Wednesday, March 11, 2015

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ح 50

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ح 50

من العمل المساقاة, وإجارة الأجير
الحَمْدُ للهِ الذِي شَرَعَ لِلنَّاسِ أحكَامَ الرَّشَاد, وَحَذَّرَهُم سُبُلَ الفَسَاد, وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى خَيرِ هَاد, ‏المَبعُوثِ رَحمَةً لِلعِبَاد, الَّذِي جَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ الجِهَادِ, وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَطهَارِ الأمجَاد, الَّذِينَ طبَّقُوا نِظَامَ ‏الِإسلامِ فِي الحُكْمِ وَالاجتِمَاعِ وَالسِّيَاسَةِ وَالاقتِصَاد, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ يَومَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ‏يَومَ التَّنَاد, يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العِبَادِ. ‏
أيها المؤمنون: ‏
السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا إِروَاءُ الصَّادِي مِنْ نَمِيرِ ‏النِّظَامِ الاقتِصَادِي, وَمَعَ الحَلْقَةِ الخَمسِينَ, وَعُنوَانُهَا: "مِنَ العَمَلِ المُسَاقَاةُ, وإجارة الأجير". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ ‏فِي كِتَابِ النِّظَامِ الاقتِصَادِي فِي الإِسلامِ (صَفحَة 84) لِلعَالِمِ وَالمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ. ‏يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ:‏
‏"وَمِنْ أنَواعِ العَمَلِ المُسَاقَاةُ، وَهِيَ أنْ يَدفَعَ الشَّخْصُ شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ، وَعَمَلِ سَائِرِ مَا ‏يَحتَاجُ إِلَيهِ بِجُزْءٍ مَعلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُسَاقَاةً لأنَّهَا مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ. لأَنَّ أهْلَ الحِجَازِ أكثَرُ حَاجَةِ ‏شَجَرِهِمْ إِلَى السَّقْيِ، لأنَّهُمْ يَستَقُونَ مِنَ الآبَارِ فُسُمِّيَتْ بِذَلِكَ. وَالمُسَاقَاةُ هِيَ مِنَ الأعْمَالِ الَّتِي نَصَّ الشَّرعُ ‏عَلَى جَوَازِهَا. فَقَدْ رَوَى مُسلِمٌ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «عَامَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ ‏وَسَلَّمَ أهْلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخرُجُ مِنهَا مِنْ ثَمَرٍ أو زَرْعٍ». ‏
وَتَجُوزُ المُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالكَرْمِ بِجُزءٍ مَعلُومٍ، يُجعَلُ لِلعَامِلِ مِنَ الثَّمَرِ، وَهَذَا فِي الشَّجَرِ الَّذِي لَهُ ‏ثَمَرٌ فَقَط. أمَّا مَا لا ثَمَرَ لَهُ مِنَ الشَّجَرِ كَالصَّفصَافِ، أو لَهُ ثَمَرٌ غَيرُ مَقصُودٍ كَالصَّنَوبَرِ وَالأَرْزِ فَلا تَجُوزُ المُسَاقَاةُ ‏عَلَيهِ، لأَنَّ المُسَاقَاةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِجُزءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لا ثَمَرَةَ مَقْصُودَةَ لَهُ. إِلاَّ أنْ يَكُونَ مِمَّا يُقصَدُ وَرَقُهُ كَالتُّوتِ ‏وَالوَردِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ فِيهِ المُسَاقَاةُ. لأنَّهُ فِي مَعنَى الثَّمَر، لأنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمكِنُ أخْذُهُ وَالمُسَاقَاةُ عَلَيهِ بِجُزْءٍ مِنهُ ‏فَيَثْبُتُ لَهُ مِثلُ حُكْمِهِ.
إجارة الأجير:‏
أجَازَ الإِسلامُ لِلفَردِ أنْ يَستَأجِرَ أُجَرَاءَ، أي عُمَّالاً يَعمَلُونَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ‏نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا). ‏وَرَوَى ابنُ شِهَابٍ فَقَالَ: أخْبَرَنِي عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عَائِشَةَ أمُّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: «استَأجَرَ رَسُولُ ‏اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيشٍ فَدَفَعَا إِلَيهِ ‏رَاحِلَتَيهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَورٍ بَعدَ ثَلاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيهِمَا صُبْحَ ثَلاثٍ». وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ‏فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). ‏
وَرَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثَلاثَةٌ أنَا خَصمُهُمْ ‏يَومَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ استَأجَرَ أجِيرًا فَاستَوفَى مِنهُ وَلَمْ يُعطِهِ ‏أجْرَهُ». ‏
وَالإِجَارَةُ هِيَ تَملِيكٌ مِنَ الأجِيرِ لِلمُستَأجِرِ مَنفَعَةً، وَتَمْلِيكٌ مِنَ المُستَأجِرِ لِلأجِيرِ مَالاً، فَهِيَ عَقدٌ عَلَى ‏المَنفَعَةِ بِعِوَضٍ. وَالعَقْدُ فِي إِجَارَةِ الأَجِيرِ إِمَّا أنْ يَرِدَ عَلَى مَنفَعَةِ العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الأجِيرُ، وَإِمَّا أنْ يَرِدَ عَلَى ‏مَنفَعَةِ الأجِيرِ نَفسِهِ، فَإِذَا وَرَدَ العَقدُ عَلَى مَنفَعَةِ العَمَلِ، كَانَ المَعقُودُ عَلَيهِ هُوَ المَنفَعَةُ الَّتِي تَحصُلُ مِنَ العَمَلِ، ‏كَاستِئْجَارِ أرْبَابِ الحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ لأعْمَالٍ مُعَيَّنَةٍ، كَاستِئجَارِ الصَّباغِ وَالحَدَّادِ وَالنَّجَّارِ. وَإِنْ وَرَدَ العَقْدُ عَلَى ‏مَنفَعَةِ الشَّخْصِ، كَانَ المَعقُودُ عَلَيهِ هُوَ مَنفَعَةُ الشَّخْصِ، كَاستِئجَارِ الخَدَمَةِ وَالعُمَّالِ. ‏


