Thursday, June 24, 2021

فوز بشار أسد: فوز في الانتخابات… أم تآمر دولي مستمر؟!

 فوز بشار أسد: فوز في الانتخابات… أم تآمر دولي مستمر؟!

 

مجلة الوعي: العدد 418 - السنة السادسة والثلاثون، ذو القعدة 1442هـ الموافق حزيران 2021م

منذ عهد الهالك حافظ أسد الذي وصل إلى الحكم بانقلاب، ثم بانتخابات مزوَّرة كانت نتائجها تبلغ نسبة المئة بالمئة إلا قليلًا… ثم استمرت الانتخابات من بعده مع ابنه بشار،والذي كانت عملية انتقال الحكم إليه برعاية المخابرات تشبه الانقلاب بنفس النسبة تقريبًا… وهذه الانتخابات إذا كانت تثير السخرية قبل الثورة، ولا أحد يصدقها، فما بالكم بعد الثورة؟! ومع ذلك استمر الكذب والاستخفاف بعقول الناس وبالقوانين الدولية وبكل القيم الإنسانية والخلقية والدينية، فأعلنت النتائج وكانت نسبة النتائج أكثر من مئة المئة على اعتبار أن لا يمكن أن يتحقق له هذا الكم من الأعداد التي أعلن عنها. إلا أن يكون الذين قتلهم بمجازره وبراميله قد انتخبوه هم وأهاليهم. نظام برئيسه ومخابراته وإجرامه قتل أكثر من مليون سوري بالكيماوي والبراميل المتفجرة والمجازر والاعتقالات وارتكاب الفظاعات الموثَّقة دوليًا ضد من يفترض أنهم شعبه (الصور التي سرَّبها المصور قيصر وشاهدها العالم كله، واعترف مسؤولون أمريكيون ودوليون بأن ما لديهم من وثائق ضده يفوق ما حوكم عليه قادة النازية) وقلع أكثر من 14 مليون إنسان من مناطقهم نزوحًا وتهجيرًا، هو لا يزال يقتل ويهجر… وبعد كل هذا هل يستحق مثل هذا الجزار مكافأته من شعبه نفسه بهذه النتائج من الانتخابات؟!

هذا في الداخل، أما الخارج فإن من أمَّن له هذه الانتخابات هو من يساعده في كل إجرامه ويحميه من السقوط وعلى رأسهم روسيا وإيران، نعم إيران التي وللأسف يأخذ حكامها المعمَّمين صفة الدين (المرشد العام، والأمين العام لحزب الله…) ثم لا تعرف تصرفاتهم مخافة من الله، ويمارسون إجرامهم الخاص بهم جنبًا إلى جنب مع النظام السوري والاحتلال الروسي تقتيلًا وتهجيرًا مع زيادة بأنهم يحلُّون ديموغرافيًا مكان النازحين والمهجَّرين… أما أمريكا فهي تعتبر الداعم الأول لعميلها الأسد ولكن بالخفاء والنفاق؛ إذ تظهر عكس ما تبطن، ولولاها لما استطاع الأسد الصمود، فقد دعمته بعملائها الإقليميين وعلى رأسهم إيران وتوابعها من الميليشات، ولما لم يكفُوا ورَّطت روسيا في هذه المهمة القذرة، وهي لو كانت جادَّة في تغييره لما استمر هذا النظام ساعة من نهار… وبعد كل هذا، هل يُدان النظام السوري وشركاؤه في الإجرام فحسب أم يدان المجتمع الدولي كله؟!.

أيها المسلمون، إن أمريكا تظن أنها تمتلك معظم أوراق اللعبة في سوريا، وأنها تتحكم بالحل وحدها، بيد أن سكوتها عن إعادة انتخاب بشار لم يكن  إلا لأنها ما زالت عاجزة هي وكل من تعتمد عليه من إيجاد البديل. فالمسلمون في سوريا أقوى بدينهم من أي إجرام بحقهم، ودينهم حي، وبعون الله لن يطوي صفحة الإجرام فيها إلا دولة الخلافة التي حذَّر منها كل من وزيري الخارجية السوري والروسي؛ حيث صرح وليد المعلم الهالك «مَن يتربصون بسورية ويريدون إقامة دولة الخلافة الإسلامية لن يتوقفوا عند حدود سورية، وما نقوم به هو دفاع عن لبنان والأردن والعراق». وصرح سيرغي لافروف: «لولا تدخلنا لأصبحت دمشق عاصمة للخلافة لأن حكومة الأسد كانت على وشك الانهيار». صدق المجرمان الكَذوبان في قولهما، وإن غدًا، إن شاء الله تعالى، لناظره قريب.

فلسطين في العهد العثماني…أمانة ورعاية

 فلسطين في العهد العثماني…أمانة ورعاية

 

م. موسى عبد الشكور الخليل

مجلة الوعي: العدد 418 - السنة السادسة والثلاثون، ذو القعدة 1442هـ الموافق حزيران 2021م

لا يملك من يبحث في التاريخ البشري إلا أن يقدِّر التاريخ المجيد الذي سطَّرته دولة الخلافة الإسلامية على مرِّ حوالى ثلاثة عشر قرنًا، والتي كانت عظيمة في أوج قوتها، وعظيمة حتى في ضعفها. وإذا نظرنا إلى تاريخ دولة الخلافة العثمانية منها، والتي استمرَّت قريباً من ستمائة عام، فقد فكانت في الجهاد سبَّاقة، وفي العمران عظيمة، وفي معاملتها لرعاياها رحيمة، وصهرت الشعوب في بوتقة الإسلام، فلم تميِّزْ في فترات حكمها بين عربي وأعجمي؛ فسادَ العدل ودانت لها  شعوب الأرض، وبقيت كذلك حتى أصابتها نائلة الدول الأخرى من سنة الانهيار، بسبب ما قصَّرت به في أواخر عهدها… ولكن هل يعيد التاريخ نفسه. نعم يعيد نفسه فقط مع المسلمين لأن دينهم رباني، وهم موعودون أن يعود كما كان من قبل «خلافة راشدة على منهاج النبوة» كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو لن يعيد نفسه بنفسه، بل يعيده المسلمون بحسن اتِّباعهم لدينهم، وسيرهم على طريقة سيدهم سيد الخلق أجمعين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 إن دولة الخلافة، كان لها، على مرِّ التاريخ، تطلعُّها لفتح بلاد الشام وتحديدًا بيت المقدس، وذلك بدءًا من العهد النبويِّ حيث تحرَّكت جيوش الإسلام بهذا الاتجاه، وكانت معركة مؤتة ثم معركة تبوك زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كمقدمة لفتوح بلاد الشام، ثم تبعتها حملات زمن خلافة أبي بكر رضي الله عنه إلى أن فتحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحقَّق وصية النبي صلى الله عليه وسلم لتميم الداري ولآله من بعده، قال عكرمة: لـمَّا أسلم تميم قال: يا رسول الله، إنَّ الله مُظْهِرك على الأرض كلِّها، فهبْ لي قريتي من بيت لحم. قال: «هي لك»، وكتب له بها. قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه. وعن زيد بن عامر قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لتميم الداري: «سلني». فسأله بيت عينون ومسجد إبراهيم فأعطاهنَّ إياه.

كانت القدس وما حولها من الأرض المباركة من ضمن أولويات خلفاء المسلمين عامة، وقد تعرضت للغزو والاحتلال خلال الحملات الصليبية، وأعادها صلاح الدين الأيوبي (رحمه الله) إلى حضن الدولة الإسلامية بعد معركة حطين مع الصليبيين، ثم دخلت فلسطين تحت الحكم العثماني عام 1516م، في عهد السلطان سليم الأول، وقد حظيت أثناء فترة حكمه وحكم ولده السلطان سليمان القانوني باهتمام خاصٍّ في كل النواحي لقدسيتها إلى أن تم القضاء على الخلافة الإسلامية زمن العثمانيين. بيد أن الدول كالأفراد سواء بسواء، تبلغ ذروة مجدها، ثم تبدأ في الضعف والانحسار إذا ما ضعف فهمها لدينها ونظام حياتها وأساءت تطبيقه… فالدولة العثمانية ليست بِدْعًا من الدول، بل هي كغيرها، فقد خضعت كغيرها لسنن الإنشاء والانحسار، مع ملاحظة أنها إذا بلغت مرحلة الانهيار فليس بسبب فساد في مبدئها، بل بسبب أساءة تطبيق المسلمين البشر لها.

ونتيجة الأوضاع السياسية الصعبة والحروب التي خاضتها دولة الخلافة، فقد تأثرت فلسطين من جراء ذلك تقصيرًا في الجوانب الاقتصادية والتعليمية والسياسية كباقي الولايات العثمانية في تلك الحقبة، وكانت الضرائب الإلزامية ترهق كاهل الناس لكثرة ما فرض على الدولة من حروب، واقتصر التعليم على وجود مدارس معدودة في كامل فلسطين، وكان مستوى التعليم فيها منخفضًا؛ ما فسح المجال في  زيادة نشاط المدارس التبشيرية الغربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وأيضًا استفحل المرض والفقر في البلاد ما انعكس سلبًا على حياتهم مما اضطر البعض لبيع أراضيهم. وكذلك فإن كثرة حروب الدولة مع الدول الطامعة فيها وأخذ الشباب للانضمام للجيش للحرب خارج مناطقهم وما عرف بـ (السفر برلك) أو النفير العام، أوجد لدى الناس عدم ارتياح ورضا عن سلوك الولاة، خاصة من ازدياد عمليات التتريك في هذه الفترة؛ حيث فقد العرب وظائفهم بسبب اقتصار الوظائف العليا على الأتراك، وليس أي تركي، بل من كان مرتبطًا مع جمعية الاتحاد والترقي، وهي الجناح العسكري لجمعية تركيا الفتاة التي كان لها الأثر الكبير في الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال فترة الحكم العثماني.

