقتلوه،
وفي تغلبه على هذا الأمر بدأ موسى بن نصير
يفتح البلاد في أناة شديدة، وفي هدوء وحذر كحذر خالد بن الوليد، فبدأ يتقدم خطوة
ثم يُأَمّن ظهره، ثم خطوة فيأمّن ظهره، حتى أتم فتح هذا الإقليم في سبع سنين أو في
ست سنوات، بينما استغرق عقبة بن نافع في فتحه شهورا معدودات.
أما الخطأ الثاني فقد وجد أن سكان هذا
الإقليم لم يتعلموا الإسلام جيدا ولم يعرفوه حق المعرفة، فبدأ بتعليمهم الإسلام؛
فكان يأتي بعلماء التابعين من منطقة الشام والحجاز ليعلموهم الإسلام ويعرفونهم به،
فأقبل السكان على الإسلام وأحبوه ودخلوا فيه أفواجا، حتى أصبح البربر الذين
يحاربون المسلمين أصبحوا جند الإسلام وأهله، وهكذا عمل موسى على تثبيت دعائم
الإسلام وتوطيده في الشمال الإفريقي، وأتم فتح الإقليم بكامله عدا مدينة واحدة وهي
مدينة سبتة (مدينة سبتة الآن من مدن المغرب العربي التي تحتلها إسبانيا، وتقع على
مضيق جبل طارق)، فقد فتح ميناء طنجة ولم يفتح ميناء سبتة المماثل له في الأهمية،
وللموقع الاستراتيجي لمدينة سبتة ولّى موسى بن نصير على ميناء طنجة أمهر قواده
طارق بن زياد رحمه الله، وطارق بن زياد لم يكن عربيا، بل كان من قبائل البربر التي
استوطنت الشمال الإفريقي والتي كان يميزها اللون الأبيض والعيون الزرقاء والشعر
الأشقر، بعكس ما يُتخيل من كونهم يشبهون الزنوج، حتى إن البعض ينسبونهم إلى أصول
أوروبية، وقد حمل طارق بن زياد القائد الفذ هذه الصفات الشكلية، إضافة إلى ضخامته
الجسمية ووسامته الشديدة، تلك التي لم تمنعه عن الانشغال بحب الجهاد في سبيل الله،
ونشر هذا الدين.
لم تكن فكرة فتح الأندلس وليدة أيام موسى
بن نصير، بل إنها فكرة قديمة جدا، فمنذ أن استعصت القسطنطينية على الفتح زمن عثمان
بن عفان رضي الله عنه - وكانت الحملات الإسلامية قد وصلت إليها - قال قولته: إن القسطنطينية
إنما تفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح
القسطنطينية في الأجر.
فكان عثمان رضي الله عنه يعني أن المسلمين
سيفتحون الأندلس أولا (غرب أوروبا) ثم يتوجهون منها صوب القسطنطينية (شرق أوروبا)
فيفتحونها من قِبَل الغرب لا من قِبَل الشرق، من جهة البحر الأسود في ذلك الوقت،
لكن المسلمين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه
المنطقة من المغرب العربي إلا في أيام بني أمية وفي فترة حكم موسى بن نصير على
الشمال الإفريقي.
أخذ موسى بن نصير الفكرة وهيأ نفسه لبلاد
الأندلس تلك التي تلي الشمال الإفريقي مباشرة، ولكن واجهته بعض العقبات، فما هي
هذه العقبات وكيف استطاع موسى بن النصير التغلب عليها، هذا ما سنراه في الحلقة
القادمة بإذنه تعالى، فإلى ذلك الحين نترككم في رعاية الله وحفظه وأمنه، والسلام
عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كتبته : أم سدين
06
من جمادى الثانية 1434
الموافق 2013/04/16م
الموافق 2013/04/16م
No comments:
Post a Comment