Thursday, January 20, 2022

استعادة سلطان الأمة بإسقاط الأنظمة واقامة الخلافة (2) (لأنظمة العلمانية والسلطان المصطنع(

 

استعادة سلطان الأمة بإسقاط الأنظمة واقامة الخلافة (2) (لأنظمة العلمانية والسلطان المصطنع(

 

المهندس :ناصر وحان اللهبي اليمن

مجلة الوعي: العدد 425 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الثاني 1443هـ الموافق كانون الثاني 2022م

منذ أكثر من مائة عام والأمة ترزح تحت حكم الطواغيت الذين صنعهم الكافر المستعمر على عينه، والذين يحكمون الأمة بالكفر والضلال والظلم والفجور والطغيان، إن سلطان هذه الأنظمة ليس شرعيًّا، وليس له الصفة الشرعية المبنية على قاعدة «السيادة للشرع والسلطان للأمة»، فهو سلطان مصطنع، ولأن تولية الحاكم ليحكم بالعلمانية والليبرالية هو من الحكم بالكفر.

 ومن الأساليب الماكرة لتولية الرويبضات وايجاد السلطان المصطنع:

1- تولية الكافر المستعمر حكام الجور الذين يحكمون بلاد المسلمين لتحقيق أهدافه ومؤامراته ومخططاته الإجرامية منذ مائة عام

2- المحافظة على هؤلاء الحكام ودعمهم بالمال والسلاح والموقف، بالرغم من أخذهم للحكم بصور مزيفة، بالانقلاب أو بتوريث الحكم، أو بالانتخابات المزوَّرة

3- القيام بانتخابات ديمقراطية تعطي الحاكم سلطانًا قائمًا على أساس باطل هو حكم الشعب بدل حكم الله تعالى، وتكون شروط المرشحين مخالفة للإسلام من الفسق وعدم توفر العدالة، وتتبنى برامجهم الحكم بالكفر

4- من خلال السلطان المصطنع، فرض المستعمر أفكاره التشريعية من دساتير علمانية وقوانين وضعية، وفرض سياسة اقتصادية تجعل اقتصاد البلاد مربوطًا باقتصاده القائم على اقتصاد السوق الحر ومرهونًا بالاتفاقات والمعاهدات والقروض الربوية، وفرض سياسته الثقافية بتدريسها في الجامعات والمعاهد وجعلها نبراسًا في الحقوق والتشريعات القضائية، وجعل البلاد مفتوحة للمنظمات والمؤتمرات والدراسات ومراكز الدراسات والأبحاث الغربية

وحدد سياسة الحاكم الذي وضعه على رقاب المسلمين بالآتي:

1- أن يحكم الحاكم بأفكار المستعمر وتشريعاته ويسير على سياساته، وإلا تمت إزالة العميل من الحكم بالغزو (العراق) أو الانقلاب (مصر) أو القتال (اليمن) أو غيرها من الأساليب.

2- منع الأمة من الأخذ بأسباب النهضة، وجعلها متخلفة متأخرة في جميع المجالات، وضعيفة من ناحية القوة والتطور والتكنولوجيا.

3- إلزام الحكام بالرجوع إليه في جميع السياسات والأعمال والخطط والبرامج، سواء السياسية أم الاقتصادية أم العسكرية أم الزراعية أم الصناعية، والخدمية والصحية والسياسة التعليميةإلخ.

4- تسليم ثروات البلاد ومقدراتها وإمكاناتها إلى المستعمر باسم الشريك الاستراتيجي أو الاتفاقات والعقود، ورهن البلاد والعباد بالربا والمساعدات والقروض والمنظمات.

5- قيام العميل بشن حروب بالوكالة لتنفيذ مخططاته ومؤامرته خارج البلاد التي يحكمها العميل كما حصل بتحريك آل سعود على اليمن وسوريا والعراق، أو تحريك إيران في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وتحريك دويلة الإمارات إلى جنوب اليمن من قبل بريطانيا، أو تحريك تركيا وعميلهم أردوغان إلى سوريا والعراق وليبيا.

6- المحافظة على أمن وسلامة كيان يهود على أرض فلسطين المباركة، ودفع الحكام العملاء لتطبيع العلاقات معه، ومنع الأمة من الجهاد لتحرير الأرض المقدسة، وإلهاء الأمة بالشعارات والمناسبات (يوم القدس) حتى يتم صرف الأمة عن الجهاد تطهير أرض فلسطين من دنس ورجس الصهاينة الغاصبين.

أساليب ماكرة لمنع عودة سلطان المسلمين :

لقد حاولت الأمة إعادة سلطانها بعدة طرق وأساليب، ولكنها كانت في كل مرة تفشل لأسباب منها:

أولًا: إدراك الكافر المستعمر لخطورة عودة السلطان للأمة، وبالتالي العمل على إفشاله عن طريق العملاء الذين رفعوا شعار الإسلام ظاهرًا والعلمانية باطنًا، وعملوا على دغدغة مشاعر المسلمين بإطلاق شعارات وحروبًا كلامية وإعلامية كاذبة معهم كما هو حاصل بين (أمريكا وإيران) أو (أمريكا وتركيا) أو (أمريكا وجماعة الحوثي) فهذه الجماعة تطلق على سبيل المثال شعار (الموت لأمريكا)، وأمريكا تدعمها بتصنيفها ضمن قائمة (الجماعات الإرهابية) ما يقوي الجماعة بالتحشيد الشعبي لها في جبهات القتال، وخروج المسيرات والوقفات وتحريك الإعلام والخطابات، بحجة أن أمريكا أعلنت العداء لها جهارًا نهارًا، وهذه أحد أساليب خطف السلطان من الأمة!!…

ثانيًا: اختراق الثورات وسرقتها وحرف اتجاهها وركوب موجة التغيير كما حصل في ثورات سنة 2011م، ومن ثم التخطيط لإدخال البلاد في دوامة العنف والتدمير الممنهج، تحت ما عرف بالثورات المضادة

ثالثًا: الحرب على جماعات التغيير الفكري والسياسي المخلصة والواعية، بشن حملات التشويه والتعتيم الإعلامي والمنع والحظر وتخويف الناس منهم، ثم الاعتقال والتعذيب حتى الوصول إلى الاغتيال

رابعًا: ربط الأحزاب والجماعات والفصائل المنادية بالتغيير بدول الكفر ومخابراتها عن طريق مندوبين دائمين في الخارج، أو قيادات عميلة في الداخل، أو عن طريق غرف عمليات تقدم لهم الأموال لأجل جذب ضعاف النفوس لهم

خامسًا: إلهاء الأمة بصراعات عبثية، والزج بأبنائها في اقتتال طائفي ليموتوا في سبيل غايات وأهداف لا تخدم سوى أعداء الإسلام

سادسًا: تثبيت العملاء عن طريق الدعم الخارجي والقوة الداخلية والإعلام.

سابعًا: السيطرة على مكامن القوة، ومنع أهل النصرة والقوة من نصرة جماعات التغيير الحقيقي.

ثامنًا: إيهام المسلمين أن السلطان بيدهم، وأن صناديق الاقتراع الديمقراطية هي من ترجع إليهم سلطانهم

الخلافة الراشدة واعادة سلطان الأمة :

إن إسقاط تلك الأنظمة المصطنعة وإعادة سلطان الأمة من أوجب الواجبات الشرعية؛ ولكن هذا الواجب يجب أن تنبري لتحقيقه جماعة ذات غاية ومنهاج قويم متبنى من الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وطريقة صحيحة لإرجاع السلطان المسلوب، والحق المغصوب، والحكم المفقود، ومتمثلة في قيادة مخلصة وواعية ونزيهة، ويكون الفكر والعمل من أجل غاية استئناف الحياة الإسلامية، والحكم بما أنزل الله عن طريق إقامة دولة الخلافة التي بها يتحقق سلطان الأمة، وما يهمنا هنا هو الضوابط والأحكام التي تعطي الأمة سلطانها؛ بحيث نؤسس لمنهاج تسير عليه الأمة، ولا تعود إلى الانتكاسة من جديد، وإليكم الضوابط الشرعية التي تبناها حزب التحرير كرائد لا يكذب أهله، وكعمل منظَّم وممنهَج ومقعَّد على العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية المنبثقة من هذه العقيدة، ولن تعطى الأمة حقوقها كاملة غير منقوصة إلا بتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملًا شاملًا جميع مناحي الحياة كنموذج فذ في العالم.