إن المؤامرة على الدولة العثمانية لم تتوقف من قبل الدول الأوروبية النصرانية منذ نشأتها؛ وذلك في سعيهم لتحقيق حلم النصارى باسترداد القدس والقسطنطينية. وقامت، من أجل تنفيذ سياساتها التوسُّعية بتسخير اليهود لخدمة مشروعهم واستغلال أموالهم والخلاص من شرورهم. وقد اشتدت المؤامرة الأوروبية في أواخر عهدها بعدما عمَّت الفوضى في كثير من ولايات الدول العثمانية، وانتشرت الجمعيات السرية الانفصالية بدعم من الدول الأوروبية. وقد نشط عميل فرنسا محمد علي باشا حاكم مصر بعد حملة نابليون على مصر لاسترداد القدس، والذي طلب من اليهود تمويل الحملة على الشرق مقابل وعود لهم بإقامة كيان لهم، وكانت عائلة روتشيلد اليهودية من كبار المتبرعين؛ ولكن الحملة قد فشلت عند أسوار عكا عام 1799م، ومما ينقل في هذا المجال أن نابليون قد خطب من على أسوارها ودعا لإعادة بناء مملكة القدس القديمة، وقال: إن العناية الإلهية قد أرسلتني على رأس هذا الجيش حاملًا إرث (إسرائيل)، ودعا اليهود للقدوم إلى  أرض (إسرائيل). وكان مما قاله: «أيها الإسرائيليون انهضوا، فهذه هي اللحظة المناسبة، إن فرنسا تقدِّم لكم يدها الآن حاملةً إرث إسرائيل، سارعوا للمطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم” غير أن فشل حملته أدى إلى عرض نابليون بديلًا لهم كوطن في أفريقيا إلا أنهم رفضوا ذلك العرض. وبحملة نابليون تم كشف ضعف الجيش العثماني، فكانت نقطة تنبُّه العالم للمنافسة على القدس، وبدأ العمل والتعاون الأوروبي اليهودي بالتمويل والتبعية وتوظيف التوراة والتنبؤات اليهودية لخدمة مشروعهم وربطه بالمكان المقدَّس لاختلاق موطن لهم مع ربط روحي سياسي اجتماعي.

وفي هذه الأثناء، كانت حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية التي اشتعلت سنة (1856 – 1858)م، وما تمخَّض عنها من اتفاقات جائرة، ومن احتلال روسيا لمناطق واسعة في البلقان وشرق الدولة العثمانية وبالتالي انفصالها عنها… وصاحب ذلك ازدياد تدخل الدول الأوروبية في شؤونها، تلك الدول التي أظهرت خسة ونذالة وسوء نوايا تجاه الدولة ورغبتها في اقتسام ممتلكاتها تمهيداً للقضاء عليها؛ فقامت بفرض تطبيق بعض القوانين المخالفة للإسلام بالتعاون مع جمعية تركيا الفتاة، وبث الأفكار المسمومة من قبل قناصل أوروبا، وتوجيه المدارس التبشيرية طلابها لزيادة الشقاق بين رعايا الدولة؛ ما أدى إلى نشوء مشكلة الأقليات، واشتعال عدد من الفتن الداخلية، وشنِّ بعض الحروب الخارجية. وقد ساعد في كل ذلك عملاء بعض الدول الأوروبية من كبار مثقفي وموظفي الدولة العثمانية.

وجرَّاء ذلك التخطيط اللئيم الذي جعل الدولة العثمانية تعاني الأمرَّين من كثرة ديونها؛ اضطرت هذه الدولة إلى منح بعض الامتيازات الاقتصادية لبعض الدول الأوروبية؛ وهنا تم البدء بالتنفيذ العملي لإنشاء كيان يهود برعاية أوروبية بالتعاون مع اليهود عامة ويهود الدونمة خاصة، الذين لبُّوا نداءات التآمر على الدولة العثمانية وخانوها، والخيانة من طبع اليهود؛ علمًا أنها هي التي آوتهم بعدما تنكَّرت لهم جميع الدول الأوروبية بعدما طردتهم إسبانيا عندما سيطرت على الأندلس سنة 1492م، فقبلوا أن تسخِّرهم الدول الأوروبية، وبخاصة بريطانيا، لخدمة مخططاتها؛ فالتقى الخبث والمكر والتآمر اليهودي والبريطاني؛ فتبنَّت بريطانيا الفكرة الصهيونية، ولم تتورَّع عن استخدام جميع الوسائل والأساليب النذلة منها لتحقيق غرضها. ومع مرور الزمن تمكَّنت الدول الأوروبية مع اليهود من إنشاء الجمعيات التركية ذات النزعة الطورانية المتعصبة، ومن إقناع عدد من كبار موظفي وضباط الدولة، وبخاصة من درس منهم في الخارج، بالانضمام لهذه الجمعيات للتآمر على الدولة والتعاون معاً؛ لخدمة اليهود وإنشاء كيان لهم. وقام يهود الدونمة بإنشاء الجمعيات الماسونية وغيرها، والتي كان هدفها تحطيم الدولة العثمانية

فماذا فعلت الدولة  العثمانية في ظل هذا العداء والتآمر الدولي عليها وضعفها للحفاظ على فلسطين ومنع إنشاء هذا المشروع الغربي؟.

لقد بدأ النشاط الصهيوني المحموم عام 1840م؛ حيث تم ضخُّ أموال طائلة لذلك، وباستخدام مصطلحات نابعة من معتقداتهم لتسخيرها لخدمة مشروع إقامة كيان يهود، من مثل أرض الميعاد وأرض الآباء والأجداد، وداود وسليمان، والعمل لتوحيد اليهود، وقامت بوضع محتوى ثقافي وأناشيد للعودة لأورشليم أرض صهيون، واستطاعت الحركة الصهيونية كسب اليمين المسيحي لجانبها ما ساهم في حدوث نشاط سياسي محموم لشرح موقف اليهود لتأسيس مشروعهم في فلسطين، فتمَّ الاتفاق على ما يسمى: «العقد الصامت» بين الدول الأوروبية والحركة الصهيونية، وتم استخدم مصطلحات خاصة بهم لإخفاء مخططاتهم مثل: تطهير المستنقعات للمهاجرين، ولا بد من رحلة صيد جماعية لصيد الحشرات والحيوانات بمنطقة واحدة.

عندما خرج نابليون من مصر انكشفت أهداف حملة نابليون لتأسيس مملكة صليبية، وإعطاء فلسطين لليهود مقابل تمويل حملته العسكرية؛ حيث كانت فرنسا تعاني مشاكل داخلية وضعف في التمويل، والتي فشلت على أسوار عكا، وهزم نابليون الذي قام بعرض أوغندا وإعطائها لليهود بدل  فلسطين مقابل التمويل. وبخروجه من مصر تمَّ  تعيين محمد على باشا الضابط الألباني في الجيش العثماني واليًا على مصر، وتمَّ تجنيده من فرنسا كعميل وتكليفه لإتمام المهمة وتهيئة الأجواء لاحتلال فلسطين خدمة للقوى الاستعمارية، وتمَّ دعمه من قبل فرنسا، فانتصر على الجيش العثماني وسيطر على الشام والقدس وقام فورًا بالسماح للأقليات والطوائف بحرية الحركة التي كانت مقيَّدة من الدولة العثمانية، وقام  بإلغاء الرسوم على الداخلين لفلسطين والقدس والسكن فيها، وتم فتح الباب لدخول المبشِّرين وتقديم التسهيلات للأجانب للدخول لفلسطين، فكانت أعظم حركة تمرُّد وخيانة عرفها العثمانيون سنة 1839م. ولم تسهِّل بريطانيا حركة محمد علي باشا هذا، من باب الصراع الدولي على المنطقة مع فرنسا، وأرادت أن تكون المؤامرة من عمل يدها وحدها لتأمين مصالحها دون غيرها، والتي لا تعرف دينًا ولا قيمًا.

وقد قام اليهود بإقناع الدول الغربية الطامعة بأراضي الدولة العثمانية كالإنجليز والفرنسيين للضغط على الدولة العثمانية، والتنسيق مع روسيا لحل مشاكل اليهود بتهجيرهم من روسيا إلى ما يسمى «أرض الميعاد»، وكان اهتمام بريطانيا قد ازداد بفلسطين بعد أن لمست فشل فرنسا التي كانت تريد احتلال فلسطين بحملة نابليون. وبعد أن فشلت حملة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا على الشام زاد النشاط الدبلوماسي لبريطانيا لما تبيَّن ضعف الجيش العثماني أمام قوات محمد على باشا وسيطرتها على بلاد الشام، فتزايدت مطالبتها للسيطرة على القدس، فأرسلت كثيرًا من المبشِّرين والراهبات والقناصل إلى فلسطين، وقامت بشراء الأراضي والممتلكات فبدأت بتسريب الأراضي للإرساليات والبعثات، وعملوا على تطبيق سياسة «فرق تسد» لتخلو لهم السيطرة بكل سهولة.

كما أن بريطانيا استغلَّت الوضع الاقتصادي للدولة العثمانية نتيجة الحروب المستمرَّة، واستغلَّت حالة التغريب التي بثَّها محمد على باشا عميل فرنسا بين الناس في مصر وبلاد الشام؛ حيث قام بتغيير أنظمة تملُّك الأراضي لصالح الإرساليات والأقليات والأجانب، وصادر كثيرًا من أراضي الدولة وباعها، وتبنَّى سياسة المساواة بين الأديان، وقام بتمكين اليهود من شراء مئات القرى والأراضي شمال فلسطين،  وأسَّس مجلسًا بلديًا في مدينة القدس تابعًا له، وكان من أعضائه يهود ونصارى وفق خطة مبرمجة لنيل رضى الدول الأوروبية في صراعه مع الباب العالي، مستغلًا الهزائم التي مني بها العثمانيون، والتنافس الأوروبي للسيطرة على فلسطين واقتسام أراضي الدولة العثمانية، وكثرة شروط الصلح في هزائم الدولة العثمانية.

لقد نظرت الدولة العثمانية بريبة لما تقوم به أوروبا، وخاصة بريطانيا، وبالذات تُجاه القدس، وأن هناك مخطَّطًا خبيثًا لتجميع اليهود؛ فقامت، ومنذ زمن السلطان عبد المجيد الأول (1839-1861)م، بأعمال ضد محاولات الاستيطان اليهودي بفلسطين؛ حيث وُضع للقدس (إدارة مستقلة تتبع السلطان مباشرة) ومراقبة قوانين التملُّك والهجرة، وقد أمرها بضرورة استعادة قطعة أرض بالقدس خارج السور القديم لعدم تمكُّنهم من شراء أي قطعة أرض داخل سور القدس؛ حيث اشتراها طبيب يهودي بريطاني اسمه موسى مونتيفيوري وذلك بحجة إقامة مستشفى لأهل القدس وللحجَّاج؛ ولكن المستشفى لم يقم وإنما تمَّ إقامة ما يعرف حاليًّا بالحي اليهودي في القدس، أو حي مونتيفيوري حاليًا. وقد قام السلطان رحمه الله بسن كثير من القوانين لمنع نشاطات الدول الغربية الاستعمارية واليهود على مدى عقود.

