Wednesday, February 6, 2013

قراءة في مستقبل المشهد السياسي في تونس: ماذا بعد الحكومة المؤقتة؟

قراءة في مستقبل المشهد السياسي في تونس: ماذا بعد الحكومة المؤقتة؟

بداية وقبل الحديث عن مستقبل الحياة السياسية في تونس وما ستتمخض عنه الانتخابات القادمة من نتائج فإنه لا بد من تثبيت حقائق ووقائع جارية لا ينكرها إلا من يقدس الأصنام البشرية، ولا يغمض عينيه عنها إلا مكابر أو معاند أو فاقد لكل حس ثوري أو رغبة في التغيير:
أولا: أن الثورة لم تستقر بعد، وأن مسارها لم يستكمل بعد، وأن أهدافها لم تحقق بعد، بداية من إقصاء التجمع من الحياة السياسية ومحاسبة رموز الفساد مرورا بملف جرحى الثورة ووصولا إلى إرساء النظام العادل الذي يحقق العيش الكريم وينهي ظلم الرأسمالية، بل جميع الناس (عامتهم قبل خاصتهم) تدرك أنه لم يتغير من الوضع السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي ما يستحق الذكر، وأن الإنجاز المعتبر فعليا إلى حد الآن هو مجال التعبير والنقد وإبداء الرأي الذي فتحه هذا الشعب بحراكه وزمجرته في وجه النظام السابق، فكان ثمار كسر حاجز الخوف عنه، عجز كل حاكم يعقب بن علي على العودة إلى سياسة تكميم الأفواه ومنع الناس من إبداء الرأي والمحاسبة، وهذا ما يجب أن يستغل من قبل أصحاب الثورة إلى حين التأكد من استكمال مسارها وتحقق أهدافها على الوجه المطلوب.
ثانيا: أن كل من حكومتي السبسي والترويكا هي استكمال لمسار التجمع في السياسة الداخلية والخارجية بحيثياتها ولكن بشعارات وعناوين جديدة تختلف نسبيا عن العناوين البنفسجية السابقة، حيث دخل شعار الإسلام المعتدل إلى قاموس الحياة السياسية مع تغيير ذكرى السابع من نوفمبر المجيد إلى ذكرى 14 جانفي المجيدة، في حكومة يشترك فيها الإسلامي مع العلماني ليدخلوا البلاد في حالة من التجاذبات السياسية اللامتناهية.
ثالثا: أن ثورة الشباب قد اختطفها شيوخ السياسة ليشرفوا على عملية تبريدها وإخماد جذوتها إلى حين إطفائها، ظنا منهم أن الشباب بوعيه وفطنته وعزيمته سيبقى مكتوف الأيدي أمام عملية سرقة الثورة وتغيير مسارها من أجل صنع ديكتاتورية تلبس جبة الإسلام لتحارب أعداء الديمقراطية باسم الثورة والشرعية الانتخابية.
أما إذا عدنا الآن إلى استقراء مستقبل المشهد السياسي في تونس وإلى السيناريوهات المحتملة في الفترة القادمة، فإنه يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولا: أنه لمزيد جر البلاد إلى الخلف وتقوية قادة الثورة المضادة على حساب أبناء الثورة، ظهرت في الصورة حركة تصور نفسها على أنها منقذة البلاد والعباد مستغلة أخطاء الحكومة الحالية، وهي حركة نداء تونس التي يقودها مجرم بلغ من الكبر عتيا وهو الباجي قائد السبسي، وقد استطاعت هذه الحركة أن تضم إليها جميع الأحزاب التجمعية وأحزاب اليسار الانتهازي وأن تشتري ذمة بعضا من أعضاء المجلس التأسيسي فضلا عن تنظيمها لحملات دعائية وانتخابية مبكرة تطرح تساؤلات عديدة حول مصادر تمويلها والقوى التي تقف وراءها.
إلا أنها حركة تفتقد إلى كل سند شعبي وامتداد جماهيري وتقوم على الدعاية وشراء الذمم وخداع الناس باستطلاعات الرأي ومغالطة الرأي العام وتضليل الناس والتلبيس عليهم لجمع الأصوات من هنا وهناك تماما كما كان يفعل النظام السابق، ولذلك فهي تعلم مسبقا أنه لا قبل لها قطعا بمجاراة النهضة في الانتخابات القادمة، إلا أن ذلك لا يضعف من عزيمتها ولا يؤثر في أسلوب عملها ولا تكترث بما يقال عنها أو ما توصف به من نعوت، لأن لها غاية محددة وجدت من أجلها في هذه الفترة بالذات، وهي مجاراة غير النهضة من الأحزاب التي لم تلتحق بها ولم تلب نداءها، وكل أملها أن تحظى على المرتبة الثانية في الانتخابات القادمة بما يمكنها من اقتسام كعكة السلطة مع النهضة، وذلك بالحصول على حقائب وزارية داخل الحكومة وامتلاك وزن برلماني يقصي بقية الأحزاب نسبيا من التأثير على قرارات الحكومة، وذلك تحت مسمى التوافق أو ما عبرت عنه النهضة بشعار: مشاركة لا مغالبة.
