Sunday, January 20, 2013

هل من جديد في الدور الروسي في سوريا؟

هل من جديد في الدور الروسي في سوريا؟

كتبه للمكتب اعلامي لحزب التحرير في سوريا الأستاذ عصام الشيخ غانم، 30/12/2012 م
أخذ المتابع لتطورات الثورة السورية والمواقف الدولية حيالها يلمس دوراً متزايداً لروسيا في مشاريع الحل! فما هو هذا الدور "الجديد"؟، وكيف نما؟
على أثر زيارة الأخضر الإبراهيمي الأخيرة لدمشق والتي يظهر أنها كانت حاسمة أصبحت موسكو محجةً للسياسيين المعنيين مباشرة بالشأن السوري. فدونما أي مهلة أرسل النظام السوري مبعوثه إلى موسكو نائب وزير الخارجية فيصل المقداد للتشاور مع القيادة الروسية، ولحقه الأخضر الإبراهيميي نفسه، وتزامن ذلك وفي نفس السياق زيارة وزير الخارجية المصري إلى موسكو. واللافت أن كل ذلك كان في عطلة عيد الميلاد، حيث قطع وزير الخارجية الروسي لافروف إجازته لمتابعة العمل على الشأن السوري. وكان مما صرح به وزير الخارجية الروسي تصريح لافت للغاية، حيث قال: "بأن بلاده ستعبر هذه المرحلة بمساعدة الولايات المتحدة والدول ذات العلاقة في المنطقة"، ووجه دعوة فورية لمعاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري لزيارة موسكو وبدء المفاوضات حول الحل السياسي في سوريا. وكان لافتاً كذلك المديح الذي ناله الوزير الروسي لافروف من الأخضر الإبراهيمي.ولفهم أبعاد هذا التطور الجديد نورد الحقائق التالية:
1- تعلم أمريكا بأن أهداف السياسة الروسية في سوريا هي بالدرجة الأولى إظهار عظمة روسيا دولياً، وأنها لا تزال دولة عظمى وفاعلة على الساحة الدولية. وإذا أضيف إلى ذلك بأن عناصر معادلة الحل في سوريا كما تراها أمريكا قد اكتملت أوراقها بيدها (النظام السوري والائتلاف)، فإنها لا ترى خطورة في أن تقوم روسيا بإخراجها إلى حيز التنفيذ. وروسيا لا تشبه الدول الكبرى الأخرى في محاولة التأثير في الحل لأغراض خاصة عميقة، وربما لو كانت الأزمة في منطقة النفوذ الحيوي لروسيا كالقفقاز أو آسيا الوسطى لما أوكلت لها أمريكا إخراج الحل، أما وأن المسألة في سوريا فلا يوجد لروسيا أوراق مؤثرة ذات قيمة يمكن أن تحسم الحل بعيداً عن المصالح الأمريكية.
2- يتعمق هذا الفهم لسببين آخرين، أولهما أن أمريكا تدرك شدة عداء المسلمين لها، وقد ذكرت الأنباء بأن تشكيلة قوات حفظ السلام الدولية المحتملة لن تتضمن قوات أمريكية وبريطانية بسبب النظرة العدائية لأهل المنطقة لهاتين الدولتين. ومن ناحية أخرى فإن حرب العراق قد أعادت العقدة الفيتنامية بقوة إلى المجتمع الأمريكي، وقد زاد في ترسيخ هذه العقدة تصاعد لهيب الحرب الأفغانية عبر السنوات السابقة، فلم تعد أمريكا قادرة على التدخل برضا الشعب الأمريكي، ولا يمكن هنا طرح المشاركة الأمريكية عبر الناتو في ليبيا كدليل معاكس، فقد كانت تلك المشاركة ثانوية، بل اكتنفها بعض الإرباك رغم صغرها. وهذا عامل قوي لأن يتجه التفكير في واشنطن إلى إيكال هذه المهمة لروسيا.