ويمكن تلخيص موقف الدولة العثمانية من فلسطين بما يلي :

رفض طلب محمد علي باشا والي مصر السيطرة على بلاد الشام، ورفض ما عرضه محمد على باشا من تأديب الوهابيين، والاشتراك بحرب اليونان مقابل السماح له بأخذ فلسطين.

دعم أهل فلسطين بمبالغ طائلة لرفض مشروع محمد علي باشا للسيطرة على الشام.

 تحويل سنجق القدس  إلى متصرفيَّة  دون ربطها بأية ولاية، وتضم يافا والخليل وغزة وبئر السبع.

ربط متصرفيَّة القدس مباشرة بالسلطان عام 1878م وفصلها عن متصرفيَّة بيروت؛ بسبب استخدام مرفأ بيروت للهجرة اليهودية وتسريبهم لفلسطين سرًا.

تدخُّل السلطان بأدق التفاصيل باختيار الموظفين الأتقياء، حتى بتعيين إمام المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل.

ربط مكتب متصرف القدس بخطوط الاتصال المباشرة وإنشاء جهاز إداري كامل مرتبط بالخليفة.

 ضرب الدور الأجنبي وخاصة البريطاني والفرنسي وتحجيمه ومراقبه نشاطاتهم.

رفض الطلبات والضغوط التي يمارسها بعض متنفذي الدولة العثمانية، ورفض ضغوط إمبراطور ألمانيا فلهلم الثاني، وضغوط بريطانيا وفرنسا.

تأخير كثير من المشاريع التي كانت الدول الغربية تريد إنشاءها للاشتباه بها.

إعطاء مشروع سكة الحديد التي تربط إسطنبول والقدس والمدينة المنوَّرة ومكَّة واليمن لشركات ألمانية وليس بريطانية أو فرنسية.

إصدار قرار من السلطان عام 1882م بمنع اليهود من دخول فلسطين باستثناء الحجَّاج وبتأشيرة دخول من القنصليات العثمانية بالخارج.

إصدار الدولة العثمانية قرارًا يمنع المواطنين الروس من الاستيطان والسكن بفلسطين.

 إصدار لائحة في عام 1900م لتشديد الرقابة على الهجرة، تضمن وضع حركة دخول اليهود والأجانب من وإلى فلسطين تحت رقابة القصر السلطاني مباشرة.

أصدر «السلطان عبد الحميد الثاني أيضًا قرارًا بتوظيف جيش في فلسطين يرابط ويرتبط به شخصيًا.

 كما أسَّس «السلطان عبد الحميد الثاني» أيضًا خطًا للسكك الحديدية لتسهيل الوصول إلى القدس، ونقل قسم من مسلمي القوقاز والبلقان وتوطينهم في فلسطين.

منع هيرتزل من مقابلة السلطان إلا بعد محاولات كثيرة، وإلا بعد أن أراد السلطان في آخرها  أن يعرف مكنون نفس هيرتزل، فتركه يعرض مشروعه، والذي كان هدفه اقتطاع فلسطين من الدولة العثمانية وإعطاءها لليهود، وقد قوبل كل ذلك بالرفض، ويكفينا ردُّ السلطان عبد الحميد الثاني (رحمه الله) لهرتزل (لعنه الله) حيث قال: «انصحوا هرتزل، ألا يتَّخذ خطواتٍ جديدةً حول هذا الموضوع؛ لأنِّي لا أستطيع أن أتنازل عن شبرٍ واحدٍ من الأراضي المقدَّسة؛ لأنَّها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي. وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، وروَّوها بدمائهم؛ فمن الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل؛ ولكن لزم أن يبدأ التَّمزيق أوَّلاً في جثَّتنا؛ ولكن لا أوافق على تشريح جثَّتي وأنا على قيد الحياة».

رفض السلاطين عروض اليهود المالية المغرية رغم سوء الحال في الدولة العثمانية.

الوقوف أمام الكماليين عند قبولهم لشروط ووعود يهود للسيطرة على فلسطين مقابل 150 مليون ليرة ذهبية.

في عام 1887م، أصدر رؤوف باشا متصرف الق دس أمرًا بأخذ جواز سفر كل يهودي يدخل لفلسطين وتسليمه جوازًا مؤقتًا بلون أحمر، مع متابعة وتعهد بالخروج خلال 31 يومًا مع دفع خمسين ليرة جرَّاء ذلك.

أصدر السطان أمرًا بكتابة الديانة اليهودية على جواز السفر لتسهيل المتابعة والمراقبة.

حدَّت الدولة العثمانية من نشاط القنصليات والإرساليات، وكيفية التملك والهجرة ومراقبتها.

تغيير موظفي الموانئ ومراقبتها لاكتشاف رفع تقارير كاذبة رفعت للسطان عن دخول اليهود لفلسطين.

في عام 1890م، أصدر السلطان أمرًا بردِّ كل المهاجرين وطردهم إلى أمريكا؛ لافتعالهم الأكاذيب ودورهم في تغيير متصرف القدس، وعدم قبول طلبهم بأن يكونوا من «رعايا الدولة العلية العثمانية».

أصدر السلطان أمرًا بمنع بيع الأراضي الأميرية لأي سبب كان حتى لا تتسرَّب لليهود.

أصدر السطان بعدها أمرًا بمنع أي يهودي، ولو كان من رعايا الدولة، من التملُّك في فلسطين.

قام السلطان (رحمه الله) من شراء كثير من الأراضي من ماله الخاص عندما سمع بدفع اليهود ثلاثة أضعاف سعر الأراضي.

قام متصرف القدس وبأمر من السلطان بالاهتمام بالنواحي الاقتصادية وإعمار الأراضي ومعالجة حالة الفقر والقيام بمشاريع زراعية، واستصلاح الأراضي لتكون مصدرًا للرزق وخاصة في منطقة السبع التي زارها، وإلحاق القدس بالتطوُّر، ولتحسين الوضع الاقتصادي للناس، وتخفيف الضرائب على الأراضي لتقليل تسرُّبها لليهود.

تم تغيير موظفي الدولة عدة مرات لتعاونهم واشتراكهم بتسريب الأراضي والتساهل مع المهاجرين الأجانب وخاصة اليهود.

أخذت الدولة تراقب وتحارب بعض الدعوات الفكرية والانفصالية والطائفية.

استعداد الدولة العثمانية للقتال والدفاع عن البلاد، ومحاربة الصهيونية والماسونية العالمية، وملاحقة الجمعيات السرية من الاتحاديين واليهود والخونة من العرب والترك.

محاولة توحيد أمة الإسلام أمام هذه القوى الغاشمة.

العمل على إشعال حرب واسعة فيما بين الدول الأوروبية لتدمير نفسها ولتبقى الدولة العثمانية بعيدة عن الحرب؛ وبذلك تأخذ الدولة فسحة من الوقت لالتقاط أنفاسها وتجديد شبابها.

هذا باختصار هو موقف خليفة المسلمين الذي لخَّص مواقف السلاطين من قبله وموقف الدولة من إنشاء كيان يهود.

والملاحظ أن كل هذه القوانين كانت من أجل منع قيام كيان لليهود الذين قاموا، وبالتعاون مع الدول الغربية، بالالتفاف عليها وافتعال الفتن وإثارة الشكوك على كل موظَّف مخلص لإقالته من منصبه حتى حاولوا إزاحة السطان عبد الحميد الثاني نفسه لرفضه مقابلة هرتسل ومحاربته للتنازل عن فلسطين، ورغم إغراءاتهم واستعدادهم لتتخلى دول أوروبا عن مساندة الأرمن، وتسديد أغلب ديون الدولة العثمانية، ودعمهم في إنشاء أسطول عثماني قوي، إضافة إلى مبلغ كبير كرشوة للسلطان؛ إلا أنهم نجحوا في عزل السلطان (رحمة الله) وتسريب فلسطين لليهود بمؤامرة كبرى.

      وبعد إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني، جاء دور الكماليين. وفي هذه المرحلة، وبعد أن دفع السلطان ملكه وعرشه ثمنًا للدفاع عن فلسطين ومنع  توطين اليهود فيها؛ حيث تولَّت جمعية الاتحاد والترقِّي، وهي الجناح العسكري لجمعية تركيا الفتاة، لمقاليد الحكم في الدولة العثمانية. وكان الكماليون عملاء للإنجليز، وهم مرتبطون ارتباطًا عضويًا بالإنجليز واليهود، والذين وقعوا تحت تأثير الماسونية والصهيونية كما اعترف بذلك أنور باشا لجمال باشا، أحد أركان جمعية الاتحاد والترقي وقائد الجيش الرابع العثماني بأن رجالات جمعية الاتحاد والترقِّي وقعوا تحت تأثير الماسونية والصهيونية.

وكانت دعوتهم تقضي بالتخلي عن أراضي الدولة العثمانية بدون ثمن؛ لذلك قبلوا عرض اليهود شراء فلسطين. ومع  دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتوريطها بالحرب، تمَّ تجنيد جهاز استخباراتي يهودي للعمل لصالح بريطانيا ضد العثمانيين ورصد تحركاتهم العسكرية ما ساعد اللَّنْبي لدخول فلسطين عام 1917م، وصدور وعد بلفور. وكذلك تمَّ استغلال المؤسسات الأجنبية مثل المدارس والمستشفيات والإرساليات التي  أنشئت أصلًا لتتحول إلى مراكز علاجية واستخباراتية، وكرأس حربة للحروب الصليبية على مرِّ العصور؛ فكان عصر الكماليين هو العصر الذهبي لليهود؛ حيث زاد عددهم في فلسطين، وزاد تسريب الأراضي لهم. ولما انهزمت الدولة العثمانية ضاعت فلسطين بيد الإنجليز الذين سرَّبوها لليهود بالطرق العسكرية والتآمرية والخيانات.

