Sunday, February 3, 2013

خطبة الجمعة 1-2-2013 الشيخ عصام عميرة


خطبة الجمعة 1-2-2013 الشيخ عصام عميرة

من أين أبدأ؟

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: من أين أبدأ فالأحداث متلاحقة متسارعة، ولحومنه تنهشها الوحوش الكاسرة، من أين أبدأ يا عيون الشعر يا وطن الجدود، من عنتريات الإذاعة والتشدق والوعيد، أم من سيوف كالهباء تلوح من أيدي القعيد، أسماءُ أبطال وأفعالُ المناكيد العبيد، يتهافتون على الموائد يأكلون من الوعود، فئران في ساح الوغى، وعلى شعوبهم كالأسود؟ من أين أبدأ؟ من راجمات أو مدافع ما تصدت لغارات اليهود، من طائرات تقصف الأفران والشعب الشريد؟ من أين أبدأ؟ من عند مالي حيث عاث الفرنسيون بها فسادا يعاونهم أفارقة الجنود؟ أم من عند مصر الكنانة تبغي الخلاص من القيود؟ أم من عند مجزرة تضم إلى مجازر بالألوف بأرض الشام تبتغي كسر القيود؟ أم ترى شعري يطوف على البلاد مناديا: يا قوم أين أمجاد الجدود؟ يا أيها الجند التي خذلت أرامل تشتكي فقْد المعيل وتستجير بضابط بين الجنود. فيجيبها، لبيك يا أختاه، معتصم أنا، جئت اليوم منتصرا، قد مضى عهد الرقود.
أيها الناس: من أين أبدأ؟ أمن عند لصوص النفط البخلاء الذين استنبحتهم كلاب الأمم المتحدة كي يدفعوا فتاتا من أموال المسلمين المسروقة للمنكوبين في الشام التي خربها جنكيزخان العصر بشار؟ سنتان من الإمساك قبل الإنفاق والشعب يذبح، ولمن ستذهب الأموال التي جمعت في مؤتمر الكويت! مليار ونصف، قد يعتبرها البعض كثيرة وما هي بكثيرة، فالحاجة أكبر منها وأعظم. ولم ينتبه أحد إلا القليل أن أميركا قد أعطت نظام بشار خمسة مليارات مكافأة لصموده، إذ تفضل بقاءه يذبح ويدمر ويخرب على أن تقع الشام في يد الإسلاميين وتصبح دولة خلافة ثانية راشدة على منهاج النبوة. وقد حرق رئيس الائتلاف نفسه لما ألمح إلى إمكانية التفاوض مع نظام بشارسواء بقي في الحكم أم أزيح. ولعل ذلك يكون من مكر الله ليكشف اللحى المدلسة كما كشفها في مصر وغيرها، ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينة.
أيها الناس: من أين أبدأ؟ فأحداث الأسبوع الماضي تحتاج إلى مائة خطبة وخطبة، ولن تفيها حقها من التغطية والتعليق. فالعراق مكلوم وجرحه ينزف، والجارة الأردنية تفتتح مراكز لتدريب الشباب والشابات مجانا على الرقص برعاية السفارة الأميركية، وتحاكم المجاهدين، وتضيق على اللاجئين. وحكومة بشار تحتفظ بحق الرد على الغارة الإسرائيلية، ولبنان يترنح بين العسكرة والتسييس، وتركيا تنصب صواريخ الباتريوت وراداراتها لا ترى إلا الطائرات السورية، والمسلمون في إقليم بلوشستان يعذبون بالقسوة المعهودة من نظام باكستان. ومأساة المسلمين في بورما قد طواها النسيان، والفرنسيون يبسطون سيطرتهم على مالي، والشعب في مصر يطالب بإسقاط الدستور العلماني وإلغاء مجلس الشعب وتنحي الرئيس! واختصارا أقول: إن المسلمين في كل مكان من أرض الله يعانون أكثر من أي شعب آخر، وقد تكالب عليهم الكفار والحكام في حالة ابتلاء فريدة، فالحمد لله على بلائه، والحمد لله على نعمائه.
أيها الناس: لا يقبل من أحد من المسلمين قادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب أن يقف مكتوف الأيدي متفرجا على أمته التي أصابها القرح، ودُخلت عليها الفتنة من أقطارها. ولا يجوز شرعا أن يتخلف أحد من المسلمين والمسلمات عن العمل مع العاملين الجادين الهادفين لإنقاذ المسلمين من هذه الأزمة الخانقة. ويحرم على جميع العلماء أن يكتموا العلم الذي في صدورهم من الكتاب والسنة وسير الصالحين بوجوب العمل للتغيير والحكم بما أنزل الله. وكل عالم ينشغل بأمر آخر عن هذا الأمر فهو عند الله آثم، وفي حق أمته مجرم. فبالله عليكم، هل يقبل من عالم يمضي ساعة كاملة على قناة الجزيرة في برنامج الشريعة والحياة يتحدث في حلقة عنوانها: وحدة الأمة بين الفكر والواقع، لا يقول كلمة واحدة عن وجوب إقامة دولة لهذه الأمة تسمى دولة إسلامية، رغم أنه تحدث عن هدمها، وعن سبل الوحدة الاقتصادية والاجتماعية والتنقل عبر الحدود المصطنعة وغير ذلك؟ سامحك الله أيها الشيخ، ساعة كاملة لا تخطر ببالك كلمة خليفة أو بيعة أو إمام أو دولة وهي الوحدة وغيرها فرقة! ساعة كاملة ما أسعفتك ذاكرتك بذكر شيء عن رواد الوحدة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز والمعتصم وعبد الحميد وما فعلوه وأمثالهم في مجال وحدة الأمة. ساعة كاملة شح فيها لسانك عن مناشدة الجيوش أن تنصر...{الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}. ساعة كاملة تطل فيها على مئات الملايين من المسلمين بهيئتك البهية وعباءتك النفطية ولحيتك الإسلامية، وتبخل عليهم بكلمة تشعرهم بمسؤوليتهم عن التغيير، وتتحاشى ذكر الطواغيت وتنبيه الغافلين من العلماء والعامة؟ فماذا جنيت من ساعتك تلك؟ وأي أجندة خدمت؟ وأنت من أنت، ذلق اللسان، فصيح التعبير، محبوب الجماهير، أخذت بالمحاذير، وخشيت الأعاصير، ولكنك نسيت يوم العبوس القمطرير، يوم الشمس والزمهرير. فلا أكثر الله من أمثالك، ولا أعاد علينا طلعتك، واعلم أن اسمك قد قيد في سجل الحجر الفقهي مع أشباه العلماء أمثالك، وهم كثير، سيؤنسونك في الحجر والهجر، ولكنهم لن ينفعوك وأنت تعاني من العزلة عن أمتك بعد امتناعك عن الحديث في وحدتها، لمّا كانت في أمس الحاجة إليها.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: جاء في تاريخ دُنيسر لابن اللمش عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ اللَّيْثِي قَالَ: بَينا نَحْنُ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْكُوفَةِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَوْمَئِذٍ ذَوُو حَالٍ حَسَنَةٍ، يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْعَشْرَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ مَوَالِيهِ، أَتَانَا آتٍ، فَقَالَ: هَذَا الْحَجَّاجُ قَدِمَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَإِذَا بِهِ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَعَمِّمًا بِعَمَامَةٍ قَدْ غَطَّى بِهَا أَكْثَرَ وَجْهِهِ، مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، مُتَنَكِّبًا قَوْسًا، يَؤُمُّ الْمِنْبَرَ، فَقَامَ النَّاسُ نَحْوَهُ، حَتَّى صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَمَكَثَ سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَبَّحَ اللَّهُ بَنِي أُمَيَّةَ حَيْثُ تَسْتَعْمِلُ مِثْلَ هَذَا عَلَى الْعِرَاقِ! حَتَّى قَالَ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ الْبُرْجُمِيُّ: أَلا أَحْصِبُهُ لَكُمْ؟ فَقَالُوا: أَمْهِلْ حَتَّى نَنْظُرَ، فَلَمَّا رَأَى عُيُونَ النَّاسِ إِلِيهِ، حَسَرَ اللِّثَامَ عَنْ فِيهِ، وَنَهَضَ فقال من الوافر: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوني. ثم قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، إِنِّي لأَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا، وَإِنِّي لَصَاحِبُهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ بَيْنَ الْعَمَائِمَ وَاللِّحَى، هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ، قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ، لِيسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلا غَنَمْ، وَلا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ.
أيها الناس: لقد قيلت هذه الكلمات في ظل خلافة من نوع الملك العاض، وجيوش المسلمين على تخوم الكفار، تفتح البلدان، وتحقق الانتصارات، فماذا عسانا قائلين في الملك الجبرية وحكامها وجيوشها وعلمائها ومترفيها. وكيف سيصنع الحجاج لو رأى علماءنا وهم ينافقون حكام الجبر والجور؟ وكيف كان سيصنع مع الشعوب الراقصة اللاعبة؟ وماذا سيقول في قتلة الشعوب وسارقي ثروتهم ومصاصي دمائهم؟ والله كأني به يجمع رؤساء الأركان في جيوش المسلمين، ويوبخهم بأقذع الألفاظ، ويخفض رتبهم العسكرية، بعد أن يعزلهم عن مناصبهم جميعا، ويعين مكانهم من يستحق أن يتولى قيادة أركان القوات المسلحة الإسلامية. وأظنه لن يميط اللثام عن وجهه حتى يرى حكام المسلمين جميعا معلقين على أعواد المشانق، والأمة قد بايعت إمامها. فاللهم اجعل ذلك اليوم قريبا.
التاريخ:01/02/2013
الخطيب/المناسبة:الشيخ عصام عميرة

No comments:

Post a Comment