أولًا: الأمة هي التي تنصب الخليفة:

إن السلطان كما أسلفنا أعطاه الإسلام للأمة، وفي هذا يقول الشيخ تقي الدين النبهاني (رحمه الله): «إن الشارع قد جعل السلطان للأمة، وجعل نصب الخليفة للمسلمين عامة، ولم يجعله لفئة دون فئة، ولا لجماعة دون جماعة، فالبيعة فرض على المسلمين عامة، روى الإمام مسلم عن عبدالله بن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «… ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»؛ ولذلك ليس أهل الحل والعقد هم أصحاب الحق في نصب الخليفة دون باقي المسلمين، وكذلك ليس أصحاب الحق أشخاصًا معينين، وإنما هو الحق لجميع المسلمين دون استثناء أحد، حتى الفجار والمنافقين، ما داموا مسلمين بالغين؛ لأن النصوص جاءت عامة، ولم يرد ما يخصصها». ويضيف: «إن اجتمع عدة ممن توفرت فيهم صفات الخليفة، فالخليفة من انعقدت له البيعة من الأكثر، والمخالف باغٍ»، ويقول (رحمه الله): «يجب تمكين جميع المسلمين من مباشرة حقهم في نصب الخليفة، بغض النظر عما إذا استعملوا هذا الحق أم لم يستعملوه، يجب أن يكون في قدرة كل مسلم التمكن من القيام بنصب الخليفة بتمكينه من ذلك تمكينًا تامًّا؛ لأن الفرض الذي فرضه الله هو أن يجري نصب الخليفة من المسلمين برضاهم، لا أن يجريه جميع المسلمين ولا يشترط عدد معين فيمن يقومون بنصب الخليفة، بل أي عدد بايع الخليفة، وتحقق في هذه البيعة رضا المسلمين بسكوتهم، أو بإقبالهم على طاعته بناء على بيعته، أو بأي شيء يدل على رضاهم. يكون الخليفة المنصوب خليفة للمسلمين جميعًا، ويكون هو الخليفة شرعًا، ولو قام بنصبه خمسة أشخاص، إذ يتحقق فيهم الجمع في إجراء نصب الخليفة، ويتحقق الرضا بالسكوت والمبادرة إلى الطاعة أما إذا لم يتحقق رضا جميع المسلمين، فإنه لا يتم نصب الخليفة إلا إذا قام بنصبه جماعة يتحقق في نصبهم له رضا جمهرة المسلمين، أي أكثريتهم، مهما كان عدد هذه الجماعةوعلى ذلك فليس بيعة أهل الحل والعقد هي التي يجري فيها نصب الخليفة، وليس وجود بيعتهم شرطًا لجعل نصب الخليفة نصبًا شرعيًّا، بل بيعة أهل الحل والعقد أمارة من الأمارات الدالة على تحقق رضا المسلمين بهذه البيعة؛ لأن أهل الحل والعقد كانوا يُعتبرون الممثلين للمسلمين، وكل أمارة تدل على تحقق رضا المسلمين ببيعة خليفة يتم بها نصب الخليفة، ويكون نصبه بها نصبًا شرعيًّا. وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بنصب الخليفة جمع يتحقق في نصبهم له رضا المسلمين، بأي أمارة من أمارات التحقق، سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين للمسلمين، أم كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أم بمسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعةوليس من الحكم الشرعي كونهم أهل الحل والعقد، ولا كونهم خمسة أو خمسمائة أو أكثر أو أقل، أو كونهم من أهل العاصمة، أو أهل الأقاليم، بل الحكم الشرعي كون بيعتهم يتحقق فيها الرضا من قبل جمهرة المسلمين، بأية أمارة من الأمارات، مع تمكينهم من إبداء رأيهم تمكينًا تامًّا».

ثانيًا: الخليفة نائب عن الأمة:

وفي هذا يقول حزب التحرير على لسان مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني: «الخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في الحكم والسلطان، وفي تنفيذ أحكام الشرع. ذلك أن الإسلام قد جعل الحكم والسلطان للأمة، تنيب فيه من يقوم به نيابة عنها. وقد أوجب الله عليها تنفيذ أحكام الشرع جميعها. وبما أن الخليفة إنما ينصبه المسلمون، لذلك كان واقعه أنه نائب عن الأمة في الحكم والسلطان، وفي تنفيذ أحكام الشرع؛ لذلك فانه لا يكون خليفة إلا إذا بايعته الأمة، فبيعتها له بالخلافة جعلته نائبًا عنها، وانعقاد الخلافة له بهذه البيعة أعطاه السلطان، وأوجب على الأمة طاعته. ولا يكون من يلي أمر المسلمين خليفة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد في الأمة بيعة انعقاد شرعية، بالرضى والاختيار، وكان جامعًا لشروط انعقاد الخلافة».

ثالثًا: اشتراط رضا الأمة في انعقاد الخلافة:

وفي هذا المجال يقول الشيخ تقي الدين: «الخلافة عقد مراضاة واختيار؛ لأنها بيعة بالطاعة لمن له حق الطاعة من ولاية الأمر، فلا بد فيها من رضا من يبايع ليتولاها، ورضا المبايعين لهوكذلك لا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار والإكراه؛ لأنه حينئذ لا يصح اعتبار العقد فيها صحيحًا لمنافاة الإجبار لها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، كأي عقد من العقود ومن هنا يتبين أنه لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولَّاه المسلمون». ويؤكد أن «الخلافة عقد مراضاة واختيار، فلا يجبر أحد على قبولها، ولا يجبر أحد على اختيار من يتولاها» ويقول:« لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه المسلمون، ولا يملك أحد صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له على الوجه الشرعي كأي عقد من العقود في الإسلام».

رابعًا: رفض الاستخلاف والعهد:

وفي هذا المجال يقول حزب التحرير في عدد من كتبه: «لا تنعقد الخلافة بالاستخلاف، أي بالعهد؛ لأنها عقد بين المسلمين والخليفة، فيشترط في انعقادها بيعة من المسلمين، وقبول من الشخص الذي بايعوه. والاستخلاف أو العهد لا يتأتى أن يحصل فيه ذلك، فلا تنعقد به خلافة. وعلى ذلك فاستخلاف خليفة لخليفة آخر يأتي بعده لا يحصل فيه عقد الخلافة؛ لأنه لا يملك حق عقدها، ولأن الخلافة للمسلمين لا للخليفة. فالمسلمون يعقدونها لمن يشاؤون، فاستخلاف الخليفة غيره، أي عهده بالخلافة لغيره، لا يصح؛ لأنه إعطاء لما لا يملك، وإعطاء ما لا يملك لا يجوز شرعًا.. وعقده فضولي لا يصح.. وأما ما روي أن أبا بكر استخلف عمر، وأن عمر استخلف الستة، وأن الصحابة سكتوا، ولم ينكروا ذلك، فكان سكوتهم إجماعًا، فإن ذلك لا يدل على جواز الاستخلاف؛ وذلك لأن أبا بكر لم  يستخلف خليفة، وإنما استشار المسلمين فيمن يكون خليفة لهم، فرشح عليًا وعمر. إن  المسلمين خلال ثلاثة أشهر في حياة أبي بكر اختاروا عمر بأكثريتهم، ثم بعد وفاة أبي بكر جاء الناس وبايعوا عمر، وحينئذ انعقدت الخلافة لعمر، أما قبل البيعة فلم يكن خليفة، ولم تنعقد الخلافة له، لا بترشيح أبي بكر ولا باختيار المسلمين له، وإنما انعقدت حين بايعوه، وقبل الخلافة». ويضيف:« إن نظام ولاية العهد يعتبر منكرًا في النظام الإسلامي، ومخالفًا له كل المخالفة؛ وذلك لأن السلطان هو للأمة وليس للخليفة. وإذا كان الخليفة إنما ينوب عن الأمة في السلطان مع بقائه لها، فكيف يجوز له أن يمنحه لغيره؟ وما فعله أبو بكر لعمر، لم يكن ولاية عهد، بل كان انتخابًا من الأمة في حياة الخليفة، ثم حصلت له البيعة بعد موته بخلاف ما فعله معاوية من تولية ابنه يزيد، فإنه يخالف نظام الإسلام».

   ويقول: «من الجدير ذكره أن العهد بالخلافة للابن لم يكن هو الذي يجعل الابن خليفة بعد أبيه، بل إنه كان ينصب ببيعة جديدة تؤخذ من الناس، انعقادًا وطاعة، بعد وفاة الخليفة السابق. غير أنه كان يساء تطبيق البيعة أحيانًا، فبدل أخذها بالرضا والاختيار تؤخذ بالإكراه، إلا أن البيعة في جميع الأحوال كانت هي الطريقة لنصب الخليفة طيلة عصور الدولة الإسلامية، فتنعقد الخلافة له بالبيعة وليس بالوراثة أو ولاية العهد».

ويشرح ذلك مفصلًا في موضع آخر، فيقولأبو بكر استشار المسلمين في بيعة عمر بعد أن ثقل المرض على أبي بكر، وظن أنه ميت، جمع الناس فقال: «إنه قد نزل بي ما قد ترَون، ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحلَّ عنكم عقدتي، وردَّ عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي» غير أن الناس لم يتفقوا على من يخلف أبا بكر، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فلعلكم تختلفون، قالوا: لا، قال فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.

وعاود أبو بكر استشارة كبار الصحابة، وكانت استشارته لهم سرية.. وبعد أن استقرَّ رأيه على عمر، استشار الناس استشارة علنية، إذ أشرف على الناس من بيته، وخاطبهم قائلًا: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني واللهِ ما ألوتُ من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، فقالوا: نعم، فتابع قائلًا: وإني قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فأجاب الناس: سمعنا وأطعناوأقبل الناس على بيعة عمر إقبالًا تامًّا.. فكانت بيعة عمر بن الخطاب في المسجد من المسلمين هي البيعة التي انعقدت له بها الخلافة، وبها وجبت له الطاعة عليهم. وأما عهد أبي بكر إليه فلم يعدُ كونه ترشيحًا له بالخلافة، وحصرًا للترشيح لها فيه، ولم تنعقد له به خلافة، ولم تجب له به طاعة»، إنما كان ترشيحًا كأحد أفراد المسلمين، والمسلمون عليهم البيعة له.

والجدير ذكره في هذا المقال ما ذكره الأستاذ أحمد القصص مخاطبًا أحمد الكاتب:«إن وجوب طاعة الحاكم الظالم لا تعني، فيما نتبناه، أن تشاركه في معصيته، أو أن تنفذ المعصية التي أمر بها. وإنما يعني أن تبقى مطيعًا له في سائر أوامره الموافقة للشرع. كما أن طاعته لا تعني السكوت عن محاسبته وأمره ونهيه، وإنما يبقى ذلك واجبًا، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جهادًا ووصف قتيله بسيد الشهداء. وبالتالي فإن ذلك لا يتعارض مع أمر الله تعالى بالعدل.