وفي الختام نقول إن أرض الإسلام وفلسطين خاصة تعيش حالة اشتياق عظيم وكبير للقيام بواجبها الشرعي الذي يقضي بضرورة تحريرها، والذي لا يتمُّ إلا بوجود دولة الخلافة الراشدة، أي دولة إسلامية جامعة لكل أمة الإسلام، وهذا يحتاج عملًا دؤوبًا، يصل فيه العاملون الليل بالنهار، وبالتكاتف والتعاضد مع الأمة لإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تكون على منهاج النبوة لتنهي غدر الدول الغربية واليهود واستيلائهم الهمجي على أراضي المسلمين.

إن المسلمين، لا ولن ينسوا فلسطين ولا أراضي الإسلام المحتلة غيرها مهما طال الزمن. فقضية فلسطين هي قضية سياسية عسكرية، وقبل ذلك هي قضية مبدئية، تتطلب تحريك الجيوش لإعادتها… وإنه لا يمكن حلُّ هذه القضية من خلال المفاوضات والاتفاقات والتطبيع مع كيان يهود، بل لا بد من تحريك أهل الجيوش والتوجُّه إلى فلسطين. وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال خلافة راشدة، والتي ستكون كما كانت من قبل، تفتح  الصفحات الناصعة وتطمس ما فعله السفهاء من الخونة من أبناء جلدتنا الذين اتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله ومن دون المؤمنين؛ ليعود للقدس وإسطنبول ومكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد وقرطبة بهاءها، ولتعود لها احتفالات النصر وتعلو راية العقاب أبنيتها، وليس ذلك على الله بعزيز.

هذا هو تاريخ دولة الخلافة الإسلامية زمن العثمانيين، وإنه لتاريخ مشرق، فقد كانت دولة مبدئية، أدخلت الشعوب في دين الله وحافظت عليهم ورعتهم، وقاتلت منفردة الغرب مجتمعًا، وكسرت كل حروبه الصليبية على الأمة الإسلامية، وكانت دولة أولى ومتفرِّدة في حكم العالم لقرون، ووصلت إلى ما لم يصل إليه غيرها من نشر قيم الحياة الراقية التي جاء بها الإسلام على كل الصعد، الروحية والإنسانية والخلقية والمادية، ووفَّرت لرعاياها من المسلمين وغير المسلمين حياة إسلامية هانئة مطمئنة، قائمة على إحقاق الحق ونشر العدل، وكانت باعثة للشعوب الأخرى للدخول في هذا الدين، وتوسع الدولة حتى حكمت جوانب العالم المختلفة.

واليوم يقوم في تركيا بقيادة أردوغان حكم يُتهم من دول العالم بأنه يريد بعث العثمانية من جديد. ولكن السؤال هو: هل المطلوب هو بعث العثمانية، أم بعث الخلافة الراشدة؟! وهل بعث العثمانية هو بعث للدين من جديد، أم بعث لتاريخ وتراث قومي عرقي وطني قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه نتن منتن؟!، وهل يتبنَّى أردوغان مفاهيم الخلافة الراشدة أم مفاهيم الإسلام المدجَّن المعدَّل المطوَّر الذي يأخذ من الغرب أحكامه في رعاية شؤون الناس العامة، والذي يبيح فيه أردوغان لنفسه أن يتعامل بالربا، ويقيم علاقات ديبلوماسية مع اليهود، وما يستتبع ذلك من تعاون معهم على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخبارية والأمنية، ويدخل في تحالفات مع دول الكفر ولو كانت ضد بلاد المسلمين الأخرى كما حدث في أفغانستان ويحدث في سوريا وليبيا، وحتى في خلافه مع الأكراد نراه ينطلق من منطلق وطني قومي نتن وليس من منطلق إسلامي… فعلى المسلمين أن يكونوا واعين فيتوجهوا إلى ما يرضي الله حقًا لا ادعاءً. فالخلافة الراشدة الموعودة هي أبعد ما يكون عنها أردوغان، إنها الخلافة على منهاج النبوة، كخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم أجمعين.

نسأل الله أن نكون من أئمتها وجنودها وشهودها قريبًا بإذن الله… اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الغرب على حافة الانهيار والإسلام عائد

 الغرب على حافة الانهيار والإسلام عائد

 

فائق نجاح – ولاية باكستان

مجلة الوعي: العدد 418 - السنة السادسة والثلاثون، ذو القعدة 1442هـ الموافق حزيران 2021م

قبل مائة عام ظنّ الغرب أنه هزم الإسلام أخيرًا بإسقاط الدولة الإسلامية التي ظلّت قائمة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي العقود التي تلت ذلك، عزَّز الغرب انتصاره على المسلمين بتطبيق أنظمته في الحكم على المسلمين، وفرض نموذج الدولة القومية الأوروبية الغربية، وتطوير ثقافة وطنية علمانية جديدة في كل بلاد المسلمين. وعندما أُجبرت الدول الأوروبية المنهَكة على سحب جيوشها من بلاد المسلمين، سلّمت السلطة لفئة محلية تدين بالولاء للغرب وتحمي مصالحه، وتستمر في فرض نمط الحياة الليبرالية العلمانية في البلاد، أي تكون الضامن لتطبيق المخطط الغربي. كان الغرب واثقًا جدًا من هزيمته للإسلام لدرجة أنه فتح أراضيه لإعادة توطين الملايين من المسلمين، على أمل أنهم سيتبنَّون الثقافة الغربية العلمانية كاملة وأسلوب الحياة الغربي، تمامًا كما فعل قادتهم الخونة من قبل.

 لكن في غضون خمسين عامًا بعد هدم الخلافة العثمانية، برزت حركات متجددة لإعادة إحياء الأمة الإسلامية من جديد، وردًّا على ذلك لجأ الحكام العملاء إلى تبنّي بعض الأحكام الإسلامية بشكل سطحي وتغليف بعض القوانين والهيئات بالقشور الإسلامية، أو لجؤوا إلى اعتماد الديكتاتوريات المستبدة للحفاظ على حكمهم، أو مارسوا كليهما. وفي موطن الغرب تم استرضاء الجاليات المسلمة المهاجرة أولًا بـ«التعددية الثقافية»؛ ولكن بعد ذلك تمَّ ترهيبها بشكل متزايد حتى تتوافق تمامًا مع المعايير الليبرالية العلمانية الغربية. أخيرًا، وفي العقدين الماضيين، وباسم ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب»، بدأ الغرب حملته الصليبية العالمية الصريحة والمنظَّمة باستخدام جميع الوسائل والأساليب الخبيثة لمنع عودة الإسلام مرة أخرى وعرقلة نهضة الأمة الإسلامية واستعادة سيادتها؛ ومع ذلك، لا يزال صعود الإسلام مستمرًا، ولا يزال وعي الأمة على هويتها وتاريخها المجيد وعلى مسؤوليتها الكبيرة تجاه نفسها وتجاه البشرية جمعاء يزداد. نعم، يخشى الغرب عودة الإسلام ليس فقط لأنه سيفقد قدرته الحالية على السيطرة على البلاد الإسلامية الشاسعة ومواردها؛ ولكن أيضًا لأنه يعرف جيدًا الحدود الفعلية للسيطرة الهشة والآنية لحضارته الفاسدة.

تعرض الحضارة الغربية نفسها على أنها تتويج لقرون من التقدُّم والتطوُّر البشري باعتبارها استكمالًا لآلاف السنين من الإنجازات البشرية، وسليلة الحضارات الرومانية واليونانية؛ لكن الحقيقة هي أن الحضارة الغربية لم تُبنَ إلا على الأكاذيب والخداع نتيجة الاختيارات الخاطئة والتسويات الملتوية. وقد أصبحت العواقب الوخيمة للمادية الغربية تتضح أكثر في ظل تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل تدهور معايير الإعلام والتعليم، والحكم الفاسد، والسياسة الخارجية المزعزعة للاستقرار.

لقد فشل النظام الاقتصادي الرأسمالي في الغرب؛ ولكن تمَّ إخفاء عيوبه باللجوء إلى سلسلة من الترقيعات المرتجلة. إنّ بناء نظام اقتصادي كامل قائم على حرية الملكية لا يمكن إلا أن يؤدي إلى استغلال الأقوياء للضعفاء واستغلال الأغنياء للفقراء. ففي البداية يتمُّ تعزيز النشاط الاقتصادي، مثل الحمى من المرض، ولكن بعدما يتم استنزاف الأثرياء لرأس المال، وتتركَّز التجارة في أيدي حفنة قليلة منهم، يضعف النشاط الاقتصادي ويتضاءل، تمامًا مثل الجسم السرطاني الذي يلتهم الجسد. لقد فشلت الرأسمالية فعليًا خلال أقل من قرن (منذ اندلاع الثورة الصناعية)، لكن تم تدارك سقوطها التام من خلال سلسلة من التعديلات والترقيعات، وقد تمَّ إدخال الكينزية من أجل إعادة توزيع الثروة جزئيًا على الأقل، على الرغم من أنه بسبب الإدخال الموازي للنقود الورقية، ظلت الثروة الحقيقية مع النخبة، بينما تم تداول كميات أكبر من الأموال المزيفة بين أيدي الناس، وتحولَّت الحكومات من الكينزية إلى النظرية النقدية للسيطرة على التضخُّم مرتفع الناتج، بينما أصبحت السبل الجديدة لتكوين الثروة متاحة فقط للنخبة من خلال توسيع التمويل الخاص وبناء اقتصاد النخبة الموازي. تُحقِّق الرأسمالية المظهر الكامل للثروة المتداولة بين قلة قليلة من الرأسماليين، بينما يتمُّ التخلي عن بقية المجتمع للركود الاقتصادي، وإذا كانت الدول الغربية لا تزال مزدهرة نسبيًا، فهذا ليس بسبب قوة اقتصاداتها المحلية؛ ولكن بسبب سياساتها الخارجية العلمانية التي تتيح لها الوصول إلى ثروات العالم بأسره وموارده.