3- أصبح الوجود العسكري الروسي قبالة السواحل السورية أكثر من عادي، ولا يمكن قبول الذرائع الروسية بأن ذلك من أجل احتمال إجلاء الرعايا الروس من سوريا فيما لو اشتد القتال وأصبح الخطر يتهددهم، فالكثير من هؤلاء الرعايا روسيات متزوجات من سوريين، وأما العاملين في قاعدة الصيانة العسكرية الروسية في طرطوس فيمكن إجلاؤهم بدون ضجة. وفي الفترة الأخيرة وصلت سفن بحرية روسية من أسطول البحر الأسود تحمل مشاة البحرية الروس بأعداد غير معتادة مع ذخائرهم، وأخذوا القيام بتدريبات ضد "الإرهاب" قبالة السواحل السورية، ما يوحي بقرب تدخل عسكري على الأرض. والجدير الانتباه اليه أن كل هذه القطع العسكرية والذخيرة قد عبرت البوسفور دون أن تتدخل تركيا مع أنها كانت أعلنت أنها تمنع تزويد النظام السوري بالسلاح، وكانت في شهر سابق قد أوقفت طائرة سورية قادمة من موسكو وأفرغتها من حمولتها العسكرية.
4- إن أمريكا وحتى يصبح الحل المنتظر واقعاً لا تزال بحاجة إلى توريط روسيا في مد النظام السوري بالذخيرة حتى لا يسقط أمام الضربات الشديدة التي يتلقاها على الأرض من جماعات القتال في سوريا، وهذا الأمر لا تنفيه روسيا حتى اللحظة، وتزعم أنها لا تزال تزود سوريا بسلاح وفق عقود سابقة، وأن هذه الأسلحة لا تستخدم في "الحرب الأهلية" حسب تعبيرها، بل وتقول هي أنظمة دفاع جوي لا علاقة لها بـ"الحرب الأهلية"، وكأن النظام في سوريا لا يزال معنياً بأي سلاح دفاع جوي في الوقت الذي سيطر فيه الثوار على معظم كتائب الدفاع الجوي في مختلف أنحاء سوريا. ومن ناحية أخرى فإن الخبراء الروس يعملون على الأرض فعلاً في تشغيل أنظمة الصواريخ وضرب المناطق الثائرة فيها، وهذه الخدمة الروسية ضرورية للغاية في الوقت الذي تنحسر فيه قوات النظام عن الكثير من المناطق، ولم تعد المطارات العسكرية مكاناً آمناً للنظام لضرب الثوار والشعب السوري، وأن تشغيل الأنظمة الصاروخية يوحي بأن النظام لا يزال يقاتل في كل أنحاء سوريا، فلا يتقزم دوره في الحل باعتباره حاكماً لدمشق ومناطق قليلة على الساحل فقط، فتعطيه هذه الهجمات الصاروخية بعداً أكبر يغطي انحسار سيطرته على معظم سوريا.
5- والذي يشجع أمريكا على إيكال الحل في سوريا إلى روسيا هو سلسلة الفشل التي منيت بها السياسة الأمريكية في سوريا، فقد فشلت تركيا بعد أن أوكلت اليها أمريكا نصيباً كبيراً من الاتصالات مع الداخل السوري سياسياً وعسكرياً، وقد تعمقت النظرة السلبية في سوريا للدور التركي الذي أخذ أخيراً يمنع حتى الطحين ناهيك عن التسليح عن الشعب السوري الثائر. وقد فشلت خطط أمريكا عبر مختلف عملائها في خطة المجلس الوطني، وهي بالتأكيد غير واثقة من أي نجاح يمكن للائتلاف أن يحققه، فالثورة السورية تبتعد يوماً بعد يوم باتجاه الإخلاص والذاتية والإسلام، وهذا قد أربك السياسة الأمريكية برمتها، وأصبحت "تجهز للمخاطر القادمة من سوريا" حسب تصريح وزير الدفاع الأمريكي أثناء نصب بطاريات الباتريوت في تركيا.