 قد ورد في كتبنا أن لكل فرد من أفراد الرعية التظلم لدى محكمة المظالم على الخليفة إن رأى منه ظلمًا، وفي هذه الحال فإن الخليفة لا سلطان له على محكمة المظالم. وقد ورد أيضًا أن الحاكم إن بلغ في ظلمه حد الفسق، فإن محكمة المظالم التي لا سلطان له عليها في هذه الحال أيضًا، تحكم بعزله.

إن القول بعدم طاعة الحاكم الظالم مطلقًا، يؤدي إلى استمرار الفوضى والتمرد في الدولة الإسلامية؛ لأن تحديد الظلم ليس أمرًا ميسورًا لكل الناس، وليس محل اتفاق بين جميعهم. وإن أخذنا بعين الاعتبار أن الحكام هم من البشر غير المعصومين، فإنه يتوقع بين آونة وأخرى أن يقع منهم خطأ أو ظلم. وتخيَّل الواقع لو أننا أتحنا لكل فرد من الرعية إعلان التمرد والعصيان عند أول خطأ أو ظلم. وما أعرفه أنك من الذين رفضوا «نظرية» وجوب أن يكون الحاكم «معصومًا». وللمناسبة، فإنه حتى الأنظمة الديمقراطية التي تردد ذكرها في كتاباتك، لا تعطي الناس الحق بأن يخالفوا القوانين والمراسيم والقرارات الرسمية أو الحق بالتمرد والخروج بالسلاح على الحاكم، إن هو خالف القوانين أو ارتكب ظلمًا».

إن الحزب لا يعمل على إعادة الخلافة بشكلها الاستبدادي الذي حصل منذ بداية العهد الأموي. وإنما يعمل على إعادة الخلافة كما شرعها الإسلام، وكانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة تطبيقًا عمليًا لها والتزمها بعده الخلفاء الراشدون، وهي ليست ظاهرة تاريخية، وإنما هي أحكام شرعية دلت عليها الأدلة الشرعية.

وأشار إلى إدراك الحزب لواقع الاستبداد بالسلطة واغتصابها منذ بداية العهد الأموي وإدراك خطورتها الكبيرة، وعرض الحلول والضمانات للحؤول دون عودتها. وقال: «إن خلافنا الأساسي معك ليس في تفاصيل نظام الحكم، وإن كان هذا الخلاف موجودًا. إنما الخلاف الحقيقي في منهج التفكير؛ إذ يبحث الحزب في الأدلة الشرعية ليأخذ منها الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وسائر أنظمة الحياة والمجتمع والدولة.

إن اغتصاب السلطة والاستبداد بها كانت من أهم عوامل تراجع الدولة الإسلامية وانحطاط الأمة، وقد لحظها الحزب ضمن إساءات تطبيق الإسلام. إلا أن عوامل الانحطاط في الأمة أوسع بكثير من أن تختصر في هذا الجانب. فالأمم تتخذ هويتها من ثقافتها وأفكارها وأنظمتها التي تطبقها، فإن هي بدلت هذه المكوِّنات فقد بدلت هويتها. وإنك بتلمّسك عوامل النهوض للأمة من الغرب تكون قد طلبت الداء للشفاء عوضًا عن الدواء. فالديمقراطية كانت من مكونات نهوض المجتمع الغربي بوصفه مجتمعًا يقوم على عقيدة فصل الدين عن الحياة، وبالتالي فإن كونها من عوامل نهوض الغرب لا يعني البتة أن تكون من عوامل نهوض الأمة الإسلامية؛ ذلك أنه لا يمكن أن تتوافق مع العقيدة الإسلامية التي تنبني عليها أفكارها  وتنبثق منها أنظمة خاصة بها. فأنت حين تقتبس نظامًا ساهم في نهوض مجتمع ذي هوية معينة، إلى مجتمع يراد تكوينه بهويته الخاصة المختلفة، تكون كمن ينقل دمًا من جسد إلى جسد آخر مغاير له في فئة الدم، فيقتله بدل أن يمدّه بالقوة والعافية».

خامسًا: رفض الانقلاب العسكري :

ونتيجة لإيمان حزب التحرير بأن السلطان للأمة وضرورة انتخاب الإمام طوعًا بإرادتها، فقد رفض الاعتراف بشرعية حكومة المتسلط، أو القادم عبر الانقلابات العسكرية، وقال: «إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين؛ لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين، ولو أخذ البيعة على الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بويع؛ لأن البيعة والإجبار لا تعتبر ولا تنعقد بها الخلافة؛ لأنها عقد مراضاة واختيار لا يتم بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار، إلا أن هذا المتسلط إذا استطاع أن يقنع الناس بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته، وقنعوا بذلك ورضوا، ثم بايعوه عن رضا واختيار، فإنه يصبح خليفة منذ اللحظة التي بويع فيها عن رضا واختيار، ولو كان أخذ السلطان ابتداء بالتسلط والقوة، فالشرط هو حصول البيعة، وأن يكون حصولها عن رضا واختيار، سواء كان من حصلت له البيعة هو الحاكم والسلطان، أو لم يكن».

ويضيف: «إذا لم يكن للمسلمين دولة خلافة ولا خليفة، وتطبق عليهم أنظمة الكفر وأحكامه –  كما هو الحال اليوم فقام المسلمون، أو جماعة منهم، أو أصحاب القوة والمنعة فيهم، في قطر أو أكثر من أقطار المسلمين، فاستولوا على السلطة في ذلك القطر، وأزالوا الحاكم الذي يحكمهم بأنظمة الكفر وأحكامه، بغية استئناف الحياة الإسلامية، والعودة إلى الحكم بما أنزل الله، فيجوز لمن قاموا بالاستيلاء على السلطة أن يرشحوا شخصًا من المسلمين المؤهلين ليتولى الحكم والسلطان، والجامعين لشروط انعقاد الخلافة، وأن يجمعوا أهل الحل والعقد في ذلك القطر أو أكثرهم، وأن يطلبوا منهم أن يبايعوا هذا الشخص الذي رشحوه ليكون خليفة، فيقوم أهل الحل والعقد بمبايعته بالرضا والاختيار، على كتاب الله وسنة رسوله، فتنعقد له الخلافة بهذه البيعة، ثم يبايعه المسلمون في ذلك القطر مبايعة عامة، مبايعة طاعة ورضا، ومن ثم يباشر فورًا بوضع الإسلام كاملًا موضع التطبيق والتنفيذ، دون تأخير. وبذلك تعود دولة الخلافة إلى الحياة، ويعود تطبيق أحكام الإسلام وأنظمته إلى الوجود، وتتحول الدار في ذلك القطر إلى دار الإسلام».

وقد رفض الحزب بشدة الاستيلاء على السلطة بالقوة، وسمى ذلك اغتصابًا، وقال:» إن عقد الخلافة عقد مراضاة واختيار كسائر العقود لا يتم إلا بين عاقدين أحدهما: الأمة، والثاني: الحاكم أو الخليفة، فهو عقد حكم، فإذا فقد فيه أحد العاقدين بطل العقد كليًا، فكان كأي عقد من العقود الباطلة،   ويعتبر الحاكم حينئذ مغتصبًا للحكم، كأي مغتصب، ويطبق في حقه حكم الغاصب».

وتساءل حزب التحرير عن الموقف من الغاصب المتسلط من غير بيعة من المسلمين ولا اختيار منهم وحكم بالإسلام ، فهل يجب الخروج عليه؟ ثم نقل آراء بعض العلماء الذين أوصوا بالصبر وطاعة الحاكم الظالم؛ ولكنه أخذ عليهم الجمع في البحث بين عدة مسائل، كالبحث في الحاكم الظالم وفي أئمة الجور وفي السلطان المتغلب، على اعتبار أن كل ذلك مسألة واحدة هي منازعة السلطان، وقالوا بوجوب طاعتهم وعدم الخروج عليهم، واستدلوا بالأحاديث الواردة في طاعة الحاكم ولو ظلم مثل حديث حذيفة «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع» (مسلم). في مقابل من استدل بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالوا هذه الأحاديث أخص من تلك العمومات مطلقًا، أي أنها خصصت العام فتصرف لغير الحاكم، ويستثنى منها الحاكم» وقالوا: «إن السلطان مستثنى من حكم الغاصب؛ لأن أدلة حكم الغاصب عامة، وجاءت أدلة طاعة الحاكم خاصة، فهي مخصصة لذلك العموم، أي مستثناة من ذلك العموم فلا يطبق حكم الغاصب في حق السلطان، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث حذيفة بن اليمان: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع». (مسلم) فهذا مخصص لعموم أدلة الغصب بل لعموم أدلة كل الأحكام، يستثنى منها الحاكم، فلا يخرج عليه لاغتصاب السلطة، فلا يطبق في حقه حكم الغاصب. بدليل ما نقله الشوكاني ، قال:« وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: من أريد ماله  أو حريمه أو نفسه فله المقاتلة، وليس عليه عقل، ولا دية، ولا كفارة، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه». انتهى. فهذا يدل على أنهم يستثنون الحاكم حتى لو كانت المسألة من باب الغصب.