يتزامن فشل النظام الاقتصادي الغربي مع فشل نظامه الاجتماعي، وبما أن حرية التملك تؤدي إلى الاستغلال الاقتصادي، فإن حرية الفرد تؤدي إلى الاستغلال الطبقي. وبينما الأقوياء يعيشون في بذخ ويستمتعون بحياتهم لأقصى حد، يُترك الضعفاء والمهمَّشون (الصغار وكبار السن) لضنك العيش، بدعم شبه معدوم من الأسرة والمجتمع. وخوفًا من العواقب السياسية لمثل هذه الطبقية، فإن الحكومات الغربية لديها وصفة «سحرية» تسمّيها الإنفاق «الاجتماعي»، هو الأكبر ميزانية لدى الدول، ويُقدَّر الإنفاق الحكومي الأمريكي «الاجتماعي» بعشرة أضعاف ميزانيتها العسكرية، وهو عبء ثقيل على المالية العامة، ومع ذلك لا يزال الكثيرون في الغرب يعيشون بشكل غير مستقرٍّ؛ حيث يعيش أكثر الناس معتمدين على الراتب الشهري، ولا يستطيعون العيش إن انقطع الراتب لشهر أو شهرين؛ لذلك أصبح من الطبيعي أن يتورَّط الكونجرس الأمريكي في صراع داخلي سنوي حول مخصصات الميزانية، إلى حد إغلاق عمل الحكومة حتى يتمَّ التوصل إلى حل وسط بين الفرقاء، ومع التحوُّلات الديموغرافية المستمرة، سيتوجب تمويل العدد المتزايد من كبار السن من الإيرادات الحكومية التي يتمُّ جمعها من القوة العاملة التي تتقلص باستمرار، وهي معادلة مستحيلة، ولا تزال الفردية تواصل القضاء على العلاقات المجتمعية المتينة؛ بينما لا يمكن لأي حضارة أن تهنأ بدون عائلات ومجتمعات قوية.

يتمُّ حجب الكثير من أوجه القصور في الحضارة الغربية من خلال نظام التعليم ووسائل الإعلام التي يتمُّ توظيفها للخداع والدعاية الخبيثة لدعم التفوُّق المزعوم لنظام الحياة الغربية؛ ولكن عدم مصداقية الإعلام الغربي تتكشف بشكل متزايد في الداخل والخارج، وتسويقها يحرفها عن أي مهمة جادة لنقل الحقيقة الواقعية، وهو انحراف سهل لتأسُّسِ الإعلام على فكرة حرية التعبير بدل نقل الحقيقة. كما تتمُّ مراقبة التعليم عن كثب لإشباع كل جيل جديد بقناعات خاطئة عن المبادئ التي تقوم عليها الحضارة الغربية؛ ولكن التعليم الغربي مزعزَع باستمرار بسبب الطريقة التجريبية الغربية في التفكير، التي تولي اهتمامها الأساسي للواقع المحسوس في عملية التفكير؛ ولكنها تفشل في إدراك الحاجة إلى المعلومات السابقة من أجل فهم هذا الواقع، وهكذا فقد أصبح التدريس الغربي على نحو متزايد بسيطًا وبعيدًا وغير مباشر؛ حيث يرى أن دوره لا يتمثَّل في نقل المعرفة من جيل لآخر، بل التسهيل على الطلاب تفاعلهم المستقل مع الواقع، كما لو أنها تعتبر الناس حيوانات غير قادرة على التعلم من أسلافها.

قيل لشعوب الغرب إن النظام الحاكم الغربي مسؤول عن شؤونها الخاصة؛ لكنه في الواقع لا يخدم الشعب بل يخدم النخبة. لقد تمَّ تصميم نظام الحكم الغربي «الحكومة المختلطة» لخدمة مصالح الطبقة الأرستقراطية، بشكل صريح من خلال السماح بممارسة السلطة التنفيذية من قبل ملك واحد، بالإضافة إلى الاهتمام المفترَض أيضًا بمصالح عامة الناس. وبعد مواجهة محاولات الثورات في القرن التاسع عشر، بدأ الغرب في الادِّعاء بأنه يغيِّر أنظمته الحاكمة وفقًا للديمقراطية؛ لكن في الحقيقة استمرَّت الأنظمة نفسها في السلطة مع تعديلات سطحية طفيفة، ويعرِف القادة الغربيون أن فكرة الديمقراطية خيالية غير واقعية وغير عملية، ففي حين إنه من الضروري أن يتولى الناس ككل مسؤولية رعاية شؤونهم الخاصة، فمن غير الممكن أن يشرّع الناس بشكل جماعي قوانينهم الخاصة؛ لكن الديمقراطية مفيدة فقط لإبقاء الناس يدورون في فلك الحكومة، أو في أفضل الأحوال لجعل السياسيين يظهرون اهتمامًا سطحيًا بالناس لتهدئة غضبهم عن التحول إلى الثورة. في نهاية المطاف، فإنه في كل ديمقراطية يتم وضع القوانين التي تحابي النخبة؛ مما يؤدي إلى إيجاد أنظمة حكم تزيد استغلال عامة الناس سهولة.

لكن ربما يكون أعظم شرٍّ ارتكبه الغرب من خلال سياسته الخارجية، وباسم بناء نظام عالميٍّ سلمي، أن قام في الواقع بتكرار النموذج الإمبراطوري الأوروبي على نطاق عالمي؛ وقد كان غرض تلك الإمبراطوريات التاريخية هو نهب ثروة مستعمراتها ومواردها لصالح الإمبراطورية الأم، وعلى سبيل المثال، كانت الهند المسلمة الاقتصاد الأكبر والأكثر ازدهارًا وتقدمًا على وجه الأرض؛ ولكن في ظل الاستعمار البريطاني، أصبحت الهند واحدة من أفقر مناطق الأرض، في حين إن بريطانيا أثْرت نفسها بشكل كبير لتصبح القوة العظمى العالمية؛ ولكن عندما أُجبر الغرب على تفكيك إمبراطورياته بسبب الصراع والاقتتال الداخلي بين الدول الغربية نفسها، أنشأ الغرب مكانها كيانات سياسية واقتصادية وعسكرية عالمية شاملة لإدامة الإمبريالية الغربية بشكل خفي، فتم الحفاظ على الهيمنة السياسية للقوى الغربية من خلال فرض مفهوم القانون الدوليِّ المبنيِّ على النظرية القانونية الغربية، مما وفَّر فرصًا لا تنتهي أمام التدخل الغربي في شؤون الدول غير الغربية لإجبارها على الامتثال للقوانين والأعراف الغربية، وهذا هو معنى الهيمنة الغربية، وبدعم من منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والتحالف العسكري لحلف شمال الأطلسي… وغيرها، وكلها مصمَّمة للحفاظ على تفوُّق الغرب وهيمنته على العالم. لقد تمَّ تصميم المعاملات الاقتصادية والتجارية العالمية بدقة بالغة في الغرب للاستفادة من الثروة والموارد والنشاط الاقتصادي في باقي أنحاء العالم؛ حيث تتيح مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي وصول الغرب الكامل إلى مال الدول المستعمَرة رغم استقلالها الرسمي. ولضمان استمرار التفوُّق العسكري الغربي، تمَّ تصميم اتفاقيات «دفاعية» بين الدول الغربية وغير الغربية. وعندما تفشل مثل هذه الترتيبات، يلجأ الغرب إلى الغزو واحتلال الدول المتمرِّدة باسم السلام العالمي، غيرَ مهتم بما إذا كانت ضحاياه جنودًا أو مدنيين، صغارًا أو كبارًا، رجالًا أو نساءً، بل وتشجعه عقائده العسكرية على تطوير أساليب ووسائل تمكِّنه من استهداف المدنيين بشكل مباشر.

لا يمكن أن تستمر هيمنة الغرب المجرمة إلى الأبد، كما أنه ليس من الممكن للغرب أن يصلح نفسه طالما أنه يتبنّى العقيدة الليبرالية العلمانية الزائفة التي لم يتوصل إليها بعد تفكير وبحث صادقين، بل جاءت كحل وسط لإحباط الحركة المادية المتمرِّدة التي كانت رائدة الشيوعية، والتي خاضت صراعًا فكريًا ضد العقيدة المسيحية والنضال السياسي ضد الاستبداد المزدوج للملوك ورجال الدين النصارى في أوروبا، وإيجاد فرصتهم في أعقاب الصراعات الطائفية في أوروبا.

لقد كان الغرب النصراني يتبع طريقة التفكير اليونانية، والتي افترضت أنه من الممكن إثبات أي فكرة من خلال الطريقة المنطقية في التفكير، واستخلاص النتائج المطلوبة من المقدمات البديهية العامة، ولم يكن المنطق المعقَّد بحد ذاته مشكوكًا فيه فحسب، بل افترض الإغريق أن المقدمات العامة لا تتطلب دليلًا مستقلًا؛ لأنهم رأَوا أن العقل قادر على اكتشاف الحقيقة من خلال التأمل فقط، بغض النظر عن الإدراك الحسي أو المعلومات السابقة، بالتالي فإن كل البراهين النصرانية المزعومة لوجود الخالق، سواء أكانت كونيَّة أم وجوديَّة أم غائيَّة، كانت في الحقيقة مجرد تخمين، وكان الماديون قادرين بسهولة على مواجهة هذه «البراهين» الخاصة بهم، والتي تدعم أزليَّة الكون باستخدام الطريقة العقلانيَّة اليونانيَّة نفسها التي كان النصارى يستخدمونها، واستجابة لذلك لجأ المفكرون النصارى إلى تغيير طريقة تفكيرهم من العقلانية إلى التجريبية، ويرجع الجانب العلماني من العقيدة الغربية إلى تبني التجريبية، والتي وَفقًا لها لا يمكن إلا أن نعرف بشكل قاطع ما يتمُّ الشعور به بشكل مباشر. وبما أن الدين مبنيٌّ على معرفة ما هو أبعد من هذا العالم، فإنَّ كلَّ الأمور الدينية أصبحت تخمينيَّة وخارج نطاق النقاش العقلي، وبالتالي إسكات الهجمات الفكرية المادية على الدين على حساب فصل الدين عن الحياة.

