Saturday, April 14, 2018

في ذكرى هدم الخلافة نذكّر ونجدد الدعوة

في ذكرى هدم الخلافة نذكّر ونجدد الدعوة

ها نحن هذه الأيام نحيي الذكرى 97 لهدم الدولة التي أقامها رسول الله وأمر بالمحافظة عليها، الدولة التي كانت تحمي بيضة المسلمين وتذود عنهم فلا تسلّم أمنهم لبريطانيا ولا ثروتهم لأمريكا ولا أعراضهم لمنظمات الغرب الكافر ودوله واتفاقياته، الدولة التي كانت تطبق شرع الله وتجعل السيادة للشرع لا لمجالس نيابية تشرع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، نعم دولة الإسلام الحقيقية والتي بضياعها ضاع عز المسلمين ومجدهم وضاعت مكانتهم وتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
إن هدم الخلافة على يد بريطانيا عدو المسلمين الأول وذلك عن طريق عميلها مصطفى كمال والعاملين معه يعتبر البلاء الأكبر الذي أصاب الأمة الإسلامية منذ عام 1924م حتى الآن والذي جعلهم مكسوري الجناح في ذيل الأمم تتقاذفهم أمواج البلايا.
لما هدمت الخلافة تقطعت أوصال الأمة وتشتتت قواها فأصبحت مهزومة لا تقوى على شيء، سلطانها مغصوب، معدومة السيادة، فاقدة للريادة، حكامها عبيد، خارت منهم القوى وضعفت العزائم، لا يجمع شملهم إمام ولا تجمعهم دولة، جثة هامدة، لا حول لها ولا قوة.
لما هدمت الخلافة، خيرات المسلمين نهبت، شركات استعمارية تتمركز في بلداننا، تمتص ثرواتنا، حتى وصل الحال إلى حد سرقة التراب!
لما هدمت الخلافة، ما عاد في المسلمين معتصم يحمي أعراضهم فانتُهكت، ومُرغت كرامة المسلمين في التراب، منهم من ملأوا السجون ومنهم من بيعت دماؤهم بالمال، بل بالمجان! في سوريا الآلاف يموتون منذ 7 سنوات، وكذلك الحال في العراق وفلسطين وجميع بلاد المسلمين حتى مسّت أطفالا في عمر الزهور حافظين للقرآن، مستقبل أمة الإسلام.
لما هدمت الخلافة تطاول الأعداء على المسلمين، على مقدساتهم، على قرآنهم، على رسولهم، وها هو ترامب مؤخرا يعلن القدس عاصمة لكيان يهود، بل تعدى الأمر إلى إهانة الكفار لهذا الدين حتى برز من بين المسلمين من يبرر أفعالهم ويلتمس لهم الأعذار ليجدوا فسحة للتواصل مع الكافرين تحت مسميات عدة من حوار الأديان إلى حوار الحضارات إلى حقوق الإنسان فأصبحنا نسمع في تونس الزيتونة بمقولة "المساواة في الميراث حق موش مزيا"!
لما هدمت الخلافة، تخلى المسلمون عن الحكم بشرع الله وتفاوضوا مع الغرب الكافر المستعمر فساقوا الأمة إلى الهوان والذل والفقر الناتج عن خضوع الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي لإملاءات صندوق النقد الدولي، الذي جعل البلاد في ارتهان تام للمستعمر.
لم تتقدم الأمة في أي من هذه القضايا ولم تجد حلاً لهذه المآسي التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، غير إجراءات ترقيعية تطيل عمر الأنظمة الجاثمة على صدور المسلمين وتمدد أنفاسها، وتبقي أمة الإسلام في حالة التبعية والتخلف والهوان بل وتلهيهم عن الطريق الصحيح للنهضة والرقي.
فكيف ستنهض الأمة ودولتها التي ترعى شؤونها غائبة وقد تحكّم في أمرها العملاء الجبناء؟ كيف ستنهض الأمة وهي تعيش بقوانين الغرب المسقطة عليها؟ وكيف ستجد أمتنا العزة والتمكين وسلطانها مغتصب بيد أعدائها وبيادقهم الذين لا يرون عزة إلا بالارتماء في أحضان الاستعمار والله تعالى يقول ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين﴾ ويقول أيضا ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؟!
فلا حل لمشاكل المسلمين اليوم إلا باتباعهم أحكام الله التي فيها خلاصهم وعزتهم، فعزة المسلمين متمثلة بتمسكهم بكتاب الله وسنة نبيه وتطبيق أحكام دينهم في واقع حياتهم.