  ورغم اعتراف حزب التحرير بتلك الأحاديث، وإيمانه بتخصيصها للعموم الوارد في الكتاب والسنة، إلا أنه فرق بين ارتكاب الحاكم للظلم في أثناء حكمه، وبين اغتصاب السلطة من البداية، وقال: «إن الأدلة الخاصة التي تستثني الحاكم إنما هي في حق الحاكم، إذا كان حاكمًا؛ ولكن مغتصب السلطة حين ارتكب جريمته لم يكن حاكمًا، بل كان شخصًا عاديًّا من الناس، فاغتصبها وهو ليس بحاكم، وبعد اغتصابها صار حاكمًا، فلا تنطبق عليه الأحاديث؛ لأن الجريمة قد ارتكبت من قبله وهو ليس بحاكم؛ ولذلك لا تنطبق عليه أحاديث الأمر بالصبر على أئمة الجور، وينطبق عليه حكم الغاصب، ولا يدخل في الاستثناء؛ ولهذا فانه يطبق في حقه مغتصب السلطة من الأمة بالقوة حكم الغاصب، ولا كلام».

  وتمسك حزب التحرير بوجوب رد الغاصب ما غصبه لصاحبه وتغليظ العقوبة عليه، وبجواز مقاتلته لرده عن أخذ المغصوب، ولاسترجاعه منه قتالًا بالسيف، ولو أدى لقتله، واستدل على ذلك بما روي عن السائب بن يزيد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادًّا ولا لاعبًا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليرددها عليه» رواه أحمد. وعن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه ابن ماجة. وأما الدليل على مقاتلة الغاصب بالسيف لمنعه من الغصب ولاسترداد المغصوب ما رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: «جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطِه مالك؟ قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» رواه مسلم. وفي رواية: «يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي، قال: فانشد بالله، قال فإن أبوا علي، قال: فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي؟ قال: فانشد بالله. قال فإن أبوا علي، قال: فقاتل، فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار» رواه النسائي. ففي هذا الحديث طلب جازم بمقاتلة الغاصب، أي غاصب، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم «فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار»، وهي وإن صرفت عن الوجوب بمقاتلة غاصب المال لوجود قرينة مانعة من الوجوب، وهي أن لمالك المال أن يسامح الغاصب بماله، إلا أنها باقية على الوجوب بمقاتلة غاصب السلطة بقرينة مقاتلة الصحابة ليزيد».

  وقال: «هذا هو حكم الغاصب، وهذه أدلته وهذا هو حكم من يأخذ السلطة بالقوة من غير أن تعطيه إياها الأمة، فكل من يقدم على اغتصاب السلطة وأخذها بالقوة من غير أن تعطيه إياها الأمة، وهو السلطان المتغلب، إذا لم تبايعه بالرضا والاختيار فحكمه أن يقاتل بالسيف، حتى يمنع من اغتصاب السلطة، وحتى تسترد منه وتعاد للأمة».

  واستشهد بموقف الصحابة من جريمة اغتصاب السلطة لأول مرة في الإسلام، تلك الجريمة التي ارتكبها معاوية لابنه يزيد، وارتكبها يزيد حين تسلم الحكم بالفعل وأخذ السلطة والبيعة بالقوة. وذلك حين ثار كبار الصحابة على السلطان المتغلب، ولم يسكتوا عليه، بل نازعوه وقاوموه وخلعوه كما فعل عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وأهل المدينة الذين لم يكتفوا بالإنكار والامتناع عن البيعة، كما حصل منهم تجاه معاوية، بل شهروا بوجهه السيف وأعلنوا عليه القتال.

ولفت الحزب هنا إلى موقف الصحابة من معاوية؛ حيث لم يقاتلوه على اغتصاب السلطة بل اكتفوا بالإنكار والمقاومة؛ لأن معاوية كان حاكمًا وتولى أخذ البيعة ليزيد وهو حاكم، أي ارتكب هذا العمل وهو حاكم، والحاكم مستثنى من عموم أدلة الغصب بالأحاديث الواردة في طاعته، مثل حديث حذيفة «تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع» والحاكم الشرعي لا يحل قتاله مهما عمل، إلا في حالة واحدة، إذا أظهر الكفر البواح؛ لأن هذه الحالة جاء بها النص، وما عداها لا يجوز، لأحاديث الطاعة والصبر على جور الأئمة؛ ولذلك لم يقاتله الصحابة واكتفوا بالإنكار بالقول. أما لو ارتكب هذه الفعلة النكراء ولم يكن حاكمًا فإنه يقاتل بالسيف أي السلاح.

سادسًا: انتخاب مجلس الأمة :

وهو صيغة متطورة عن (أهل الحل والعقد) يرى حزب التحرير أنهم يجب أن يأتوا عن طريق الانتخاب وليس التعيين، ويعطيهم دورًا أكبر مما كان لهم في التاريخ الإسلامي، أي دورًا إلزاميًا وليس استشاريًّا فقط، ولو أن الحزب يفصل في الأمور فيعطي الحق لمجلس الأمة أن يفرض رأيه في بعض الأحيان، ويعطي الخليفة الحق في فرض رأيه في أمور معينة.

وحول انتخاب مجلس الأمة، يقول الحزب في مشروع الدستور الذي يتبناه للمسلمين: «ينتخب أعضاء مجلس الأمة انتخابًا. ولكل من يحمل التابعية إذا كان بالغًا عاقلًا الحق في أن يكون عضوًا في مجلس الأمة، رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا كان أو غير مسلم، إلا أن عضوية غير المسلم قاصرة على إظهار الشكوى من ظلم الحكام أو من إساءة تطبيق الإسلام». ويقول في موضع آخر: «ينتخب أعضاء مجلس الأمة انتخابًا، ولا يعيَّنون تعيينًا؛ وذلك أنهم وكلاء في الرأي عن الناس، والوكيل إنما يختاره موكله، ولا يفرض الوكيل على الموكل مطلقًا، ولأن أعضاء مجلس الأمة ممثلون للناس أفرادًا وجماعات في الرأي، ومعرفة الممثل في البقعة الواسعة، والقوم غير المعروفين، لا تتأتى إلا لمن يختاره ممثلًا له وعلى ذلك فإنه يستنبط من كون أعضاء مجلس الأمة وكلاء في الرأي، ومن كون العلة التي وجد من أجلها مجلس الأمة هي التمثيل للأفراد والجماعات في الرأي والمحاسبة».

  وحول إلزامية مجلس الأمة يقول:«الشورى والمشورة هي أخذ الرأي مطلقًا، وهي غير ملزمة في التشريع، والتعريف والأمور الفكرية ككشف الحقائق، وفي الأمور الفنية والعلمية، وتكون ملزمة عند استشارة الخليفة في كل ما هو من الأمور العملية والأعمال التي لا تحتاج إلى بحث وإنعام نظر. والمسائل التي تكون فيها الشورى ملزمة عند استشارة الخليفة يؤخذ فيها برأي الأكثرية بغض النظر عن كونه صوابًا أو خطأً، أما ما عداها مما يدخل تحت الشورى فيتحرى فيها عن الصواب بغض النظر عن الأكثرية أو الأقلية».

  ويؤكد: «أن مجلس الأمة يتكون من أشخاص يمثلون المسلمين في الرأي، ليرجع إليهم الخليفة لاستشارتهم في الأمور، وهم ينوبون عن الأمة في محاسبة الحكام وأن الشورى حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أن يرجع إليهم في أمور لاستشارتهم فيها وكما أن للمسلمين حق الشورى على الخليفة، فإنه يجب عليهم محاسبة الحكام على أعمالهم وتصرفاتهم، والله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين محاسبة الحكام، وأمرهم أمرًا جازمًا بمحاسبتهم والتغيير عليهم إذا هضموا حقوق الرعية، أو قصروا بواجباتهم نحوها، أو أهملوا شأنًا من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام، أو حكموا بغير ما أنزل الله».

وبناء على ذلك يرى حزب التحرير أن  مجلس الأمة له الصلاحيات التالية:

     أ استشارة الخليفة له وإشارته على الخليفة في الأعمال والأمور العملية المتعلقة برعاية الشؤون في السياسة الداخلية، مما لا تحتاج إلى بحث فكري عميق، وإنعام نظر

 ب-  محاسبة الخليفة على جميع الأعمال التي تحصل بالفعل في الدولة

 ج إظهار عدم الرضا عن المعاونين والولاة والعمال، ويكون رأي أكثرية المجلس في ذلك ملزمًا، وعلى الخليفة عزلهم في الحال

  د انتخاب الخليفة، وذلك عبر حصر المرشحين للخلافة من الذين قررت محكمة المظالم توفر شروط الانعقاد فيهم. ويقول في المادة 33 من الدستور: «إن طريقة نصب الخليفة هي:

أ‌-  يجري الأعضاء المسلمون في مجلس الأمة حصر المرشحين لهذا المنصب وتعلن أسماؤهم، ثم يطلب من المسلمين انتخاب واحد منهم.

ب‌- تعلن نتيجة الانتخاب ويعرف المسلمون من نال أكثر أصوات المنتخبين».

سابعًا: حق تكوين الأحزاب للمحاسبة:

إن الأحزاب في الإسلام قائمة على أساس العقيدة الاسلامية والأحكام الشرعية، وقد قام حزب التحرير استجابة لأمر الله تعالى: (وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤ ) [آل عمران: 104]، ويؤكد حزب التحرير على «حق المسلمين في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكامًا شرعية، ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص».

 ويقول: «لما كان الحاكم عرضة لأن تجافيه التقوى، كان لا بد من وسيلة مادية تجبره على التنفيذ، أو تقصيه عن الحكم، وتقيم مكانه الحاكم الذي يطبق الإسلام ويحمل دعوته، وهذه الوسيلة العملية هي الأمة؛ ولذلك كان من واجب الأمة الإسلامية إذا رأت حاكمًا جائرًا مستحلًّا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنة رسول الله، عاملًا في عباد الله بالإثم والعدوان، أن تغيِّر عليه بالقول أو الفعل أو تغيره.