من الناحية السياسية، تعاون الملوك ورجال الدين في أوروبا معًا لفترة طويلة في استغلال الناس والاحتفاظ بالسلطة والثروة لأنفسهم وحدهم، ثم جاء الجانب العلماني للعقيدة الغربية من التبنِّي المعدَّل للحريَّة الماديَّة والديمقراطيَّة، فقد آمن الماديُّون بالكون الأزليِّ الحتميِّ، ودعَوا إلى الحريَّة والديمقراطيَّة حتى يتمكَّن الإنسان من التعبير بشكل كامل عن الدوافع الأنانيَّة، ويفترضون أنفسهمالماديُّون – يشكِّلون الطبيعة البشرية بأكملها. ومن خلال تبنِّي العلمانية كان الغرب قادرًا على إسكات الهجمات السياسية للمادية على المؤسسة الحاكمة في أوروبا.

إذا كان الغرب العلماني قادرًا على العمل لفترة طويلة بعد مثل هذه التسوية القبيحة، فهذا يرجع فقط إلى تأثره بوتيرة بطيئة للغاية بتراث الأفكار والقواعد التي لا تزال قائمة منذ العصر السابق، ليس تراث روما أو اليونان بل تراث الإسلام. إن الغرب مدين للإسلام ليس فقط في تقدمه في الرياضيات والعلوم الفيزيائية والتكنولوجيا… ولكن أيضًا في إنجازاته عبر الفنون في مجملها، وكذلك في الفكر والفلسفة وأنظمة الحياة، والتي استحوذوا عليها إلى حد كبير من المسلمين؛ ولكنهم أعادوا صياغتها في إطار نصراني غير إسلامي. لا يمكن معرفة مقدار مساهمة اليونان فعليًا في التعلُّم البشريِّ حيث لم تعد سجلات الحضارات السابقة متاحة، وعلى سبيل المثال فقدان المكتبة المصرية العظيمة بالإسكندرية في العصور القديمة. وعلى الرغم من أن روما كانت بالفعل القوة الرائدة في عصرها؛ إلا أن الانهيار المبكِّر للنصف الغربي من الإمبراطورية الرومانية، إلى جانب عاصمتها الأصلية روما، ترك حضارة الغرب في حالة تخلُّف. لقد كان صعود الإسلام في الواقع هو الذي أحيا الغرب من خلال تواصله مع المسلمين في الأندلس؛ حيث أثار الإسلام دهشة الغرب، ثم من خلال الاتصال بالحضارة الإسلامية في صقلية، والتي نقل حكامها اللاحقون النورمانديون إلى بريطانيا بعد أن غزا النورمانديون تلك الأرض أيضًا، ثم من خلال الاتصال العميق مع قلب العالم الإسلامي أثناء الحروب الصليبية، ثم من خلال الاتصال بالدولة العثمانية، والتي يمكن اعتبارها أول قوة عظمى عالمية حقًا، مع سيطرة كاملة على البر والبحر. استمر الغرب في العيش في ظل الإسلام حتى تسبَّب الضعف الداخلي الدخيل في سقوط الدولة العثمانية من موقعها كدولة رائدة. وفي ذلك الوقت فقط (في أواخر القرن الثامن عشر) تمكن الغرب من التفوُّق على المسلمين، ودخلت دوله في صفوف القوى العظمى، وانبثقت حضارته من ظل الإسلام لتتبع مسارًا مختلفًا تمامًا وغير ديني، بعد أن قام الغرب بالفعل بمساومة شريرة مع الفكر المادي. إنّ العقيدة الكاذبة التي يتبنَّاها الغرب مستمرَّة في تقويض أي خير بقي فيه من اتصاله بالإسلام، وتعثُّر الغرب واضح لأولئك القادرين على رؤية ما وراء التلقين والدعاية الغربية. ومع كل جيل جديد، يتبنَّى الغرب خزعبلات جديدة باسم اتباع الحرية والديمقراطية، فرفض الشباب أعراف كبار السن، ولم يعد كبار السن قادرين على قبول الاتجاهات التي يتبعها شبابهم أو فهمها. بالنسبة لأصحاب المعرفة لن تتمكن الحضارة الغربية من الاحتفاظ بسيادتها إذا وجدوا الحضارة الإسلامية كبديل حضاري.

لم تكن الخسارة السابقة لدولة الخلافة الإسلامية نتيجة لانحدارٍ حضاريٍّ لا مفرَّ منه، بل على عكس الغرب الكافر، فإن العقيدة الإسلامية صحيحة وستظل صحيحة، ومن الخطأ اعتبار الأفكار العقائدية مجرد تخمينات، فالطريقة الصحيحة في التفكير قادرة على إنتاج استنتاجات فكرية تتجاوز إدراك المرء للحسِّ المباشر. والعقيدة الإسلامية لا تعتمد على التعميم الاستقرائي التأملي ولا على فرضية بديهية غير مثبتة، بل تبني العقيدة الإسلامية استنتاجًا فكريًّا محدَّدًا من خلال الإدراك الحسِّي المباشِر، دون الحاجة لأيِّ تكهُّنات. لم يكن سقوط الدولة الإسلامية ناتجًا عن خطأ ما في حضارتها وعقيدتها؛ ولكن بسبب تراكم الأفكار الغريبة الفاسدة التي أحاطت العقيدة كما تحيط الأعشاب الجذور. إن هذه العقيدة الإسلامية الخالصة هي التي تشتعل الآن رغم الانحطاط المتراكم عبر العصور، وتنبئ بنهضة جديدة في الأمة الإسلامية، إن الفهم المتجدِّد لحقيقة الإسلام ينتشر في الأمة الإسلامية، وكذلك الوعي بخداع الغرب، ونظام الحكم في الإسلام أرقى بكثير من تلك النظم التي طوَّرها الغرب. ولقد كان النظام الاقتصادي في الإسلام، الذي طُبق في بلاد المسلمين، هو الذي أنتج ازدهارًا لا مثيل له أثرى حتى بلاد الغرب من خلال تجارتها في بلاد المسلمين. كما كان النظامُ الاجتماعيُّ الإسلاميُّ هو الذي أوجد الانسجام في المجتمع لبناء أسر وكيان قوي، وقد كان نظام التعليم في الإسلام هو الذي أرسى الأسس الحضارية المبنية على المعرفة والتعلُّم، والتي جذبت النخبة الغربية إلى بلاد المسلمين، وقد كان نظام العقوبات في الإسلام هو الذي مكّن شعوبًا واسعة ومتنوِّعة من العيش معًا في سلام وعدل آمنين وهم يعرفون أن حقوقهم مصونة، وكانت السياسة الخارجية في الدولة الإسلامية هي التي أوجدت الاستقرار في الشؤون الدولية، مقدمةً المصالحة السياسية على الاشتباك العسكري، وقصرت الحروب على الاشتباكات المهنية بين الجيوش المدرَّبة.

يعرف الغرب الآن أنه فشل في هزيمة الإسلام فكريًا، وأنها مسألة وقت قبل أن ينتصر الإسلام سياسيًا، وقد قامت أمريكا (زعيمة العالم الغربي الحالي) بمحاولة أخيرة لوقف الإسلام من خلال شنِّها حربًا تسمى «الحرب على الإرهاب» حيث جلبت مئات الآلاف من جنودها إلى بلاد المسلمين؛ ولكن الجيوش الغربية فشلت في قيادة المسلمين وإخضاعهم، وأُجبرت على المغادرة بأسرع ما يمكن للاحتفاظ بسلامتها، فاكتشفت أمريكا مرة أخرى ما عرفه أسلافها الغربيون الكفار منذ زمن طويل، وهو أنه لا يمكن هزيمة المسلمين في ساحة المعركة. وبعد كارثتي العراق وأفغانستان، تبنَّت أمريكا أسلوبًا جديدًا، وهو توظيف جيوش المسلمين ضد بعضها البعض، مستخدمةً تركيا للتدخل في سوريا، والسعودية للتدخل في اليمن، ومصر للتدخل في ليبيا، فهي خائفة حتى من الدول التي يحكمها عملاؤها، وتقوم بموازنتها ضد بعضها البعض، فتحرِّض السعودية ضد إيران، وتركيا ضد مصر… لكن إلى متى يمكن للغرب أن يستمرَّ في مثل هذه المكائد من بعيد غير قادر على الحكم مباشرة في بلاد المسلمين؟! بإذن الله، ستطيح الأمة الإسلامية عما قريب بالطبقة الحاكمة العميلة التي فُرضت عليها، وتعيد إقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة، التي ستستأنف الحياة الإسلامية بالكامل، وتوحِّد جميع بلاد المسلمين، وتحرِّر البلاد المحتلة، وتعمل مرة أخرى على حمل  نور الإسلام إلى العالم أجمع.

أمريكا تقود انحدار الغرب وهي فرصة يجب على المسلمين الاستفادة منها (1)

 أمريكا تقود انحدار الغرب وهي فرصة يجب على المسلمين الاستفادة منها (1)

 

بقلم عبد المجيد بهاتي

مجلة الوعي: العدد 418 - السنة السادسة والثلاثون، ذو القعدة 1442هـ الموافق حزيران 2021م

لقد كتب الكثيرون عن تقهقر الغرب على مر السنين، لكن الموضوع لم يُؤخذ على محمل الجد، وفي بعض الحالات تم إنكاره من علماء غربيين بارزين مثل روبرت كاغان في كتابه «العالم الذي صنعته أمريكا»[1]، ومع ذلك، فقد كانت أزمة كوفيد-19 الحالية دفعة جديدة لتحريك هذا النقاش، ففيروس كورونا أصاب قلب الحضارة الغربية ليكشف عن عيوب بنيوية عميقة – في المجتمعات الغربية والنظام الدولي الذي يترأسونه – وهدّد نفوذ الهيمنة الغربية على العالم، وقد طرح كاتب العمود الشهير سيمون تيسدال في صحيفة الأوبزيرفر السؤال التالي حول أزمة كوفيد-19: «هل هذه واحدة من تلك المنعطفات التاريخية التي يتغيَّر فيها العالم بشكل دائم؛ حيث يتغيّر ميزان القوى السياسية والاقتصادية بشكل حاسم؟»[2].