فتطبيق الإسلام واجب علينا اليوم، وإقامة الدولة واجب كذلك ووجود خليفة للمسلمين يحكم بينهم بما أنزل الله واجب أيضا. فالعمل على وجود هذا الخليفة فرض وضرورة على المسلمين اليوم وهي ليست فرضية مستمدة من المآسي التي يعيشها المسلمون اليوم في ظل غياب الإسلام فقط، بل هي فرضية مستمدة من كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
ومن السنة قوله : «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رواه مسلم. وقوله : «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» رواه مسلم. وقوله : «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». رواه مسلم. 
وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان بعد وفاة كل منهم. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله عقب وفاته واشتغالهم بنصب خليفة له.
وبهذا فإن مبايعة خليفة يحكم بين المسلمين بما أنزل الله هو فرض علينا، وهنا يكون العمل لوجود هذا الخليفة هو واجب المسلمين اليوم، وها نحن في هذه الذكرى الأليمة نجدد الدعوة ونشحذ همم المسلمين للعمل معنا على إقامة هذا الفرض العظيم للعودة للعز الذي ضيعناه والمجد الذي تركناه، وما ذلك على الله بعزيز.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
فاتن الشعري
دماء المسلمين بكل أرض، تراق رخيصةً بغياب الخلافة
عجبت لما يخوض الناس فيه  ...  يرومون الخلافة أن تزولا 
ولو زالت لزال الخير عنهم   ...   ولاقوا بعدها ذلا ذليلاً 
وكانوا كاليهود أو النصارى  ... سواء كلهم ضلوا السبيلا
هذه الأبيات قالها الصحابي حنظلة الكاتب، في الفتنة التي سبقت مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأيم الله كأنه يرى أيامنا هذه، حيث يعيش المسلمون في ضنك وضيق، وقهر وذل، وتشتت وضياع. أموالهم منهوبة، بلادهم مسلوبة، دماؤهم مُراقة، وأعراضهم مُستباحة. وُلِّي عليهم حكام رويبضات، وأفتى لهم علماء عبدة الدرهم والدينار ضلوا وأضلوا من بعدهم عباد الله.
لكن الفارق، أن المسلمين حينما قيلت هذه الأبيات، ظلوا يعيشون في ظل الخلافة لثلاثة عشر قرنا لاحقة، رغم ما طرأ عليهم من فتن وانتكاسات. لكنهم بقوا ضمن حصن الخلافة المنيع. فتحوا البلاد ونشروا فيها نور الإسلام، وأنجبت الأمة على مدى هذه السنوات قادة وخلفاء عظاماً كصلاح الدين ومحمد الفاتح، وعبد الحميد رحمهم الله جميعاً.
هؤلاء القادة، وهؤلاء الخلفاء، الذين عملوا طوال حياتهم لحفظ حدود الله، ورعاية المسلمين بأحكام الله، خلّد التاريخ حرصهم على كرامة الأمة وأبنائها. والقصص في هذا الباب مستفيضة كثيرة تدلل على أن الخلافة قد صانت دماء المسلمين، وأنزلتها قدرها.
فالله سبحانه قد كرم المسلم، وجعل دمه حراماً. فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» [رواه الترمذي]. وقد جعل الله سبحانه حرمة الدم المسلم أعظم من حرمة الكعبة. 
هذه الأحكام الشرعية فهمها الخلفاء المسلمون ووضعوها موضع التطبيق، وكانوا يرون رعايتهم للمسلمين، أمراً عظيماً يحملون مسؤوليته كأمانة من رسول الله . ولهذا كانت جيوش المسلمين تتحرك، وتعلن الحرب فوراً حين يتعرض أي مسلم لأذى مهما كان. فقد فتحت عمورية لأجل عرض امرأة مسلمة، وحرك الحجاج جيشه إلى سمرقند نصرة لثماني عشرة سفينة للمسلمين كانت تبحر إلى العراق، تعرضوا لغزو القراصنة. فكانت نتيجة نصرته لدماء المسلمين أن فتح بلاد السند بأكملها، ونشر في ربوعها الإسلام. وكان ذلك على يد القائد المسلم محمد بن القاسم الثقفي ابن عم الحجاج وقائد جيشه.
ذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" وابن كثير في "البداية والنهاية" في أحداث سنة 463 للهجرة: خرج ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال، أكثر من مائتي ألف… ومعه ألف وأربعمائة عجلة وعربة تحمل السلاح والمجانيق. وكان يعزم على إبادة الإسلام وأهله وأقسم على ذلك. واضطربت ممالك الإسلام واشتد وجلهم، غير أن الله قيّض لدينه السلطان ألب أرسلان فخاض الحرب بعشرين ألفاً، وأوصى خطباء المساجد بالدعاء وقت الجمعة للمجاهدين، فما انتهت المعركة إلا بهزيمة الروم هزيمة ساحقة أُسِر فيها قائد الروم، وأحضر إلى السلطان الذي أمر ببيعه في معسكر المسلمين، فطافوا به في المعسكر والحبل في عنقه يُنادى عليه بالدرهم والفلوس، فما اشتراه أحد حتى انتهوا في آخر المعسكر إلى رجل فقال: إن بعتمونيه بهذا الكلب أشتريه، فأخذوه وأخذوا الكلب، وأتوا بهما السلطان أرسلان، وأخبروه بما صنعوا به وبما دُفع فيه، فقال: الكلب خير منه لأنه ينفع، وهذا لا ينفع…" منقول بتصرف.
أجل بهذه الأفعال المليئة بالعزة والسؤدد يكون الرد على كل من تسول له نفسه مسّ أي مسلم بأذى، وهذا ما نفتقده بغياب الخلافة، فلا جيوش تدافع عن الأمة، بل هي رغم العدد والعتاد، ومليارات الدولارات التي تنفق عليها كل سنة، مكبلة، تستغل في قتل المسلمين وذبحهم. 
بغياب الخلافة رخص الدم المسلم حتى صار سفك دمائنا وسيلة لتسلية المنحطين والشواذ والمتطرفين من كل عصبة. ففي الشهر الماضي لجأ 1500 مسلم لمجمع كنسي في إفريقيا الوسطى لحمايتهم من عصابات القتل النصيرية. صرنا نحتمي بالكنائس بغياب الخلافة، فأين كنا وأين صرنا؟!! 
بالأمس بلغ حقد أمريكا أن تقتل 150 طفلاً من حفظة كتاب الله في أفغانستان، وروسيا ترتكب مجزرة بحق مسلمي الشام فتقتل العشرات منهم بالكيماوي في دوما، وكلا المجرمين لم يرتكب جرائمه بحق المسلمين إلا لأنه موقن أن لا حامي لهم، فقد غاب الإمام الجُنّة الذي يُقاتل من ورائه ويُتّقى به، وحكم الأمة نعاج يمموا خطاهم نحو أمريكا، وصارت كل تحركاتهم إنما هي جزء من الحرب على خير أمة.
ففي الأمس تلاحق الشرطة التونسية شاباً حتى ألقى بنفسه في الواد، ولمّا استنجد بهم صرخوا في وجهه "تعلم السباحة" فمات غرقاً!
وفي الأردن قُتلت بتول حداد حين أسلمت، ووقف حكام البلد أذلاء غير آبهين بحمايتها هي وغيرها ممن اهتدوا للإسلام.
في مصر يُحكم على العشرات يومياً بالإعدام ظلماً، لتكريس الخوف والذل في قلوب مسلمي مصر، وإجبارهم على القبول بنظام السيسي المجرم.
في فلسطين يُزج بالشباب المسلم إلى مواجهات غير عادلة مع كيان حاقد مجرم، يستهدفهم بكل سهولة بأسلحته الفتاكة. وحكام الأمة وعلماؤها وإعلاميوها صامتون كالأموات عن الحل الجذري الذي يحرر فلسطين وينقذ أهلها من بطش يهود، بل هم يشجعون التحركات الشعبية التي تضع أهل فلسطين الأسرى في مواجهة مع جيش يهود وتُسلمهم له تسليم الغنم للذئب تقاتله!
ينشغل الحكام باعتقال المخلصين وقطع أرزاقهم والتضييق على كل مخلص حر، ويتركون الأمة لقمة سائغة لعدوها يمزقها وينكل بها كيف يشاء.
ولو كان للمسلمين خلافة وخليفة لما تجرأ علج على قتل مسلم، أو انتهاك عرض مسلمة...
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلبٌ أَو أَلقَى ٱلسَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بيان جمال
  27 من رجب 1439هـ   الموافق   السبت, 14 نيسان/ابريل 2018مـ

No comments:

Post a Comment