ثانيا: أن حركة النهضة التي خسرت نسبيا عددا من أنصارها وتعاقبت أخطاءها وزلاتها بما يخالف انتظارات الناس لها وتقصيرها في التعامل مع الملفات التي لها صلة مباشرة بأهداف الثورة، من شأنه أن يؤثر سلبا في نسبة منتخبيها في المراحل القادمة، إلا أن توغلها في بعض المناطق وسيطرتها على العديد من هياكل الدولة مؤسساتها وتقديم نفسها على أنها الحل الوسطي بين التطرف الإسلامي والعلماني والبديل الوحيد عن التجمع المنحل، والمنقذ الوحيد من عودة السبسي وأتباعه إلى الحكومة، واستغلالها لنفوذ الدولة في القيام بحملة انتخابية مبكرة أعدت لها حزمة من القرارات والانجازات المتأخرة وتظاهرها بالاستجابة لحملة "اكبس" التي صعنت على عينها من أجل محاسبة انتقائية لبعض رموز الفساد في نفس الوقت الذي تعقد فيه صفقات مع رموز التجمع في العديد من القطاعات الحساسة وعلى رأسها الإعلام سعيا لجني ثمار هذه الصفقات بعد الانتخابات.
ثالثا: أن الصراع المزعوم بين حركة النهضة وحركة نداء تونس، ليس إلا مقدمة لمسرحية جديدة تبدأ بدق طبول الحرب بين الأتباع والمناصرين وتنتهي بصلح وتوافق بين القادة، ثم تتوج بجعل صندوق الانتخابات فخا لأبناء الثورة، حيث تتقارب نسب التصويت لكلى القطبين "المتصارعين" بما يمكن القادة من اقتسام كعكة السلطة بحجة الاضطرار وإخراج كل من حزب المؤتمر والتكتل من اللعبة مادامت أحزابا متشرذمة ومنقسمة داخليا على عكس حركتي النهضة ونداء تونس.
نعم، لقد راهن الغرب على ورقة الإسلام المعتدل كبديل عن الديكتاتوريات السابقة، ولقد أدرك بل تيقن من تطلع شعوب الأمة نحو الإسلام، ولذلك فإن ثورات هذه الشعوب وتطلعها نحو البديل الذي يحقق استقلاليتها قد فرض على الغرب قبول وصول الإسلاميين إلى الحكم شريطة الحفاظ على المنظومة الديمقراطية الغربية ومكتسباتها، بما في ذلك مشاركة العلمانيين الحكم. حتى أن تأكيد استمرار وجود النهضة في الحكم طيلة السنوات القادمة تأكيدا جازما قد جاء مؤخرا من قبل وزير الخارجية تحديدا، ولسان حاله يقول أن سائر المسؤولين الغربيين الذين التقاهم قد عبروا له عن مشاعر رضا دولهم عن حكومة "الثورة".
من هذا المنطلق، فإن السباق المحموم بين حركة النهضة ونداء تونس على الحكم لا يعدو أن يكون صورة من صور سباق الحزب الجمهوري في أمريكا مع الحزب الديمقراطي، ذلك أن نقاط الاختلاف مهما تعددت فإنها لا تغني عن حقيقة اتفاق الحركتين حول جمهورية النظام، وإقصاء الشريعة، ووسطية المنهج وتقاسم السلطة، وتطبيق الدستور الوضعي الذي يصوغه المجلس التأسيسي تقنينا للإلتفاف على الثورة، وفرضه على الشعب باسم الثورة، وكل ما من شأنه أن يخالف الإسلام في أصوله قبل فروعه من منتجات المنظومة الديمقراطية. أما الجيش، فإنه بات معلوما لكل متابع أن المؤسسة العسكرية قد تعهدت للغرب (قبل الثورة وبعدها) بتوظيف قوة الأمة في حراسة المعابد الديمقراطية وضمان أداء الطقوس العلمانية وعبادة صنم الجمهورية على المذاهب الغربية.
وباختصار، فإن هذين الحركتين هما وجهان لعملة واحدة راهن الغرب على ايصالها للحكم ودعمها سعيا لكبح جماح الثورة ولعبا على مشاعر المسلمين وإقصاء للبديل الإسلامي الحقيقي وتأخيرا للتغيير الجذري المتناسب مع تطلعات الشعوب، بل إن دعم الطرف العلماني المفلس فكريا والمرفوض شعبيا، هو دفع بالناس للتصويت للمنتسبين إلى الإسلام حتى يتم تشريك العلمانيين وإسعافهم للوصول إلى سدة الحكم، مادام الإسلاميون قد قبلوا شروط اللعبة الديمقراطية.
ولايقاف هذه المهزلة فلا بد أن نتسلح بالوعي وننشر فهم الإسلام المبدئي بين العامة حتى يتبين للجميع أن رعاية شؤون الناس أمر جلل، وأنها جد لا هزل، وأن مصائر الشعوب ليست لعبة بيد السياسيين الغربيين ولا من يدور في فلكهم من أبناء المسلمين، وأن ثورة الأمة لن تجد طريقها إلى بر الأمان إلا إذا اسكتمت على أساس الإسلام وأدت إلى دولة القرآن ونُبذت ما دون ذلك من بدائل وضعية وضيعة لا تصدر عن صاحبها إلا الأعمال الشنيعة.
وإلى حين معانقة الرأي العام الموجود في الأمة على الخلافة نصرة من قبل أهل القوة والمنعة من أجل إقامة الخلافة الراشدة المتوجة للثورات بإذن الله، فإنه لا يجب أن يغيب على الثائرين الصادقين مفهوم التوكل على رب الأرباب ومسبب الأسباب وهازم الأحزاب، مع تمام الثقة في نصره، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

No comments:

Post a Comment