الحضارة الغربية تصل إلى نقطة تحوُّل بالغة الأهمية

بعد مرور عام تقريبًا على طرح سيمون تيسدال لسؤاله حول ما إذا كانت جائحة كوفيد-19 تمثّل نقطة تحول للهيمنة الغربية، أجرت مجلة فورين بوليسي مقابلات مع بعض المفكرين البارزين في العالم حول آرائهم في الموضوع، ويبدو أن الرأي كان منقسمًا إلى حد ما؛ حيث يعتقد البروفيسور جون إكينبيري من جامعة برينستون أن الوباء سيزيد من اضطراب الغرب ومن «هشاشة المؤسسات الديمقراطية» و«هشاشة حضارة عصر التنوير»[3]، ويرى روبن نيبليت من تشاتام هاوس أن الغرب يفقد هيمنته الاقتصادية. ووَفقًا لنيبليت، فإن النموَّ الاقتصادي الصيني «مشحون بالتوربينات» ليصبح «أكبر اقتصاد في العالم» ويقبل بسهولة فكرة أن «شرق آسيا أصبحت مركزًا للنمو الاقتصادي العالمي»[4]، ويعتبر كيشور محبوباني من معهد الأبحاث الآسيوية التابع لجامعة سنغافورة الوطنية أكثر صراحة في تقديره بأن الأزمة قد حوَّلت الهيمنة من الغرب إلى الشرق؛ وقال: «إن الأرقام – أي وفيات كوفيد-19 – لا تكذب، وخلفها تكمن الحقيقة الكبرى، وهي أكبر بكثير من مجرد تحوّل الهيمنة من الغرب إلى الشرق، لقد عُرفت المجتمعات الغربية ذات يوم باحترامها للعلم وبعقلانيتها؛ إلا أن دونالد ترامب أسقط هذا القناع وبدَّد هذا الوهم»[5].

يعترف ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في كلية هارفارد كينيدي بأن جائحة كوفيد-19 «سرَّعت من تحوُّل ميزان القوى من الغرب إلى الشرق»؛ ولكنه لا يعتقد أن هذا سيغيِّر الهيمنة الغربية بشكل كبير[6]. ولرئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس رأيٌ مماثل حيث يقول: «لن يؤدي الوباء إلى إعادة تشكيل العلاقات الدولية بشكل أساسي»[7]، وهذه التقديرات ردَّدها أيضًا جوزيف ناي الأستاذ في مدرسة هارفارد كينيدي، فهو يعتقد أن العولمة التي صاغها الغرب – وخاصة أمريكا – ستستمر رغم أن الأسلوب سيتغيَّر[8].

على الرغم من أن أيًّا من هؤلاء المفكِّرين لم يتوقَّع انهيار الحضارة الغربية؛ إلا أن هناك إجماعًا واسعًا على أن الوضع السائد يمثل تحدِّيًا كبيرًا للسيادة الغربية، وقد انتقلت بعض القوة بالفعل من الغرب إلى الشرق، بغضِّ النظر عن المصالح المؤسَّسية الراسخة التي تكمِّم أفواه العلماء لتجبرهم على البوح بغير آرائهم الحقيقية، فإن عملية التنبُّؤ بسقوط الحضارات محفوفة بالصعوبات. وللتخفيف منها، فإن أفضل نقطة انطلاق هي تقييم العوامل الأساسية التي تعمل على تآكل الثقة في الهيمنة الغربية قبل الوباء، وأفضل نهج لتقييم تراجع الغرب هو فحص استجابة أمريكا (الدولة الرائدة في الغرب) لهذه العوامل، وهذا ما سيحدِّد ما إذا كانت أمريكا والغرب بالفعل في حالة انحدار.

التاريخ يعيد نفسه في انهيار الحضارات

من المثير للاهتمام أن بعض العلماء الغربيين قد افترضوا سيناريوهات مبتكَرة تتصوَّر نهاية الهيمنة الغربية من خلال تراجع أمريكا؛ ويفترض بول كينيدي أن الالتزامات العسكرية الأمريكية الخارجية التي حفَّزها الإنفاق بالعجز تدل على التراجع الوشيك لأمريكا[9]، بينما يبني علماء آخرون نظرياتهم على الطبيعة الدورية للتاريخ. وفي عام 1997م، زعم مؤرخان هواة هما ويليام شتراوس، ونيل هاو في كتابهما «التحوُّل الرابع: نبوءة أمريكية» أن الولايات المتحدة ستدخل في عام 2008م تقريبًا أزمة ستبلغ ذروتها في عشرينات القرن الواحد والعشرين[10]. ووفقًا لبيتر تورشين عالم الأنثروبولوجيا التطورية بجامعة كونيتيكت، فإنه يقول إن العالم يمرُّ بنوبات في دورة علمانية كل مائتي إلى ثلاثمائة عام؛ حيث في هذه الفترة يفوق عرض العمالة الطلب، وتصبح المنتجات رخيصة، وتزداد فجوة الثروة بين الأغنياء والعامة، وبعد ذلك ينشب الاقتتال الداخلي بين النخب في المجتمع، ويزداد بؤس الفقراء اتِّساعًا، ويدخل المجتمع في مرحلة تدمير ذاتي وينهار في النهاية، وتحدَّث تورشين أيضًا عن دورة أقصر بكثير مدتها 50 عامًا، وهي الفترة التي يتدمَّر فيها المجتمع تمامًا، وذلك بناءً على دراسته لتاريخ الولايات المتحدة، وقد تنبَّأ تورشين في عام 2010م أن الدورة القصيرة التالية ستكون في عام 2020م؛ لكنها ستتزامن مع دورة أطول مسبِّبة فوضى غير مسبوقة[11].

طوّر مالك صندوق التحوُّط الملياردير راي داليو نظرية مشابهة لنظرية تورشين والتي يفضِّل تسميتها بدورة الديون الطويلة؛ ومن وجهة نظر داليو، فإن هذه الدورة تأتي كل 50 إلى 75 عامًا، وتظهر فيها أربع سمات بارزة (طفرة في الابتكار، ونخبة سياسية منقسمة بشدة في الداخل، وتعاون ضئيل للغاية في الخارج بين الدول، وتحدٍّ صاعد)، وانتهت آخر دورة طويلة للديون في عام 1945م، بعد أن استفزَّ الكساد العظيم ألمانيا لتحدي النظام العالمي لبريطانيا. لقد انتصرت بريطانيا في الحرب؛ لكنها خسرت موقعها العالمي لصالح أمريكا التي أنشأت نظامًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا على أساس اتفاقيات بريتون وودز. ووَفقًا لداليو، فإن عام 2020م هو نهاية دورة الديون الطويلة؛ حيث ستؤدي إلى إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد العالمي مع الصين في المقدمة[13،12]، وقبل عقود من تورشين وداليو، تنبَّأ أوزوالد شبنجلر في عام 1922م بموت الحضارة الغربية، وكان مصرًّا على دخول الغرب موسمه الأخير.

قبل قرون من تبنّي المفكرين الغربيين نظريات تشرح ولادة السلالات والحضارات وانهيارها، وصف ابن خلدون في القرن الرابع عشر في مقدمته أربع مراحل دورية (التأسيس، والنمو، والانحدار، والانهيار) والتي أشعلت القوى الكامنة وراء صعود الدول والسلالات والحضارات وسقوطها، وتوقع ابن خلدون تكرار الدورة كل 120 عامًا، وقد تأثر المؤرخ أرنولد تونيبي بمقدمة ابن خلدون لدرجة أنه قال: «بلا شك إن نظرية ابن خلدون أعظم عمل من نوعه»[14].

التفسير الشامل والتطبيق للنظريات السابقة سيكون خارج هذه الورقة، ومع ذلك، سيتم استخدام بعض المعايير – مثل الخلل الوظيفي السياسي، وعدم المساواة في حيازة

الثروة، وصعود منافس للدولة القائمة

بشكل فضفاض لتقييم احتمالية تشريد أمريكا من الشؤون العالمية.

أمريكا تقود انحدار الغرب

هناك عدة أسباب لاختيار أمريكا على أوروبا لدراسة تقييم تراجع الغرب:

أولًا: منذ عام 1945م، أصبحت أمريكا الدولة الأولى في العالم، وبعد زوال الاتحاد السوفياتي في عام 1991م، أصبحت القوة العظمى الوحيدة حتى وقتنا الحالي، وخلال عصر ثنائي القطبية (فترة التنافس السوفياتي الأمريكي، أو ما يسمى بالحرب الباردة) كانت أوروبا مجرد متفرج، بالإضافة إلى ذلك، فإنه نتيجة للوفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والضغط الأمريكي، فقدت أوروبا القديمة (بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وغيرها) السيطرةَ المباشرة على العديد من المستعمرات.

ثانيًا: تم تشكيل القوة الاقتصادية لأوروبا وأمنها على يد أمريكا حصريًا من خلال خطة مارشال، ونشر القوات الأمريكية في القارة، وإنشاء حلف شمال الأطلسي، وبعبارة أخرى أخمدت القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية الحروب في القارة، ومنعت روسيا من المغامرة في أوروبا، وحوّلت أوروبا إلى معقل للسلام والاستقرار. ويقارِن الجدول التالي بين الناتج المحلي الإجمالي الاسمي والإنفاق العسكري بين القوى المختلفة في عام 2019م.

     France           UK         Germany          EU           Russia            China                  US

$  2.7tn

$  2.8tn

$  3.8tn

$  15.6tn

$  1.7tn

$  14.1tn

$  21.4tn

Nominal GDP

Military spending

$  50.1bn

$  48.7bn

 $ 49.3bn

$  255bn

$  65.1bn

$  261bn

$   732bn

ومن الواضح حتى يومنا هذا، أن أمريكا تتفوق على أوروبا في كلا المجالين. ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وزيادة المنافسة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فإنه من المرجح أن تتدهور هذه المؤشرات، مما يؤكد ضعف الاتحاد الأوروبي.

ثالثًا: عدم وجود سياسة خارجية أوروبية مشتركة وعدم القدرة على إبراز القوة العسكرية العالمية يعني أن أوروبا لا يمكنها منافسة أمريكا على المسرح العالمي، وحتى عندما تتصرف أوروبا ككل، أو بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا بمفردها، فإنها تعتمد في ذلك على القوة العسكرية الأمريكية وعلى الدعم السياسي لحماية مصالحها، وعلى سبيل المثال، لم يكن تحرير كوسوفو من صربيا عام 1999م والتدخل في ليبيا عام 2011م ليحدث بدون دعم الولايات المتحدة.