وتحتاج الأمة إلى تكتل صحيح على أساس الإسلام. وهذا التكتل هو الحزب المبدئي الذي يقوم على أساس الإسلام، غاية وفكرة وطريقة، والطريقة تقوم على ثلاث: (إيجاد الكتلة المؤمنة المخلصة الواعية، الصراع الفكري والكفاح السياسي وطلب النصرة من أهل القوة، استلام الحكم وإقامة دولة الخلافة). ومتى ما قام الحزب وقاد الأمة صار هو الرقيب على الدولة؛ لأنه الأمة أو ممثل الأمة. وهو الذي يقودها ويجعلها تقوم بواجبها، وهو مناقشة الدولة ومحاسبتها، والتغيير عليها بالقول أو الفعل، أو تغييرها إذا خيف على الإسلام منها.

ويتعسَّر على الأمة أن تناقش أو تحاسب الدولة دون أن يكون لها حزب يتولَّى مركز قيادة الأمة تجاه الدولة لوجود صعوبات جمة أمامها، لا يذللها إلا وجود قيادة موحدة تتمثل في تكتل، لا في فرد أو أفراد. ومن هنا كان لزامًا أن يقوم في الأمة حزب سياسي مبدئي. وإذًا، فان الضمانة الحقيقية لتطبيق الإسلام وحمل دعوته وإحسان تطبيقه هي الحزب السياسي الإسلامي».

ثامنًا: وحدة الدولة الإسلامية:

  وفي هذا المجال يقول حزب التحرير: «إن الدولة الإسلامية استمرت في الحكم دولة واحدة ووحدة واحدة، لم تتجزأ ولم تكن دولًا، وإنما كانت محاولات للوصول إلى الحكم رغبة في تنفيذ فهم معين للإسلام في شؤون الحكم، ثم انتهت وظلت الخلافة واحدة وظلت الدولة الإسلامية وحدة واحدة». ويضيف: «لقد كان تعدد فهم الإسلام وعدم تبني الخليفة أحكامًا معينة في نظام الحكم أثر في تمكين بعض الحكام من الخلفاء والولاة من توجيه الحكم وجهة تؤثر في وحدة الدولة وفي قوتها؛ ولكن ذلك لم يؤثر في وجودها، فقد كانت الولاية العامة للولاة وإعطاؤهم صلاحيات واسعة نيابة عن الخليفة سببًا في تحرك أحاسيس السيادة فيهم، فصاروا شبه مستقلين في الولاية، واكتفوا ببيعة الخليفة والدعاء له من على المنابر وضرب النقد باسمه وما شابه ذلك من الأمور الشكلية. وبقي أمر الحكم في أيديهم مما جعل هذه الولايات شبه دول مستقلة، مثل الحمدانيين والسلجوقيين وغيرهم، إلا أن الولاية العامة لم تؤثر في وحدة الدولة باعتبارها ولاية عامة ومهما بلغت قوة الوالي لم يكن يجرؤ على عدم الاعتراف بالخليفة، ولم تكن الدولة الإسلامية في يوم من الأيام اتحاد ولايات، حتى في أشد عهود استقلال الولاة، وإنما كانت دولة واحدة لها خليفة واحد، هو وحده صاحب الصلاحية في كل ناحية من نواحي الدولة في المركز، وفي الولايات، والمدن والقرى والدساكر على السواء».

قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (2(

 

قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (2(

 

مناجي محمد

مجلة الوعي: العدد 425 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الثاني 1443هـ الموافق كانون الثاني 2022م

الصراع البريطاني الأمريكي على بلاد المغرب:

بعد الحرب العالمية الثانية والآثار الكارثية لأربع سنوات من الاحتلال الألماني على السياسة الاستعمارية الفرنسية، مع التحكم السياسي البريطاني في قرار قوات المقاومة الفرنسية، كانت الحصيلة ضربًا للنفوذ الفرنسي في كل من الجزائر وتونس والمغرب، وانتهت الحرب العالمية الثانية وقد أحكمت بريطانيا قبضتها ونفوذها على هذه البلاد، ساعدها على ذلك ضعف وهوان فرنسا السياسي، وحيرة وارتباك وإخفاق السياسة الأمريكية بعد خروجها من عزلتها لجديد الساحة الدولية عليها، واستمر الوضع حتى منتصف القرن العشرين؛ ولكن بعد سنة 1950م، اختلف الوضع وتغير بشكل جذري وبرز الصراع الاستعماري الأمريكي البريطاني بشكل جليٍّ، ترجمته الحروب المحلية والانقلابات والمؤامرات والمناورات، وظل الصراع يشتد فترة ويخف أخرى حتى استطاعت أمريكا أخذ زمام المبادرة فانكفأت بريطانيا جرَّاء ضعفها على مواجهة أمريكا علنًا، وحرصت على الحفاظ على مستعمراتها بالاشتراك معها في مشاريعها ومزاحمتها في السياسة الدولية متى استطاعت. ولم يكن غرب البلاد الإسلامية في منأى عن هذا التنافس والصراع الأمريكي البريطاني.

أما بالنسبة إلى المغرب، فقد كان مؤتمر (آنفا) بالمغرب عام 1943م نافذة أمريكا على غرب البلاد الإسلامية حيث كان لرئيسها روزفلت دور بارز فيه؛ إذ دعا لتنفيذ بنود ميثاق الأطلسي الذي وقَّعه الحلفاء في 18 كانون الثاني/يناير 1941م والقاضي بالدفاع عن حق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها، ثم أصبحت فيما بعد فكرة الاستقلال أسلوبًا سياسيًّا أمريكيًّا للنفاذ إلى مستعمرات أوروبا. اهتمت أمريكا بالمغرب لموقعه الجغرافي الاستراتيجي، فكان لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت بالملك محمد الخامس خلال مؤتمر (آنفا) ثم اللقاء الثنائي على مأدبة العشاء التي كانت لقاء ثنائيًا بين الرجلين في 22 كانون الثاني/يناير 1943م بداية لاختراق أسوار القصر ونسج خيوط العلاقة الخاصة بساكنه، ثم بعدها ركَّزت أمريكا وجودها العسكري ببلاد المغرب عام 1950م عبر قواعدها العسكرية البحرية والجوية (القاعدة الجوية بالقنيطرة وقاعدة بوقنادل قرب سلا وقاعدة بنجرير)، ثم اخترقت جيوب الثوار ضد فرنسا عن طريق المساعدات العسكرية ومدهم بالسلاح عبر قواعدها حقيقة أكدها ثوار مدينة الدار البيضاء، ثم توطَّدت العلاقة بين عبد الناصر عميل أمريكا والملك محمد الخامس؛ حيث سُجل تنسيق تام من خلال إنشاء مركز خاص بجيش التحرير المغربي ونظيره الجزائري بمدينة الناظور شمال المغرب، ثم إنزال السلاح المصري من السفينة «دينا» بميناء الناظور عام 1955م، وبعدها وطَّدت العلاقة بالقصر، ثم كانت زيارة الملك محمد الخامس للولايات المتحدة الأمريكية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1957م، والتي تم فيها ربط المغرب بالنفوذ الأمريكي، وتم الاتفاق على إثرها مع ملك المغرب محمد الخامس على تسليم طائرات مقاتلة أمريكية للمغرب، وأن يتم إرسال أفواج من الطيارين المغاربة لإجراء التدريب عليها بالولايات المتحدة الأمريكية، وما يرافق هذه المساعدات العسكرية من قروض لشراء الأسلحة وما يستتبعها من شروط سياسية والتزامات تجاه أمريكا. ثم بعد الزيارة أوفدت أمريكا سفيرها المخضرم شارلز يوست، وكان من أبرز موظفي الخارجية الأمريكية ومؤسس السفارة الأمريكية ومصالحها وموظفيها في كل من سوريا ومصر، واعتبر كخبير في القضايا العربية، وكان اختياره وانتقاله للمغرب مؤشرًا على النفوذ الأمريكي الذي استجدَّ في بلاد المغرب، وكان إرسال سفير من هذا العيار هو تركيزًا للنفوذ، فقد كان قدومه إلى المغرب سنة 1958م كما كتبت جمعية موظفي الخارجية الأمريكية توصيفًا للسفير شارلز يوست أنه كان جزءًا من الحل، والحل هنا هو السيطرة على البوابة الغربية للبحر الأبيض المتوسط. فسرعان ما أصبح الرجل صديقًا للقصر طوال مدة سفارته (1958-1961)م؛ حتى نقل عن قدماء موظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي نقلًا عنه «أن الملك محمد الخامس كان يجالسه بعيدًا عن الرسميات ويدعوه لشرب الشاي ويتناول معه قضايا وسياسات البلد». وتنفيذًا للاستراتيجية الأمريكية في جعل المغرب نقطة ارتكاز للنفوذ الأمريكي في غرب المتوسط عبر الاتفاقيات العسكرية وسياسة المساعدات، وهكذا تم ربط سلاح الجو المغربي عام 1960م بأمريكا حيث كان مجهزًا بالكامل بأسطول من المقاتلات الحربية الأمريكية، فضلًا عن القواعد العسكرية البحرية والجوية الأمريكية بالمغرب، ثم كانت سياسة المساعدات التي اعتمدتها أمريكا كأسلوب استعماري وأدارها السفير الأمريكي بالمغرب ابتداء من 1959م، كالمساعدات الغذائية لمواجهة الجفاف الذي ضرب المغرب، ثم المساعدات التي أشرف على توزيعها الجنود الأمريكيون بقاعدة القنيطرة على المدارس والقرى المجاورة للقاعدة في الستينات. ثم كان ذلك التنسيق التام بين عبد الناصر والملك محمد الخامس في اجتماع 1960م بالبيضاء للشروع في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية واستقبل عبد الناصر استقبال الأبطال، واستمر النفوذ الأمريكي مستحكمًا حتى موت الملك محمد الخامس عام 1961م، بعدها انتزعت بريطانيا المغرب من أمريكا وأعادته إلى دائرة نفوذها بعد تولي الحسن الثاني حكم البلد، ومن دلائل هذا التحول إيفاد الملك الحسن الثاني أخته الأميرة عائشة إلى بريطانيا لعقد اتفاقية جوية مع لندن في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1965م، ثم تولت منصب السفير لدى بريطانيا لحساسية العلاقة، ثم شرعت بريطانيا في تصفية النفوذ الأمريكي بالمغرب باقتلاع وجوده العسكري من البلاد، فكانت سياسة الملك الحسن الثاني خلال الستينات إجلاء القواعد الأمريكية عن المغرب، وكان الإجلاء هو موضوع لقاء الملك الحسن الثاني بالرئيس الأمريكي كينيدي عند زيارته لأمريكا في آذار/مارس 1963م، وكشفت المحادثات عن طبيعة العلاقة المتوترة عبَّر عنها تصريح الملك الحسن الثاني « تمنى أن تجمع البلدين علاقة تعاون حقيقية غير أنانية»، ثم كانت حرب الرمال بين الجزائر والمغرب عام 1963م، ومساندة عبد الناصر لبن بيلا؛ حيث تم اعتقال ضباط مصريين بعد تعطل مروحيتهم ونزولهم الاضطراري قرب مدينة فكيك شرق المغرب، وكانت حرب الرمال لعام 1963م صراعًا أمريكيًّا بريطانيًّا بأدوات عسكرية محلية. ثم كانت زيارة وزير الخارجية المغربي أحمد الطيب بنهيمة لأمريكا عام 1965م والتقى وزير الخارجية الأمريكي، وكان الموضوع الأساس للزيارة واللقاء هو جلاء القواعد الأمريكية عن المغرب. وفي نهاية الستينات دخلت العلاقات المغربية الأمريكية نفقًا ضيِّقًا وتزايدت المطالبات بفرض قيود جديدة على القواعد الأمريكية سعيًا لإجلائها طوال سنة 1970م؛ غير أن الأمريكان كان لهم رأي آخر، ففي 10 تموز/يوليو 1971م، كان للقصر موعد مع أكبر حدث في تاريخه، المحاولة الانقلابية الأولى، ثم بعد فشلها كانت المحاولة الانقلابية الثانية في 16 آب/أغسطس 1972م والتي نفذها الجنرال أوفقير عن طريق سلاح الجو انطلاقًا من القاعدة الأمريكية بالقنيطرة وفشلت هي الأخرى، وكانت أمريكا ضالعة في المحاولتين وذلك الذي أكدته مراسلات السفير الأمريكي بالرباط روكويل ستيوارت إلى وزير خارجية بلاده ووزير الدفاع، والتي تم الكشف عنها بعد أن رفع عنها طابع السرية في 6 أيلول/سبتمبر 2007م، جاء فيها عن اتصال الجنرال أوفقير بالأمريكان وترحيبه بالوجود العسكري الأمريكي في المغرب، ونقل عنه في محادثة مع مسؤول في الجيش الأمريكي قوله بشأن القاعدة الأمريكية بالقنيطرة «طالما أنا هنا فلن تكون لديكم مخاوف بشأن القواعد الأمريكية الموجودة على التراب المغربي» في خلاف وتصادم تام مع سياسة القصر في التخلص من القواعد الأمريكية.