6- وأخيراً فإن حالة عدم الثقة في وزارة الخارجية الأمريكية في خلافة كلينتون التي سادت لفترة توهن الموقف الأمريكي في المسألة السورية من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانقسام الأمريكي الحاد أمام القضايا الأكثر إلحاحاً مثل الهاوية المالية وانشغال الساسة بمستقبل الولايات المتحدة ككل في العالم يحمل على عدم التركيز في المسألة السورية. وإذا أضيف إلى ذلك الجبال المتكاثرة من العقبات أمام السياسة الأمريكية في المنطقة والتي ليس آخرها انتفاضة الأنبار وما يمكن أن تجر إليه ضد نظام المالكي، لأن أمريكا ترى تكالب الدول الكبرى الأوروبية ضدها مستغلة الربيع العربي، وأن أمريكا أصبحت ضعيفة في الإمداد المالي لعملائها، فسلطة عباس على وشك الانهيار المالي، وسهير الأتاسي- نائبة رئيس الائتلاف السوري- تصيح عبر الجزيرة، بأن كل الوعود بالدعم المالي للائتلاف في الدوحة لم يصل منها شيء. كل عوامل الإرهاق هذه تشجع أمريكا على تحميل دولة كبرى أخرى لأعباء الحل في سوريا (قوات حفظ سلام، إمداد الأسد بالسلاح، وغير ذلك).
وبالتأكيد فإن الوضع السوري الذي يتجه إلى افشال الحلول الأمريكية سيكون وسيلة لوم أمريكية كبيرة على روسيا، وستحملها دولياً مسؤولية الفشل. وإذا كنا نجزم بأن هذا ليس الخيار الأنسب لأمريكا في حل المسألة السورية فإننا نرى بوضوح بأن الاتجاه يتجه إلى تلزيم أمريكا لروسيا في فرض حل للمسألة السورية، وتقوم هي بدعم روسيا دون ضجة.
والذي يؤيد ذلك أيضاً، أن الحلول التي خرجت من جعبة الإبراهيمي عراب أمريكا، كانت حلول بالغة الإفلاس، وظهر منها أن أوراق أمريكا في المعادلة السورية قد باتت بالغة الضعف، ولم تعد بقادرة على الإمساك بمتغيرات المعادلة السورية ما يحملها على الترويج للحلول القديمة التي حملها عنان، والتي يتعاظم رفض الشعب السوري لها.
وقد ترتكز الحلول على تعظيم مسألة استقالة الأسد، وإدارة مفاوضات طويلة حولها عبر شهور، وفي ذات الوقت تقوم روسيا بتغذيته بالسلاح للصمود، وربما إنزال عسكري على الساحل السوري لتهديد الجماعات المقاتلة حتى ترضخ للحلول المطروحة، بحيث يكون نهاية الحل استقالة الأسد، وإظهار ذلك على أنه إنجاز تاريخي للائتلاف السوري تحاول أمريكا من خلاله إظهاره في وضع المنتصر بحيث يلقى قبولاً شعبياً، وتكون القوات الروسية جاهزة للدفاع عن هذا الحل الذي أنتجته، وفي نفس الوقت يبقى باقي رجال النظام لا سيما المختبئين مثل الشرع وأمثاله في صدارة المرحلة الانتقالية جنباً إلى جنب مع رجال الائتلاف لصياغة سوريا "الجديدة".
وإذا كان هذا الاتجاه يبين مدى اليأس الأمريكي من سوريا، لأن هذه الصورة غير مضمونة على الإطلاق، فالشعب السوري يرى في روسيا ظهيراً قوياً للأسد، ويرفض الحلول المطروحة روسياً، فإنه يتوجب علينا تعميق الرفض في الثورة السورية لروسيا وسياستها وإظهار دعمها اللامتناهي لنظام الأسد المجرم.
30/12/2012 م

No comments:

Post a Comment