رابعًا: من أجل حلِّ المشكلة السياسية العالمية، يتَّجه العالم نحو القيادة الأمريكية وليس نحو أوروبا.

خامسًا: انتشار الثقافة الشعبية الأمريكية في جميع أنحاء العالم يُقزِّم أي شيء يمكن أن

تقدمه أوروبا، وقد شكّل هذا أذواق الملايين من الناس وميولهم… ومن ثَمَّ، فإنه يكفي كشف ضعف الهيمنة الأمريكية لإجراء تقييم حول تراجع الهيمنة الغربية.

وللتأكيد، فإن انحدار أمريكا ليس بالأمر الجديد، فالمدقِّق يلاحظ تراجع قوة أمريكا اقتصاديًا، وعسكريًا، وفي المجالات المحلية (مثل السياسة، والتعليم، والرعاية الصحية، والبيئة… وما إلى ذلك) وأيضًا من حيث الأولوية الجيوسياسية، ويُعرف أتباع هذا النظام عادةً باسم المتدرِّبين. يؤكد تشومسكي أن الولايات المتحدة كانت في حالة تدهور دائم، منذ عام 1945م[18]، ويؤكِّد آخرون مثل توماس فريدمان، ومايكل ماندلباوم أن أمريكا تشهد النوبة الخامسة من التراجع، ويزعمون أن الموجة الأولى رافقت صدمة سبوتنيك عام 1957م، وصادفت الموجة الثانية حرب فيتنام، وجاءت الموجة الثالثة مع سياسات الرئيس جيمي كارتر وصعود اليابان، وتزامنت الموجة الرابعة مع صعود الصين، واندلعت الموجة الخامسة بسبب الأزمة المالية العالمية لعام 2008م [19]، وقد تعافت أمريكا بشكل جيد بما يكفي لمواصلة هيمنتها العالمية. ومع ذلك، فهم يتغاضون عن التأثير التراكمي على القوة الوطنية لأمريكا وعن ثقافتها الديمقراطية وقوتها الاقتصادية وقوتها العسكرية.

تبحث هذه الورقة في الاتجاهات الأساسية التي قلَّلت من الهيمنة الأمريكية قبل كوفيد-19، وما يمكن توقُّعه في عالم ما بعد كوفيد-19، ولماذا يجب على البلاد الإسلامية اغتنام هذه الفرصة.

السياسة المختلَّة في الداخل الأمريكي:

من المتصوَّر أن أكثر التطورات التي يمكن التعرف عليها والتي تقوِّض من قدرة أمريكا على القيادة وبسط القوة والتأثير على النظام العالمي هو الخلل السياسي في الداخل. منذ وقت ليس ببعيد، كانت الديمقراطية الأمريكية موضع حسد العالم، ويطمع معظم الناس في جميع أنحاء العالم بنظام الحكم في أمريكا، والفصل بين السلطات وسيادة القانون؛ لكن هذا تبخَّر الآن، وكشف الاستقطاب في السياسة الأمريكية عن انقسامات لا يمكن تجاوزها بين الديمقراطيين والجمهوريين، والليبراليين والمحافظين، والسود والبيض، ومن يملك ومن لا يملك. ومنذ مطلع القرن، غذَّت هذه الانقسامات العميقة باستمرارٍ نظامًا سياسيًا معطّلًا بلغ ذروته في نهاية المطاف في هجوم على الديمقراطية الأمريكية من الأمريكيين أنفسهم في عهد الرئيس ترامب.

على الرغم من إعلان بايدن عن سياسة «عودة أمريكا»، فليس هناك ما يشير إلى أن هذه الجروح المتقيِّحة سوف تلتئم عمّا قريب؛ وهذا لأنه في الانتخابات العامة الأمريكية الأخيرة، صوّت 74 مليون شخص لصالح ترامب – ثاني أكثر حاصل على الأصوات في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية – وبايدن حصل على أكثر بقليل من 81 مليون صوت، وحافظ ترامب على نسبة تأييد تبلغ 87٪ بين الناخبين الجمهوريين و6٪ بين الديمقراطيين[20]، علاوة على ذلك، يعتقد 85٪ من الجمهوريين أن الانتخابات قد سرقت، وأن رئاسة بايدن غير شرعية[21]، وما يقرب من 50٪ من الناخبين يعارضون رئيسهم الجديد، وهو تحوُّل غير مسبوق في الأحداث، وقد أصبح الحزب الجمهوري الآن رسميًا حزب ترامب، وسوف يلقي هو ومؤيدوه بظلالهم طويلًا على السياسة الأمريكية في المستقبل المنظور، وهذا يعني أيضًا أنه سيتعين على السياسيين الجمهوريين أن يتبنَّوا بشكل متزايد سياسات ترامب وشكل خطابه للحصول على ترشيح الحزب، واكتساب القدر المناسب من النفوذ المالي للفوز في الانتخابات القادمة. ومن المرجَّح أن تجعل هذه البيئة اللعبة السياسيةَ أكثر حدَّة بين الجمهوريين والديمقراطيين. وأقرَّ بايدن في خطابه الافتتاحي على أن «الديمقراطية الأمريكية هشة» وحثَّ على ألا تكون السياسة الأمريكية مثل «نار مستعرة تدمّر كل شيء في طريقها». ونصح أن «كل خلاف» لا ينبغي أن يكون «سببًا لحرب شاملة».[22]

عامل آخر من شأنه أن يشل السياسة الأمريكية هو عملية التصويت في مجلس الشيوخ؛ حيث سيجد بايدن صعوبة في تمرير أجندته الرئيسية للإصلاح الداخلي وفي سنّ القوانين، وبسبب المبادئ التوجيهية الإجرائية؛ حيث تتطلب معظم التشريعات في الكونجرس تأييد 60 صوتًا في مجلس الشيوخ، ويجب أن تتعامل مشاريع قوانين المصالحة مع مجموعة من المتطلبات المعقَّدة المعروفة باسم «قاعدة بيرد»[23]، وسيجد بايدن صعوبة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية فيما يتعلق بتعهداته الانتخابية الرئيسية المتعلقة بالصحة والتعليم والوعود الأخرى. الأسوأ من ذلك أن أي تحرك ضد الجمهوريين المحبوبين يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات عنيفة في الشوارع، أو مواجهة تحديات في المحكمة العليا حيث يفوق عدد القضاة المحافظين عدد التقدميين بنسبة 6 إلى 3. العامل الأكثر تدميرًا في السياسة الداخلية الأمريكية هو أنه من غير المرجح أن

يوقع الحلفاء والأعداء على الصفقات، مدركين أن قدوم شخصية مثل ترامب في المستقبل قد تقلب أي اتفاق يتم التوصل إليه مع بايدن، وسيحدّ هذا من قدرة أمريكا على إقناع الدول بأن تحذو حذوها. ومع وضع النخب السياسية نفسها على الدوام في مقدمة الأيديولوجيا والمصلحة العامة، ستؤدي الانقسامات السياسية الراسخة في أمريكا إلى أزمة طويلة الأمد كما تنبَّأ داليو.

المراجع:

[1] Kagan, R. (2013). The world America made. New York: Vintage Books, a division of Random House.

[2] Tisdall, S. (2020). Power, equality, nationalism: how the pandemic will reshape the world. The Guardian. Available at: https://www.theguardian.com/world/2020/mar/28/power-equality-nationalism-how-the-pandemic-will-reshape-the-world.

[3, 4, 5, 6, 7, 8] Foreign Policy, (2021) The World after the Coronavirus: We asked 12 leading thinkers to predict what happens in 2021 and beyond. Foreign Policy. Available at: https://foreignpolicy.com/2021/01/02/2021-coronavirus-predictions-global-thinkers-after-vaccine/

[9] Kennedy, P. (1988). The Rise and Fall of Empires. New Ed edition, Publisher: William Collins.

[10, 11] New Scientist (2016). End of days: Is Western civilisation on the brink of collapse?. New Scientist. Available at: https://www.newscientist.com/article/mg23731610-300-end-of-days-is-western-civilisation-on-the-brink-of-collapse/

[12] Deal Street Asia (2020). Billionaire investor Ray Dalio says pandemic to usher in new world order with China on top. Deal Street Asia. Available at: https://www.dealstreetasia.com/stories/pandemic-china-ray-dalio-187533/

[13] Wall Street Journal (2018). Why history goes in circles. Wall Street Journal. Available at: https://www.dealstreetasia.com/stories/pandemic-china-ray-dalio-187533/

[14] Rodenbeck, M. (2012). The cycle of history. Economist. Available at: https://www.economist.com/news/2012/11/21/the-cycle-of-history

[15] Amdad, K. (2020). Largest Economies in the World: Why China Is the Largest, Even Though Some Say It’s the U.S. the balance. Available at: https://www.thebalance.com/world-s-largest-economy-3306044

[16] Statista, (2020). The 15 countries with the highest military spending worldwide in 2019. Statista. Available at: https://www.statista.com/statistics/262742/countries-with-the-highest-military-spending/

[17] World Bank (2020). GDP (current US$) – Russian Federation. World Bank. Available at: https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?locations=RU

[18] Chomsky, N. (2011). American Decline: Causes and Consequences, al-Akhbar. Available at: https://chomsky.info/20110824/

[19] Joffe, J. (2011). Declinism’s Fifth Wave, The American Interest. Available at: https://www.the-american-interest.com/2011/12/09/declinisms-fifth-wave/

[20] Gallup, (2020). “Presidential Approval Ratings — Donald Trump” [online] Gallup. Available at: https://news.gallup.com/poll/203198/presidential-approval-ratings-donald-trump.aspx

[21] Eurasia Group, (2021). “Top Risks 2021” [online] Eurasia Group. Available at: https://www.eurasiagroup.net/issues/top-risks-2021].

[22] The White House, (2021). “Inaugural Address by President Joseph R. Biden, Jr.” [online] The White House. https://www.whitehouse.gov/briefing-room/speeches-remarks/2021/01/20/inaugural-address-by-president-joseph-r-biden-jr/

[23] New York Times, (2021). “With New Majority, Here’s What Democrats Can (and Can’t) Do on Health Care” [online] New York Times. Available at: https://www.nytimes.com/2021/01/07/upshot/biden-democrats-heath-plans.html. [يتبع]