هكذا وبعد فشل المحاولتين الانقلابيتين أصبح الطريق إلى المغرب مغلقًا أمام أمريكا، إلى أن وجدت الفرصة في قضية الصحراء المغربية وحركة البوليساريو لمحاولة اختراق الجدار المغربي من جديد، وكانت الأمم المتحدة وبتأثير من أمريكا قد شكلت بعثة تقصي الحقائق وأرسلتها إلى الصحراء المغربية، ورفعت هذه البعثة تقريرها إلى الجمعية العامة في 9 تموز/يوليو 1975م توصي باستقلال الصحراء عن إسبانيا، وتضيف أن منظمة البوليساريو هي الحركة المسيطرة في الإقليم ولها تأثير معتبر فيه. وهكذا أبرزت أمريكا البوليساريو ودعمتها كممثل للشعب الصحراوي، وكان الغرض من ذلك إيجاد بؤرة توتر تستغلها أمريكا لمصالحها في الشمال الأفريقي وفي البوابة الغربية للمتوسط، ثم بعدها بدأت أمريكا بالتدخل الفعلي عن طريق تأثيرها في إصدار قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصحراء، وما زالت ذيول تداعياتها مستمرة حتى اليوم وإن لم تحدث تحوُّلًا وتغُّيرًا في النفوذ.

ثم كان موت الملك الحسن الثاني في 23 تموز/يوليو 1999م وتولي محمد السادس حكم البلاد، واستمر معه النفوذ البريطاني مهيمنًا، وكان لتعيينه عند توليه سفيرة من عائلة الملك ابنة عمته جمانة العلوي لدى بريطانيا، والتي لم تعرف بأي نشاط دبلوماسي أو سياسي أو إداري من قبل، كان لهذا التعيين دلالة على استمرارية الارتباط الخاص والنفوذ البريطاني بالمغرب.

ثم كان الربيع العربي وثوراته وتداعياته على النفوذ البريطاني في ليبيا بعد أن قطعت أمريكا يد وذراع بريطانيا معمر القذافي في طرابلس الغرب وأفريقيا، فقد كان القذافي من قبل يقوم بتنفيذ السياسة البريطانية وبعض من الأوروبية مع مهاجمة السياسة الأمريكية في أفريقيا. وبعد قتله، خلفه الملك محمد السادس فكلف بالمهمة الأفريقية من بريطانيا وبتأييد من فرنسا لمجابهة الخطر الأمريكي الذي يتهدد مصالح البلدين، فكان لقاء الملك محمد السادس وعمدة الحي المالي بلندن اللورد فيونا وولف بقصر تطوان في حزيران/يونيو 2014م لوضع التفصيلات العملية للسياسة المالية الأفريقية عبر خلق التناسق بين المؤسسات المالية المختلفة والحي المالي بلندن، وحسب بلاغ للديوان الملكي «تشكل الزيارة مناسبة لتطوير التعامل وخلق تناسق بين المؤسسات المالية للبلدين بهدف تنمية أنشطتها الاقتصادية، وبما يعود بالفائدة على القارة الأفريقية»، وتم التوقيع على ثلاث اتفاقيات بين سوق لندن للأوراق المالية وبورصة الدار البيضاء، وكانت زيارات الملك محمد السادس للدول الأفريقية وتوجيه بوصلة السياسة الخارجية نحو أفريقيا هو جزء من الاستراتيجية البريطانية، وكان الهدف من التوجه الأفريقي قطع يد أمريكا عن الصحراء وحشد إجماع أفريقي حول مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي دون تقرير المصير أو الانفصال عن المغرب، والأمر الثاني توقيع مشاريع اقتصادية لربط أفريقيا بالنفوذ البريطاني وبعض منه الأوروبي لقطع الطريق أمام أمريكا التي اعتادت الولوج منه إلى النفوذ في أفريقيا.

ثم كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» وتداعياته على سياستها، فكانت زيارة كاتب الدولة البريطاني المكلف بالتنمية الدولية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أندرو موريسون للمغرب في أيلول/سبتمبر 2019م على رأس وفد مهم في إطار الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي البريطاني المغربي الذي انعقد بالعاصمة الرباط لتأطير العلاقات لما بعد مرحلة البريكست، أكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة حينها أن «العلاقات المغربية البريطانية تتجه نحو إرساء شراكة استراتيجية حقيقية». فجراء البريكست والصراع البريطاني الأمريكي المحموم على ليبيا، تسارعت خلال أواخر العقد الثاني من هذا القرن وتيرة الاتفاقيات والعقود والاكتشافات والتنقيب والاستخراج والتسويق للشركات البريطانية بالمغرب، سواء في قطاع الطاقة (النفط والغاز والزيت الصخري) أو المعادن النفيسة (الذهب والفضة والأحجار النفيسة) أو المعادن النادرة المستعملة في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي أو المناجم في صراع بريطانيا مع الزمن لربط المغرب بسلاسل من فولاذ بالاستعمار البريطاني ونفوذه تحسبًا للهجمة الأمريكية الاستعمارية الشرسة على المنطقة وخطرها على نفوذها.

وهكذا فالنفوذ البريطاني في بلاد المغرب حتى يومنا هذا متجذر ومتغلغل.

