Sunday, June 19, 2016

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" ح92

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" ح92

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين, والصَّلاةُ والسَّلامُ علَى إمامِ المتقين, وسيِّدِ المُرسَلِين, المبعوثِ رحمةً للعالمين, سَيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلَى آلهِ وصَحبِهِ أجمَعِين, واجعَلْنا مَعَهم, وَاحْشُرنَا في زُمرتهم برَحمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمين.
أيها المؤمنون:
مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:
السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه, وبعد: في هَذِه الحَلْقَة نُوَاصِلُ تَأمُّلاتِنَا في كِتَابِ: "مِنْ مُقَوِّمَاتِ النَّفسيَّة الإسلاميَّة". وَمِن أجلِ بِنَاءِ الشَّخصيَّةِ الإسلاميَّة, مَعَ العِنَايَةِ بِالعَقليَّةِ الإسلاميَّةِ وَالنَّفسيَّةِ الإسلامِيَّةِ, نَقُولُ وَبِاللهِ التَّوفِيق: هُناكَ أخلاقٌ ذَمِيمَةٌ مَنهيٌّ عَنهَا, وقد سَبَقَ الحَدِيثُ عَن أربعٍ وَعِشرينَ مِنهَا:
سِتٌ وعِشرُونَ: وَمِنَ الأَخلاقِ الذَّمِيمَةِ الخيَانَة: قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}. (الأنفال 58). وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. (الأنفال 27). وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً, وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ, وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِى إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ». وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ «وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. لا زَبرَ لَهُ أَي لا عَقلَ لَهُ. لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلاً أو لاَ يَبتَغُونَ أَهْلاً كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخرَى.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ! وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ!». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَةَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ فِي الرِّيَاضِ: إِسنَادُهُ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالحَاكِمُ, وَصَحَّحَهُ, وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
سَبعٌ وعِشرُون: وَمِنَ الأَخلاقِ الذَّمِيمَةِ الغِيبَةُ والبُهْتُ: الغِيبَةُ هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا فِيهِ مِمَّا يَكرَهُ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَهُوَ البُهْتُ, وَكِلاهُمَا حَرَامٌ, وَالأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا: قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}. (الحجرات12) وَقَالَ: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}. (القلم11). وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟». قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ vqd hggi uki أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَعِرضُهُ وَمَالُهُ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ فِي خُطبَتِهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَموَالَكُمْ وَأَعرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيكُمْ، كَحُرمَةِ يَومِكُمْ هَذَا، فِي شَهرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لأَصْحَابِهِ: تَدْرُونَ أَزْنَى الزِّنَا عِنْدَ اللهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : فَإِنَّ أَزْنَى الزِّنَا عِنْدَ اللهِ اسْتِحْلاَلُ عِرْضِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ». ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}». (الأحزاب58) رَوَاهُ أَبو يَعلَى فِي مُسنَدِهِ، وَقَالَ المُنذِرِيُّ وَالهَيثَمِيُّ: رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحُ. وَرَوَى أَبُو دَاودَ فِي مُسنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ
قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الاِسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ».
وَسَمَاعُ الغِيبَةِ حَرَامٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}. (المؤمنون 3). وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. (الأنعام 68).
وَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَنْ يَذُبَّ عَنْ عِرضِ أَخِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ إِنِ استَطَاعَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ عِندَ مُسلِمٍ قال رسول الله : «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ». وَالذِي لا يَذُبُّ عَنْ عِرضِ أَخِيهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ خَاذلاً لَهُ. وَلِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الأَنْصَارِيِّ قالاَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ, وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ, إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ, وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ, وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ, إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَقَالَ الهَيثَمِيُّ إِسنَادُهُ حَسَنٌ.
وَلأَحَادِيثِ أَبِي الدَّردَاِء، وَأَسمَاءِ بِنتِ يَزِيدَ، وَأَنَسٍ، وَعِمرَانَ بْنِ حُصَينٍ، وَأَبِي هُرَيَرَةَ، وَقَد مَرَّتْ كُلُّهَا فِي بَابِ الحُبِّ وَالبُغضِ فِي اللهِ. وَقَد أَقَرَّ رَسُولُ اللهِ مُعَاذاً رضي الله عنه عِندَمَا ذَبَّ عَنْ عِرضِ أَخِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَفَي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ لَهُ فِي قِصَّةِ تَوبَتِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَومِ بِتَبُوكٍ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: "يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيهِ" فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا! فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ».
وَقَد أَبَاحَ العُلَمَاءُ الغِيبَةَ لِسِتَّةِ أَسبَابٍ هِيَ: التَّظَلُّمُ، وَالاستِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنكَرِ، وَالاستِفْتَاءِ، وَتَحذِيرِ المُسلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ, وَهُوَ مِنَ النَّصِيحَةِ، وَذكْرِ المُجَاهِرِ بِفِسقِهِ أَو بِدْعَتِهِ، وَالتَّعرِيفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذكَارِ: "وَأَكثَرُ هَذِهِ الأَسبَابِ مُجمَعٌ عَلَى جَوازِ الغِيبَةِ بِهَا" وَقَالَ: "وَدَلائِلُهَا ظَاهِرَةٌ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشهُورَةِ". وَكَرَّرَ هَذَا المَعنَى فِي الرِّيَاضِ وَذَكَرَ بَعضَ الأَدِلَّةِ. كَمَا ذَكَرَهَا الصَّنعَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلامِ. وَقَالَ القَرَّافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: "قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ يُستَثنَى مِنَ الغِيبَةِ خَمسَ صُوَرٍ وَذَكَرَ النَّصِيحَةَ، وَالجَرحَ وَالتَّعدِيلَ فِي الشُّهُودِ وَالرُّوَاةِ، وَالمُعْلِنَ بِالفُسُوقِ، وَأَربَابَ البِدَعِ وَالتَّصَانِيفِ المُضِلَّةِ، وَإِذَا كَانَ القَائِلُ وَالمَقُولُ لَهُ الغِيبَةُ قَد سَبَقَ لَهُمَا العِلمُ بِالمُغتَابِ بِهِ".
فَإذَا التَزَمَ المُسلِمُ بِالأَخلاقِ الفَاضِلَةِ, بِاعتِبَارِهَا أَحكَاماً شَرعِيَّةً وَاجِبَةَ الاتِّبَاعِ طَاعَةً للهِ: امتِثَالاً لأَوَامِرِهِ, وِاجتِنَاباً لِنَوَاهِيهِ, فإنه يَسْمُو وَيَرقَى فِي المُرتَقَى السَّامِي مِنْ عَلِيٍّ إِلَى أَعلَى, وَمِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِق.
مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:
نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, عَلَى أنْ نُكمِلَ تأمُّلاتنا في الحَلْقاتِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعالى, فإلى ذَلكَ الحِينِ وَإلى أنْ نَلقاكُم, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.
14 من رمــضان المبارك 1437هـ   الموافق   الأحد, 19 حزيران/يونيو 2016مـ

No comments:

Post a Comment