 وَهَذَا الأجِيرُ إِمَّا أنْ يَعمَلَ لِلفَردِ فَقَط مُدَّةً مَعلُومَةً، كَمَنْ يَشتَغِلُ فِي مَعْمَلٍ أو بُستَانٍ أو مَزرَعَةٍ لأحَدِ ‏النَّاسِ بِأُجرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أو كَمُوَظَّفِي الحُكُومَةِ فِي جَمِيعِ مَصَالِحِهَا. وَإِمَّا أنْ يَعمَلَ عَمَلاً مُعَيَّنًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِأجْرَةٍ ‏مُعَيَّنَةٍ عَمَّا يَعمَلُ، كَالنَّجَّارِ وَالخَيَّاطِ وَالحَذَّاءِ وَمَنْ شَاكَلَهُمْ. وَالأوَّلُ هُوَ الأجِيرُ الخَاصُّ، وَالثَّانِي هُوَ الأجِيرُ المُشتَركُ ‏أوِ الأجِيرُ العَامُّ".‏
وَقَبلَ أَنْ نُوَدِّعَكُمْ مُستَمِعِينَا الكِرَامَ نُذَكِّرُكُمْ بِأَبرَزِ الأفكَارِ التِي تَنَاوَلهَا مَوضُوعُنَا لِهَذَا اليَومِ:‏
‏1.‏ المُسَاقَاةُ مِنْ أنَواعِ الأعْمَالِ الَّتِي نَصَّ الشَّرعُ عَلَى جَوَازِهَا. ‏
‏2.‏ المُسَاقَاةُ: هِيَ أنْ يَدفَعَ الشَّخْصُ شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ، وَعَمَلِ سَائِرِ مَا يَحتَاجُ إِلَيهِ بِجُزْءٍ مَعلُومٍ لَهُ مِنْ ‏ثَمَرِهِ.‏
‏3.‏ تَجُوزُ المُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالكَرْمِ وَالشَّجَرِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ بِجُزءٍ مَعلُومٍ يُجعَلُ لِلعَامِلِ مِنَ الثَّمَرِ.‏
‏4.‏ مَا لا تَجُوزُ المُسَاقَاةُ عَلَيهِ مِنَ الشَّجَرِ: ‏
أ‌-‏ مَا لا ثَمَرَ لَهُ مِنَ الشَّجَرِ كَالصَّفصَافِ. ‏
ب‌-‏ مَا لَهُ ثَمَرٌ غَيرُ مَقصُودٍ كَالصَّنَوبَرِ وَالأَرْزِ. ‏
‏5.‏ مَا تَجُوزُ المُسَاقَاةُ عَلَيهِ مِنَ الشَّجَرِ: هُوَ مَا يُقصَدُ وَرَقُهُ كَالتُّوتِ وَالوَردِ؛ لأنَّهُ يُمكِنُ أخْذُهُ وَالمُسَاقَاةُ عَلَيهِ بِجُزْءٍ ‏مِنهُ.‏
‏6.‏ أجَازَ الإِسلامُ لِلفَردِ أنْ يَستَأجِرَ أُجَرَاءَ، أي عُمَّالاً يَعمَلُونَ لَهُ. ‏
‏7.‏ الإِجَارَةُ: هِيَ عَقدٌ عَلَى المَنفَعَةِ بِعِوَضٍ.‏
‏8.‏ الإِجَارَةُ: هِيَ تَملِيكٌ مِنَ الأجِيرِ لِلمُستَأجِرِ مَنفَعَةً، وَتَمْلِيكٌ مِنَ المُستَأجِرِ لِلأجِيرِ مَالاً. ‏
‏9.‏ العَقْدُ فِي إِجَارَةِ الأَجِيرِ نَوعَانِ: ‏
أ‌-‏ عَقْدٌ عَلَى مَنفَعَةِ العَمَلِ. وَالمَعقُودُ عَلَيهِ هُوَ المَنفَعَةُ الَّتِي تَحصُلُ مِنَ العَمَلِ كَاستِئجَارِ الصَّباغِ.‏
ب‌-‏ عَقْدٌ عَلَى مَنفَعَةِ الأجِيرِ نَفسِهِ. وَالمَعقُودُ عَلَيهِ هُوَ مَنفَعَةُ الشَّخْصِ، كَاستِئجَارِ الخَدَمَةِ وَالعُمَّالِ.‏
‏10.‏ الأجِيرُ نَوعَانِ:‏
أ‌-‏ الأجِيرُ الخَاصُّ: وَهُوَ مَنْ يَعمَلُ لِلفَردِ فَقَط مُدَّةً مَعلُومَةً، كَمَنْ يَشتَغِلُ فِي مَعْمَلٍ أو بُستَانٍ.
‏ب‌-‏ الأجِيرُ المُشتَركُ أوِ الأجِيرُ العَامُّ: وَهُوَ مَنْ يَعمَلُ عَمَلاً مُعَيَّنًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِأجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَالنَّجَّارِ. ‏
أيها المؤمنون: ‏
نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, وَلِلحَدِيثِ بَقِيَّةٌ, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, ‏فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الَمولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن ‏يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ على منهاج النبوة في ‏القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ ‏استِمَاعِكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه. ‏
19 من جمادى الأولى 1436
الموافق 2015/03/10م

No comments:

Post a Comment