 أما الجزائر، وبعد أخذ أمريكا لزمام المبادرة بعد عام 1950م وانكفاء بريطانيا جراء ضعفها، فقد اخترقت أمريكا الجزائر بعد أن جند عميلها عبد الناصر بمصر أحمد بن بيلا بعد لقاء القاهرة في آب/أغسطس 1953م، وتم الاتفاق على إطلاق شرارة الثورة الجزائرية من مصر، وتعهد عبد الناصر بوضع إمكانات مصر خلفها، وأنشئ مكتب جيش التحرير بالقاهرة تحت إشراف المخابرات المصرية، وكان يشرف على التكوين السياسي والفكري للشباب الآتي من الجزائر ثم بعدها التدريب على السلاح في المعسكرات المصرية، وفي شباط/فبراير 1954م بدأ تهريب السلاح من مصر إلى الجزائر عبر صحراء ليبيا، وفتحت معسكرات لتدريب الثوار الجزائريين على السلاح في غزة، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1954م بدأ العمل المسلح ضد الفرنسيين، ثم شارك بن بيلا في تأسيس جبهة التحرير الوطني عام 1954م واندلاع ثورة التحرير، وتم دعمه وتلميعه حتى أضحى رمزًا وقائدًا لثورة فاتح تشرين الثاني/نوفمبر، ثم تولَّى رئاسة أول حكومة بعد خروج العساكر الفرنسيين من الجزائر في 29 أيلول/سبتمبر 1962م، وبعدها كانت زيارة أحمد بن بيلا لأمريكا في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1962م ولقاؤه بالرئيس الأمريكي جون كيندي، وكانت الزيارة بمثابة إعلان لبداية النفوذ الأمريكي على الجزائر، ثم بعدها صار رئيسًا للجزائر في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1963م.

إلا أن بريطانيا اخترقت دائرة الحكم بالجزائر، وجندت عن طريق الحسن الثاني رجالات من مجموعة وجدة (وهي مجموعة من الضباط والسياسيين من الجزائر تشكَّلت حول العقيد هواري بومدين الذي فرَّ من التجنيد في الجيش الفرنسي، واتخذت من مدينة وجدة في الشرق مقرًّا لها فترة (1954-1962)م وكان منهم قائد الجيش ووزير الدفاع هواري بومدين، وقائد الأركان وقائد المنطقة العسكرية الأولى طاهر الزبيري، فانفجر بعدها الخلاف بين بومدين وبن بيلا بعد انعقاد مؤتمر جبهة التحرير في 14 نيسان/أبريل 1964م حول حكم الجزائر، أهو للجيش أم للحزب؟. وفي مساء 18 حزيران/يونيو 1965م أطيح ببن بيلا عبر انقلاب مطبوخ من بريطانيا، وهكذا اقتلعت بريطانيا النفوذ الأمريكي بالجزائر واستبدلت به نفوذها. فمع انقلاب بومدين استحكم النفوذ البريطاني في الجزائر، ثم ظهرت بعض النتوءات الفرنسية في زمن ضعف الرئاسة حين تولى الرئيس الشاذلي بن جديد حكم الجزائر، وطفح أثرها على السطح فكان انقلاب 1992م الذي دبرته فرنسا للحيلولة دون وصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى الحكم، ثم تلتها العشرية السوداء حيث ولغ عملاء فرنسا في دماء أهل الجزائر بتوجيه من الاستخبارات الفرنسية، واستمرت الأوضاع في التدهور ولم يستقرَّ لفرنسا قرار ولا نفوذ في الجزائر. وفي سنة 1999م، سلم عملاء فرنسا الحكم لبوتفليقة رفيق درب هواري بومدين ووزير خارجيته والمعروف بولائه لبريطانيا مقابل الحصانة من المساءلة عن جرائمهم، وهو العارف جيدًا بدواليب النظام الجزائري فهو أحد صانعيه عام 1962م، وهكذا تمكَّن من تفكيك النظام وإعادة هيكلته خدمة للنفوذ البريطاني، ووظف الدين لاكتساب القاعدة الإسلامية لصالح النظام، وعين عبد العزيز بلخادم القريب من الإسلاميين رئيسًا للحكومة لاستمالة واكتساب القاعدة الانتخابية للجبهة الإسلامية للإنقاذ، واهتمَّ بالأشكال والمظاهر الدينية كالأذان في الإذاعة وبناء المسجد الأعظم بالعاصمة الجزائر، وفتح قناة للقرآن الكريم، وبث صلاة التراويح، واهتمَّ بالزوايا وأغدق عليها الأموال مقابل ضمان صوتها ودعم أتباعها، ثم توظيف مشايخ السلطة لتوظيف الدين في التنفيس لمواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية الحادَّة التي يعاني منها المجتمع بالجزائر، واشترى الذمم وأفرغ الساحة السياسية حتى أضحت له السيطرة التامة على الحكم. كما شرع في علاج النتوءات الفرنسية بالتدريج ودون إثارة ضجة؛ فأبعد النفوذ الفرنسي عن أجهزة الدولة، وأعاد تركيز النفوذ البريطاني، وقام بتتويج ذلك بزيارة لبريطانيا عام 2006م لتكون أول زيارة لرئيس جزائري إلى بريطانيا، ثم وقف ضد السياسة الفرنسية في المنطقة فرفض مشروع الاتحاد المتوسطي الذي جاءت به فرنسا على عهد رئيسها ساركوزي.

ثم كان الحراك الشعبي بالجزائر واحتجاجات 22 شباط/فبراير 2019م، فرأت فرنسا وخاصة بعد التوتر الذي شاب العلاقات البريطانية الفرنسية بعد البريكست فرصة لاختراق الحراك لتوجيهه لصالح نفوذها؛ لكن النظام بالجزائر استبقها باعتقال رجالاتها، وحوكموا محاكمة عسكرية تحت ذريعة الفساد وتقويض النظام، فضجَّت حينها فرنسا ضد القيادة العسكرية في الجزائر بسبب الاعتقالات، فحين اعتقلت لويزة حنون زعيمة حزب العمال بالجزائر وقعت ألف شخصية فرنسية من بينها رئيس الوزراء السابق جان مارك إيرولت عريضة لإطلاق سراحها.

وهكذا فبريطانيا والمنظومة العسكرية التابعة لها بالجزائر جادة في قصقصة ما تبقى من الأجنحة الفرنسية. واستمرارًا في تلك القصقصة ومعالجة لتلك النتوءات الفرنسية، فبعد الأجنحة العسكرية والأمنية أتى الدور على الأجنحة السياسية، فقد تم توظيف حرائق الجزائر الكبيرة التي اجتاحت شمال الجزائر منتصف آب/أغسطس 2021م لضرب حركة «ماك» المرتبطة بفرنسا قلبًا وقالبًا والتي وظفتها فرنسا في الحراك الشعبي، وهي حركة أُسِّست سنة 2001م وتتخذ من باريس مقرَّا لها وتدعو لحكم ذاتي في منطقة القبائل، وقد أعلنت سنة 2010م عن إنشاء حكومة مؤقتة لمنطقة القبائل، وهي أول خطوة جريئة لتمزيق الجزائر. وفي عام 2013م، طالب مؤسسها فرحات مهنا فرنسا بالتدخل لحل الأزمة التي حصلت في مدينة غرداية بالجزائر؛ وعليه فقد اتهمتها السلطات الجزائرية بإشعال حرائق الجزائر لقطع يد فرنسا عن الحراك الشعبي.

وكذلك استغلت المنظومة العسكرية بالجزائر الحرائق الكبيرة لقطع اليد الأمريكية عن الحراك الشعبي، والذي تبين أنها حركة «رشاد» ذات المسحة الإسلامية والتي تحدثت صحف محلية تركية عن مذكرة فرنسية سرية تفيد بأن المخابرات التركية استقبلت كوادر حركة رشاد في كل من مدينتي أنطاليا وإسطنبول ووعدتهم بدعم لوجيستي وتقديم مساعدات مالية لنشاطهم الدعائي لاستقطاب الشارع الجزائري في حراكه الشعبي، في محاولة من أمريكا عبر نظام أردوغان الوظيفي استقطاب حركة رشاد لتوظيفها خدمة للنفوذ الأمريكي بالجزائر. فكان اتهامها وإدانتها بحرائق الجزائر قطعًا للطريق على أمريكا.

وهكذا فالنفوذ البريطاني مستحكم في الجزائر مع بعض النتوءات الفرنسية التي تطفو على السطح في زمن ضعف الرئاسة.

أما بالنسبة إلى تونس، فقد أمسكت بريطانيا بزمام الأمور بشكل تام منذ البداية، وكانت تدير البلاد من وراء ستار عن طريق عميلها بورقيبة ومن بعد بن علي بشكل كامل، ولم يكن لها منافس دولي بالمعنى الحقيقي على الساحة التونسية، بل في خبثها ومكرها كانت ترعى أحزابًا معارضة للنظام علنًا مثل استضافتها لراشد الغنوشي زعيم النهضة بهدف احتوائها واستخدامها وتوظيفها عند الحاجة خدمة لنفوذها.

وكان لعميلها بورقيبة الدور الفعَّال في تغلغل وتجذر النفوذ البريطاني في تونس، فقد تشرَّب الخبث والمكر الإنجليزي زمن إقامته في القاهرة بمصر (1945-1949)م، وكانت القاهرة التي عرفها بورقيبة زمن الملك فاروق تحت سيطرة الإنجليز، وخلال تلك الأربع سنوات تردَّد على أوساط القوميين والمثقَّفين المرتبطين سياسيًّا ببريطانيا، فأضحى بعدها صناعة بريطانية خالصة فتحدَّدت بوصلة عمالته ورسم له خطه السياسي.

بعد عودته إلى تونس بدأ بورقيبة بحملة مكثفة للتهيئة للعمل المسلح ضد فرنسا، ثم أعلن في 2 كانون الثاني/يناير 1952م عدم ثقة التونسيين بفرنسا، وبعدها اندلعت الأعمال المسلحة في 18 كانون الثاني/يناير 1952م. كما أنه جاب قبلها تونس طولًا وعرضًا لاستعادة السيطرة على جهاز الحزب الحر الدستوري الجديد الذي قاده في غيابه عضده ومنافسه المؤثر صلاح بن يوسف سعيًا منه لصناعة سند شعبي له. ثم وقع بورقيبة مع فرنسا في 3 تموز/يوليو 1954م معاهدة ما سمي بالاستقلال الداخلي وإعلان الدولة التونسية (مع الإبقاء على عساكر فرنسا)، وكانت غايته من التوقيع وقبول هكذا معاهدة السعي لاستلام حكم تونس وقطع الطريق على منافسيه؛ الأمر الذي عارضه منافسه المؤثر صلاح بن يوسف (الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد)؛ ما تسبب في انشقاق الحزب إلى فريقين ودخولهما في صراع شرس (لاختلاف خط العمالة السياسية للرجلين). ثم في حزيران/يونيو 1955م، وبعد مناورات ودسائس أصبح بورقيبة سيد الحزب الدستوري بلا منازع، وأقصى منافسه المؤثر صلاح بن يوسف عن الحزب والحياة السياسية داخل تونس حتى تم اغتياله في ألمانيا عام 1961م.

ثم بعد إعلان الاستقلال في 20 آذار/مارس 1956م، أحكم بورقيبة سيطرته على السلطة وانتخب رئيسًا للجمهورية في 25 تموز/يوليو 1957م، ثم بدأ بورقيبة في تنفيذ السياسة الموكولة له من الإنجليز داخل تونس باجتثاث الجذور الإسلامية لآخر ولايات الخلافة العثمانية ببلاد المغرب الإسلامي وطمس الإشعاع الفكري لمنارتها الزيتونة، فكان بورقيبة في عمالته مِعول هدم تمسك بها اليد الإنجليزية الكافرة، فأصدر في آب/أغسطس 1956م مجلة الأحوال الشخصية التي منعت تعدد الزوجات، وأوكلت للمحاكم النظر في طلبات الطلاق، وحُلَّت الأوقاف ونُحِّيَ القضاء الشرعي وأصبح القضاء واحدًا ووضعيًّا، وألغي نظام التعليم الذي كان قائمًا في الزيتونة، وصار تغريب المجتمع سياسة بورقيبة المعتمدة لإدارة الدولة والمجتمع، وكانت هياكل الدولة وأجهزتها مصمَّمة لخدمة سياسة التغريب. وفي غرة حزيران/يونيو 1959م تم إصدار أول دستور للجمهورية، ثم تولَّى بورقيبة الرئاسة لولاية من 5 سنوات، وحصل حزبه الحر الدستوري الجديد على كل مقاعد مجلس الأمة الذي تم استحداثه.

ثم بعدما أحكم بورقيبة سيطرته على السلطة وتحكم في كل مفاصل الحياة السياسية بتونس، شرع في تصفية الوجود العسكري الفرنسي خدمةً وتركيزًا للنفوذ البريطاني في تونس، فسعى عام 1961م إلى إجبار فرنسا على إجلاء ما تبقَّى من قواتها العسكرية في تونس والمتمركزة قرب بنزرت شمال تونس عبر استراتيجية الضغط المباشر بمحاصرة القوات الفرنسية، فكانت المواجهة العسكرية التي دارت في تموز/يوليو 1961م بين العساكر الفرنسية والجيش التونسي يسانده أعداد من المتطوعين من أبناء تونس انتهت بجلاء العساكر الفرنسية عن تونس في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1963م.

وبعد فراغه من تصفية الوجود العسكري الفرنسي، أوكلت له مهمة مجابهة السياسة الأمريكية في المنطقة، الشيء الذي ترجمه الخلاف بل الصراع الحاد بين بورقيبة عميل بريطانيا وعبد الناصر عميل أمريكا حول القضايا الجوهرية في المنطقة كقضية فلسطين، وكان خطاب بورقيبة في أريحا في 3 آذار/مارس 1965م حول قرار التقسيم لفلسطين تعبيرًا عن طبيعة الصراع.

ثم تعاقبت السنون وتعاقبت معها الأزمات داخل تونس جراء السياسات الاقتصادية الكارثية وانخراط نظام بورقيبة في منظومة اقتصاد السوق الرأسمالية وما يصاحبها من سياسة الديون وبرامج جدولة وهيكلة الديون وشروط المؤسسات المالية الرأسمالية، فدخلت البلاد نفقًا مظلمًا وتفاقمت أزمة الديون واستفحل الفقر وعطالة الشباب واستشرى الفساد وعمَّ وطمَّ، وصارت البلاد تعيش شللًا وإفلاسًا اقتصاديًّا وماليًّا ترتب عليه خضوع تونس سنة 1986م لبرامج الجدولة والهيكلة والقروض المشروطة لصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الرأسمالية. ثم كان تدهور صحة بورقيبة فخشيت بريطانيا انهيار النظام فرتبت في تشرين الثاني/نوفمبر 1987م تسليم السلطة لزين العابدين بن علي عبر انقلاب أبيض، بعدما تم إبرازه وتلميعه سابقًا بتوليته وزارة الداخلية في نيسان/أبريل 1986م، وكان انقلابها الأبيض بمثابة صمام أمان للحفاظ على النظام العميل في تونس وحفظًا لنفوذها فيه، ثم أوكلت المهمة لعميل آخر واستمر بن علي في أدائها على أكمل وجه.

واستمر الوضع على حاله حتى اندلعت شرارة المظاهرات الشعبية في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010م، وتوسعت وازدادت شدتها وانتشرت حتى وصلت إلى المباني الحكومية ما أجبر بن علي على الهروب من البلاد خلسة في 14 كانون الثاني/يناير 2011م، وتوجه إلى فرنسا التي رفضت استقباله فلجأ إلى السعودية التي استضافته وأقام بجدة.

ثم كانت العشرية العجفاء التي تلت هروب بن علي والكارثة التامة التي صنعتها كل الأطراف السياسية التي شاركت في الحكم والحكومات واكتوى بنارها أهل تونس، وفي كل هذا كانت بريطانيا هي الممسك بخيوط اللعبة، فهي المتحكمة بالطبقة السياسية التي صنعها لها بورقيبة وورثها بن علي، وهي هي بعد سقوطه، وكانت بريطانيا تصول وتجول في تونس حتى إن السفارة البريطانية في تونس في عام 2015م دعت شركة «آدم سميث» الدولية الاستشارية لتقديم الاستشارات للحكومة في تونس وتدريب كبار الضباط وصياغة السياسات وإدخال قوانين جديدة؛ لكن بفقدها عميلها وعصاها الغليظة بن علي ضعف موقفها ولم يرفع من هذا الضعف رجوع الغنوشي من بريطانيا مواليًا لها، ولا تشكيلها لتحالف بين «نداء تونس» و»نهضة» الغنوشي لتشكيل جبهة برلمانية واسعة لدعم عجوزها الطاعن في العمالة لها الباجي السبسي سعيًا لتقوية موقفها، بل جرت الأمور عكس مبتغاها فحزب «نداء تونس» دبَّ فيه الخلاف فتصدَّع وتشقق وأضحى التحالف دون جدوى، بل استمر الوضع السياسي في التدهور وقبضة النفوذ البريطاني في التراخي، حتى كان انتخاب قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري النكرة سياسيًّا رئيسًا للجمهورية، وأصبح الرجل متصدرًا للمشهد السياسي. وبفقده للسند السياسي وهو المتشبِّع بالمنظومة التشريعية الغربية، فما كانت لازمة الاستعانة بالأجنبي وحتمية السند الخارجي لتفارق الرجل، فارتمى في أحضان فرنسا صاحبة قانونه الدستوري والتي ما رأى في احتلالها لتونس وقتلها وتشريدها ونهبها إلا حماية، فأسندته ثم قامرت به وغامرت بعد أن فتح لها بابًا لولوج نفوذها إلى تونس، ودبَّرت له انقلابًا في محاولتها انتزاع تونس من بريطانيا في صراعهما الذي احتدَّ واشتدَّ بعد ذلك الصدع الكبير في العلاقة بينهما والذي أحدثه «بريكسيت» بريطانيا.

هذا هو الوضع في تونس حاليًا، ففرنسا تنازع بريطانيا حكم تونس والسلطة فيها، ولم يكتب لها بعد استقرار السلطة في يدها فضلًا أن يصبح لها نفوذ متحكِّم. وعليه فالنفوذ البريطاني لم يغادر تونس بل في خبثها ومكرها المعهود وظفت بريطانيا انقلاب فرنسا وسخرته لحشد الطبقة السياسية المتشرذمة لتطالب بعودة العمل بالدستور وإعادة تفعيل عمل المؤسسات وتحويل الأمر إلى مطلب شعبي، سعيًا من بريطانيا لترميم النظام المتهالك وإعادة تدويره، ثم تكون مغامرة فرنسا فاصلة في سطرها هي.

هذا عن بذور وجذور تلك النبتة الخبيثة نبتة العمالة والخيانة، والتي ما كانت لتزرع وتغرس في أرض الإسلام لولا فقد درعها وحاميها وجنتها ووقائها، خليفة المسلمين الذاب عن حياضهم والحامي لبيضتهم والقاهر لعدوهم. فكما كان زرع وغرس بذور وجذور تلك النبتة الخبيثة مرتبطًا بالدولة الفاعلة المؤثرة في الموقف الدولي شرًّا، فيجب أن يكون من بديهيات الفقه السياسي الاستراتيجي أن اقتلاع واستئصال تلك الجذور والبذور الخبيثة لا يكون إلا بدولة فاعلة ومؤثرة في الموقف الدولي خيرًا، وكفى بخلافة الإسلام العظيم فعلًا وخيرًا. وكفى بحديث المصطفى الهادي صلى الله عليه وسلم قولًا فصلًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ».