Sunday, November 29, 2020

مجلة الوعي: العدد: 411 أخبار المسلمين في العالم

 مجلة الوعي: العدد: 411 أخبار المسلمين في العالم

 

الصراع الأذربيجاني الأرميني: “صراع عالمي ضد المسلمين”

أفادت صحف فرنسية بأن «مارك دي كاكويراي فالمينيه» زعيم مجموعة «Zouaves Paris» اليمينية المتطرفة أعلن التوجه إلى إقليم «قره باغ» للقتال إلى جانب الأرمن ضد أذربيجان، في إطار ما يقوله التنظيم إنه «صراع عالمي ضد المسلمين» ويعرِّف «دي كاكويراي فالمينيه» نفسه بأنه «فاشي» بحسب الصحيفة، ويؤكد انتهاج منظمته أيديولوجية «النازية الجديدة» وأعلنت المجموعة مرارًا دعمها للانفصاليين والقوات الأرمنية في الإقليم المحتلّ منذ عقود، في إطار «صراع عالمي ضد المسلمين»، معتبرة أن «مستقبل قارتنا وحضارتنا على المحك في قره باغ» ولم يتضح عدد الفرنسيين المتواجدين في قره باغ للقتال إلى جانب الأرمن ضد أذربيجان. وأعرب «دي كاكويراي فالمينيه» عن رغبته بإنشاء «لواء من المتطوعين الأجانب» بالتعاون مع الأرمن، بحسب الصحيفة. هذا وقد أعلنت أذربيجان وجود عناصر أجنبية، ولا سيما من «حزب العمال الكردستاني» وميليشيات لمواطني دول مختلفة من ذوي أصول أرمنية، ولا سيما لبنان. وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك يأتي في إطار «تقليد قديم» لليمين المتطرف، موضحة أن العشرات شاركوا خلال السبعينات في القتال في لبنان مع الكتائب المسيحية، فضلًا عن مشاركتهم في نزاعات بمناطق أخرى مثل ميانمار وأنغولا. وفي الآونة الأخيرة، اجتذب الصراع في أوكرانيا العديد من المقاتلين الفرنسيين، بحسب الصحيفة، فضلًا عن أنشطة منظمة «زواف باريس» داخل البلاد. هذا وتشير كلمة «زواف» إلى فوج من الجيش الفرنسي إبان احتلال الجزائر، يضم مرتزقة محليين وأجانب.

الوعي: إن الحرب على الإسلام قائمة بأشكال مختلفة، وبشكل معلن وغير معلن، وكلها يقوم بها دول وعناصر وفئات تغلب عليهم العنصرية والبعد عن الحق، وهي تضم أشرَّ الخلق. والأرمن الذين أحسنت إليهم دولة الخلافة أكثر من غيرهم؛ ولكن اتَّق شر من أحسنت إليه.

السفير الأمريكي بإسرائيل: فوز ترامب سيغير الشرق الأوسط لـ 100 عام مقبلة

في تصريحات أدلى بها لصحيفة «جيروزاليم بوست” (الإٍسرائيلية) الناطقة بالإنجليزية، أعلن السفير الأمريكي لدى (إسرائيل) ديفيد فريدمان إن السياسات التي يعتزم الرئيس دونالد ترامب تنفيذها في حال فوزه بولاية رئاسية ثانية ستقود إلى تحول في الشرق الأوسط للمئة عام المقبلة، مشيرًا إلى عمله لتوسيع دائرة التطبيع مع (إسرائيل) وتشديد الضغط على إيران.وأضاف فريدمان أن أصدقاء الولايات المتحدة الحاليين والمحتملين يتوقون للانضمام إلى دائرة السلام والاستفادة من ثمارها، بينما «أولئك المعادين فليبقوا خارجها» وتابع أن إيران تئن تحت الضغط المتعاظم عليها، بينما يعاني المانحون للفلسطينيين من الجفاف، حسب تعبيره. وبعد أن تباهى بتطبيع دول عربية علاقاتها مع (إسرائيل) قال فريدمان إن هناك ما بين 5 إلى 10 دول أخرى على أهبة الاستعداد لإقامة علاقات مع (إسرائيل) وعندها سيدرك الفلسطينيون أنهم في الجانب الخطأ من التاريخ وسيغيرون اتجاههم، حسب رأيه. ومضى السفير الأمريكي إلى القول إن إعادة انتخاب ترامب رئيسًا ستحوِّل العقلية من المقاومة إلى الاصطفاف للصعود للطائرة، حسب تعبيره.

الوعي: إننا نزيد على هذا السفير اليهودي الذي يعتبر من الأكثر تأييدًا لـ (إسرائيل) بالقول إن إيران هي على نفس خط التطبيع الذي يسير عليه المطبِّعون؛ ولكن الدور الأمريكي الموكَل إليها يقتضي أن تقف هذا الموقف المعادي ظاهريًا… ولكن ما لا يعرفه إلا المسلمون الملتزمون بأمر ربهم أن (إسرائيل) لن يقضي عليها إلا عباد لله أولي بأس شديد تقودهم دولة خلافة راشدة… إن الأرض المباركة هي على موعد آخر مع النصر، بإذن الله، وكل آتٍ قريب.

هكذا ينخرط أرمن لبنان في حرب قره باغ

يتفاعل الشارع الأرمني بشكل ملحوظ مع الحرب الأرمينية الأذربيجانية من خلال سماع أصوات الأناشيد الأرمينية التي تصدح في الأحياء، والمشاركة في حملة جمع التبرعات المالية للشعب الأرمني والمقاتلين في إقليم ناغورني قره باغ «للدفاع عن وجودنا» و«أجسادنا في لبنان وأرواحنا في أرمينيا، نشعر أحيانا بالعجز نتيجة غيابنا عن ساحة المعركة، لكننا نقاوم بما نستطيع إليه سبيلًا» و»نشعر بمحاولة جديدة لإبادتنا في أرتساخ (ناغورني قره باغ) بعد 100 عام من مجزرة طبعت تاريخنا وغيرت مصير حياتنا» و»سنفعل المستحيل من أجلهم، حتى لو اضطر الأمر أن نتطوع جميعًا بالجيش الأرميني، فإما أن نكون في قضية وجودنا وإما لا نكون» كما يصرحون. ويرفضون وصف الأرمن الذين التحقوا بالمعارك بـ «المرتزقة»، ويرون أنهم «يدافعون عن حقهم بالوجود في أرمينيا وكل العالم» وهكذا نرى أن أرمن لبنان يعيشون حالة من الترقب والقلق، ما دفع العشرات منهم للسفر نحو أرمينيا، إمّا لإيصال المساعدات، أو حتى للقتال إلى جانب قواتها، أو لمتابعة المعارك وتوثيق أحداثها بالصور والفيديوهات. وهم يتمتعون بروابط عائلية في أرمينيا، وهو ما يجعلهم يتابعون يوميًا لوائح أسماء القتلى للبحث عن معارفهم….

الوعي: الأرمن أينما كانوا يعيشون، فإنما يعتبرون أن أرمينيا هي بلدهم الأصلي، وأنهم أمة واحدة، وهم يعادون المسلمين في كل قضاياهم.

الإمارات تدافع عن ماكرون وتدعم مواقفه ضد المسلمين

أوردت  (CNN) أن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أكد في اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الممارسات الإرهابية تتنافى مع مبادئ الأديان السماوية، مشددًا على رفضه «خطاب الكراهية» وأكد الشيخ محمد بن زايد على «عمق العلاقات ورسوخها بين البلدين الصديقين» وعبر عن إدانته الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها فرنسا، وكذلك رفضه «بشكل قاطع أي تبرير للإجرام والعنف والإرهاب» وأعرب عن تقديره «للتنوع الثقافي في فرنسا واحتضانها لمواطنيها المسلمين الذين يعيشون تحت مظلة القانون ودولة المؤسسات التي تخدم معتقداتهم وثقافاتهم ويمارسون فيها حقوقهم في هذا الإطار». وفي الإطار نفسه، رفض وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجيّة أنور قرقاش في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت الألمانيّة» فكرة أن يكون ماكرون عبّر عن رغبة في إقصاء المسلمين. وقال قرقاش: «يجب الاستماع إلى ما قاله ماكرون فعلًا في خطابه، هو لا يريد عزل المسلمين في الغرب، وهو محقّ تمامًا» وأضاف أنّه يجب على المسلمين أن يندمجوا بشكل أفضل، وأنّه من حقّ الدولة الفرنسية البحث عن طرق لتحقيق ذلك بالتوازي مع مكافحة التطرّف والانغلاق المجتمعي.

الوعي: يعتبر الشيخ محمد بن زايد من الحكام الأكثر مسموعية فيما يتعلق بالحرب على الإسلام، ومحاربة الإسلاموية؛ لذلك يعتبر اتصاله بالرئيس الفرنسي هو من باب تأييده والنصيحة له فيما يجب عليه أن يقوم به في الحملة على الإسلام.

الناطقة باسم حكومة بريطانيا تثير تفاعلًا بعد تغريدة لحديث عن أبي بكر الصديق

أثارت الناطقة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، روزي دياز، تفاعلًا بين نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تغريدة نقلت فيها حديثًا عن أبي بكر الصِّدِّيق (الخليفة الراشد الأول بعد النبي صلى الله عليه وسلم)حيث قالت: «يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «لا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلًا ولا تغرقنه… يبدأ اليوم العد التنازلي لانعقاد قمة العمل المناخي 26 في المملكة المتحدة العام المقبل… من واجبنا الحفاظ . على (الأرض) لنعالج معًا ظاهرة تغير المناخ». عشرون يومًا من الحرارة المميتة سنويًا، وانهيار النظم البيئية، ونزوح لأكثر من مليار شخص، هذه كلها سيناريوهات محتملة يمكن أن تدمر المجتمعات بحلول العام 2050، إذا لم يُتخذ إجراء سريع ودراماتيكي للحد من تغير المناخ، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن مركز للأبحاث يدعمه قائد عسكري أسترالي سابق. التقرير الذي أعده المركز الوطني للبحث في تغيرات المناخ ومقره ملبورن قام برسم مستقبل قاتم؛ حيث قد يتشرد أكثر من مليار شخص، وينخفض إنتاج الغذاء، وتصبح بعض مدن العالم الأكثر اكتظاظًا بالسكان مهجورة جزئيًا.

الوعي: إن هذا التصريح هو شكل من أشكال فرض الإسلام نفسه في العالم كحضارة نظيفة مستقبلية لها. وفي الوقت نفسه يظهر فشل الحضارة الغربية التي أوجدت أزمة مناخ عالمية تهدد شعوب العالم، ولا تأخذ طريقها للحل بسبب مطامع الرأسماليين الذين لا يهمهم إلا جشعهم ومصالحهم.

            الصين تفصل آلاف الأطفال من الإيغور عن آبائهم

وفقًا لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه في إطار»سياسة منهجية لتفريق العائلات» يعاني الآلاف من أطفال الإيغور المسلمين في الصين بعد إجبار أمهاتهم أو آبائهم أو كليهما على دخول معسكرات الاعتقال الصينية والسجون وغيرها من مرافق الاحتجاز. وقال الباحث أدريان زينز: «إن استراتيجية بكين لإخضاع الأقليات المضطربة في شينجيانغ تتحول بعيدًا عن الاعتقال، وتتجه نحو آليات السيطرة الاجتماعية طويلة الأجل. هي معركة تؤثر على قلوب وعقول الجيل القادم» وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من مليون مسلم اعتقلوا في شينجيانغ، ويقول نشطاء إن جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية تقع هناك. ويقول الباحثون والمدافعون عن الحقوق إنها تهدف إلى القضاء على الثقافة المحلية، وقمع نمو سكان الإيغور. وفي المقابل، يدافع المسؤولون الصينيون عن سياساتهم باسم جهود التخفيف من حدة الفقر ومكافحة الإرهاب. وغالبًا ما يتم وضع الأطفال في ملاجئ أيتام تابعة للدولة أو مدارس داخلية ذات إجراءات أمنية مشددة، حيث تتم مراقبة الطلاب عن كثب. وفي جميع الفصول على الأطفال التحدث بلغة الماندرين بدلًا من لغتهم الأم الإيغورية. هذا وتندد الولايات المتحدة بمعاملة الصين للإيغور وغيرهم من الأقلية المسلمة في شينجيانغ، وفرضت عقوبات على مسؤولين صينيين تنحي عليهم باللائمة في الانتهاكات.

 الوعي: إن المسلمين الإيغور يعانون مأساة شديدة بسبب دينهم كغيرهم من المسلمين في العالم، ولئن سمعنا عن أن أميركا تدين هذه الانتهاكات فهي بدورها تقوم بأكثر مما تقوم به الصين وغيرها من جرائم ضدهم، بل هي تتقدم على الجميع. وكلهم يقومون بذلك تحت دعوى محاربة الإرهاب. تريد بهذه الدعوى أن تستخدمها لمصلحتها في حربها الباردة مع الصين… إن مأساة الإيغور، كما مآسي المسلمين في كل مكان، لن يحلها إلا دولة الخلافة  القادمة إن شاء الله. وإذا أراد المسلمون أن ينتهوا من كل مآسيهم فليس لهم إلا هذا السبيل.

تنسيق أمني بين المغرب و(إسرائيل) مقدمة لقيام تطبيع علني

نقلت قناة (إسرائيلية) أخبارًا حول زيارة سرية لوفد أمني مغربي رفيع المستوى قضى بـ (إسرائيل) مدة أسبوع في فندق وسط البلاد، وقد أسفرت المحادثات إلى الاتفاق على ما أسمته ذات المصادر بـ«بالتعاون المشترك» إن التعاون المغربي (الإسرائيلي) ليس وليد اليوم بل يأخد أشكالًا متقدمة في إطار تطبيع غير ظاهر للعلن؛ إذ  إن العلاقات (الإسرائيلية) المغربية في شقها الاقتصادي كذلك قد قطعت أشواطًا متقدمة بعيدًا عن التداول الإعلامي؛ حيت أضحت المبادلات التجارية بين البلدين تعرف نموًا ونشاطًا كبيرين.

الوعي: تعتبر دولةالمغرب من الدول العربية السبَّاقة في التطبيع السري مع (إسرائيل) وهي تترأس «لجنة القدس» وانتقالها إلى التطبيع العلني سيفضح دورها الخفي في ترؤسها لهذه اللجنة، وأنها كانت توزيع أدوار للإمساك بقضية فلسطين من كل أطرافها. فلا تحسبوا انتقالها هذا شرًا للمسلمين بل هو خير لهم، وهذا التطبيع إنما هو تطبيع حكام، والأمة منه براء.  

مجلة الوعي: العدد 411: مع القرآن الكريم

 مجلة الوعي: العدد 411: مع القرآن الكريم

 

( لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤).

هذه الآيات الثلاث هي خاتمة سورة البقرة، وقد انتهت بما بدأت به: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

وكما بدأت بالبشرى للمؤمنين بالفلاح، انتهت كذلك بما سماه الصحابة (نزول الفرج) بتجـاوز الله سبحانه عما داخل النفوس، وعدم المحاسبة إلا على ما يظهر من قـول أو فعـل، والله غـفـور رحـيم (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ ).

ثم كان فضل الله العظيم ورحمته الواسعة وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، فعلمنا دعاء يحيي القلوب ويشرح الصدور في ضراعة للرحمن بالإجابة والقبول:

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦).

هذه الآيات الثلاث ختمت هذه السورة العظيمة ببيان فضل الله العظيم على عباده المؤمنين، فسبحان الله رب العرش العظيم! يبين الله سبحانه في هذه الآيات ما يلي:

إن الله سبحانه هو مالك السموات والأرض وكل ما تحتويه، يتصرف فيها كيف يشاء لا رادّ لحكمه، يعلم الجهر وما يخفى ويحاسب عليه، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير.

أخرج مسلم عن ابن عباس قال: “لما نزلت (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ ) قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من قبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا. قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ )”[1].

وفي رواية أخرى أخرجها مسلم عن أبي هريرة وأخرجها أحمد كذلك عن أبي هريرة قال: “لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثَوا على الركب فقالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمـال مـا نطـيق: الصـلاة والصوم والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم (سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا) بل قولوا (سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥) فلما أقرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها (ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ) الآية”[2].

ويتبين من هذين الحديثين أن الآية (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ) نسخت بالآية ( لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ) وذلك بالنسبة للمحاسبة على ما يخفيه الإنسان في نفسه (أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ).

أ‌. وهنا لا يقال كيف يُنسَخ الخبر حيث إنَّ الآية في صيغة الخبر (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ) لا يقال ذلك لأنها وإن كانت خبرًا فهي في معنى طلب الترك أي: لا تظهروا من الأمور إلا الخير، وكذلك لا تضمروا إلا الخير، فالله يحاسبكم على ما تبدونه وما تخفونه، ففيها نهي عن إضمار الشر وعن إظهاره؛ ولذلك فهم الصحابة منها تكليفًا بأن ينتهوا عن إظهار الشر وعن إضماره، وثقل عليهم أن يحاسبوا على ما في داخل نفوسهم لأنهم وجدوا أن المرء قد يخشى الله ويتذكر الجنة فيقلع عن تنفيذ ما أضمره فلا تظهر عليه في قول أو فعل، فإن كان محاسبًا على ما أضمره دون تنفيذه يكون أمرًا ثقيلًا.

وعليه فإن الصــيـغـة الخـبرية في الآية – الجملة الشـــرطـية – هي في معنى طلب الترك أي النهي عن الشـــر، سواء ظهر على الجوارح من قول أو فعل أم لم يظهر بل بقي في النفس مستترًا.

وهذه الآية على نحو قوله سبحانه: ( إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ ) الأنفال/آية65 فهو هنا في صيغة الخبر – الجملة الشرطية – ولكنها في معنى الطلب، أي ليقاتل الواحد منكم عشرة من الكفار ولا يفر من أمامهم، ثم نسخت هذه الآية بقوله سبحانه (ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ ) الأنفال/آية66 أي ليثبت الواحد لاثنين.

ب. كذلك لا يقال إن ما يخفيه المرء في نفسه إن كان يتعلق بالعقيدة فإن الله يحاسبه بذلك، وهذا الحكم باقٍ والنسخ يعني إزالة الحكم، وعليه فلا نسخ بل يكون تخصيصًا بالآية الأخرى ( لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ) في الأحكام الشرعية.

لا يقال ذلك لأن الآية (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ)ليست في العقيدة بل في الأحكام الشرعية وذلك بقرينة تكملة الآية (فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ) والمغفرة لا تكون في مخالفة العقيدة لأن ما يداخل النفس من شكّ أو ارتياب فيها هو كفر، والله لا يغفر أن يشرك به ( إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ ) النساء/آية48.

فكون هناك احتمال المغفرة لما يظهر أو يخفى فهذا يعني أن الآية نصّ في الأحكام الشرعية وليست في العقيدة.

ج. كذلك ليس هناك من داعٍ لمحاولة التأويل في الآية لاستبعاد النسخ فيقال مثلًا إنها متعلقة بإبداء الشهادة أو كتمانها، أو أنها متعلقة بإتيانكم بالسوء الظاهر عليكم أو بإتيانكم السوء ولكن خفية، بمعنى أن ( تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) أي إبداء الشهادة أو إبداء فعل السوء ثم (أَوۡ تُخۡفُوهُ) أي كتمان الشهادة أو فعل السوء خفية، لا يقال ذلك لأن الموضوع متعلق بما يظهر ( تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) وما لا يظهر أي يبقى مستترًا لا يظهر بقول أو فعل (أَوۡ تُخۡفُوهُ ) وذلك بدلالة (مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ). أما إذا ظهر أي نفذ بقول أو فعل، سواء بشكل معلن ظاهر أم نفذ في الخفاء، فكلّ ذلك واقع تحت (وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) وذلك إذا سئل شخص الشهادة فأنكرها أو أخفى جزءًا منها وذكر الباقي أو حرف أو بدّل فإن كلّ ذلك لا يقع تحت (أَوۡ تُخۡفُوهُ )بل تحت (وَإِن تُبۡدُواْ ) لأن الإخفاء في الآية هو ما لم يظهر بقول أو بفعل بقرينة (فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) ولذلك فلا يصحّ مثل هذا تفسيرًا لما ذكر في الآية (أَوۡ تُخۡفُوهُ ) فالتأويل البعيد لمعنى الآية لإبعاد النسخ لا يصحّ ما دام معنى اللفظ واضحًا دون تأويل. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن الروايات الصحيحة كما ذكرنا في أسباب النزول تقول بالنسخ، ويقول به كذلك عدد كبير من الصحابة – رضوان الله عليهم –

د. كذلك لا يقال لو كان المقصود (مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ) هو الذي يدور في النفس، فإن الله سبحانه بذلك قد كلفنا بما لا يطاق لأن خطرات النفس لا يمكن التحكم بها، أي أن الآية قبل النسخ تكون تكليفًا بما لا يطاق بهذا المعنى.

لا يقال ذلك لأن الإخفاء في الآية غير متعلق بخطرات النفس بل بما تضمره من سوء ولكن لا تنفذه، كأن يضمر شخص في نفسه أنه سيسرق أو يزني أو سيشتم فلانًا أو سيعتدي عليه، هذا هو الإخفاء أي ما يبقى حبيسًا في النفس ولا يظهر بقول أو فعل، وكل هذا في مقدور المرء فهو ليس تكليفًا بما لا يطاق.

والآية قبل النسخ تفيد أن هذه الأمور يحاسب الله عليها حتى لو لم ينفذها الشخص، ولهذا وجده المسلمون ثقيلًا لأن النفس أمَّارة بالسوء، وقد يرد هذا في النفس ثم يخشى العبد ربه فلا يقوم به، فإن كانت العقوبة على غير ما يظهر من فعل أو قول فإن الحمل عندها يكون شاقًا ثقيلًا.

أما إن كانت العقوبة على ما يظهر من قول أو فعل فإن التحكم في هذا أيسر، فالمرء قد يضمر شرًا ولكنه يتذكر غضب الله ونار جهنم فيرعوي ويخشى الله ولا يقوم بتنفيذ ذلك الشر، فثقل على المسلمين أن يكون الحساب والعقاب على ما يخفونه في أنفسهم لكنهم يقلعون عنه ولا ينفذونه لا في قول ولا فعل.

فاستجاب الله لهم ورحمهم ونسخها بأن جعل التكليف والحساب والعقاب على كسب العبد واكتسابه، أي ما يظهره من أفعال وأقوال بجوارحه دون ما يضمره في نفسه ولا بقول أو فعل.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح ما يؤكد ذلك: “إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم“[3].

وأخرج مسلم من طريق أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ».

فكانت الآية قبل نسخها تعني أن المرء لو أضمر في نفسه سيئةً ما كأن يسرق أو يعتدي على فلان ثم لم ينفذ ذلك لا بقول ولا فعل، فإنه كان يتعرض لحساب الله على ذلك قبل نسخ الآية، وبعد النسخ أصبح لا يتعرض للحساب إلا عند قيامه بتنفيذ ما أضمره بقول أو فعل، وإن لم ينفذ بقول أو فعل فإن الله سبحانه يتجاوز له عنه فضلًا من الله ورحمته.

ولذلك فإن المسلمين اعتبروا نسخها فرجًا عليهم كما روي ذلك من قول بعضهم “حتى أنزل الله الفرج” بنزول قوله سبحانه: (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ).

( فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ ) قدم الله سبحانه المغفرة على العذاب لتقدم رحمته سبحانه على غضبه ولحثّ المؤمنين على الاستغفار والتقرب إليه سبحانه فيتقوا بذلك غضب الله وعذابه.

(وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ٢٨٤) فهو القاهر فوق عباده لا رادّ لقضائه، فإن غفر فهو الغفور الرحيم، وإن عذّب فهو العزيز الحكيم.

تكريمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلموالمؤمنين الذين اتبعوه يخبرنا سبحانه أنهم آمنوا وصدقوا جازمين بالله وملائكته وكتبه ورسله، فهي شهادة من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلممن باب التكريم له وللمؤمنين السائرين على دربه المهتدين بهديه صلى الله عليه وسلم.

وقد كرمهم الله بصدق إيمانهم وقوة إخلاصهم، يسمعون لله ويطيعون، ويستغفرونه سبحانه، ويؤمنون بيوم يرجعون فيه إلى الله، يرجون منه رحمته سبحانه وفضله. كما أنهم يؤمنون برسل الله جميعًا، ولا يفرقون بينهم، فرسل الله من حيث النبوة لا فرق بينهم، وإن كان الله سبحانه قد ميزهم بميزات أخرى مثل نسخ الشرائع حيث أكرم الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن جعل رسالته خاتمة الشرائع وناسخة لأحكامها كما بيناه في الآية الكريمة (۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ) وعدم تعارضها مع (لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ) فهو عدم تفريق في النبوة، فالرسل أجمعون من حيث النبوة سواء، لا تفريق بينهم.

هكذا بين الله سبحانه في كتابه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته وسار على ذلك المؤمنون وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، بعد أن كانوا كما قال سبحانه (كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ) فهم مؤمنون صادقون يسمعون ويطيعون سماع قبول واستجابة لا كالكفار من أهل الكتاب في قولهم (سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا) البقرة/آية93، وهم كذلك يسألون الله المغفرة في كل آن، وبالآخرة يؤمنون وأنهم لا بد إلى رب السموات والأرض راجعون.

[1]               مسلم: 180، الترمذي: 2918، أحمد: 1/233، ابن حبان: 11/458

[2]               مسلم: 179، أحمد: 1/332

[3] البخاري: 5269، مسلم: 201، 202

أحاديث في فضل القرآن الكريم وثواب قراءته

 أحاديث في فضل القرآن الكريم وثواب قراءته

 

مجلة الوعي: العدد 411 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الثاني 1442هـ – تشرين الثاني 2020م

– عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى أهلين من الناس. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته» صحيح الجامع. [لينظر المسلم، هل هناك وصف أشرف له من هذا الوصف!].

– عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» أبو داود وقال حديث حسن صحيح.

– عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

– عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» البخاري.

– عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» مسلم.

– عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القران: اقرأْ وارتقِ ورتل ْكما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» صحيح الجامع.

– عن جابر رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد» صحيح البخاري.

– حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» مسلم.

– عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلِّهِ، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ ارضَ عنه، فيقال: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة» الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

– قال عمر رضي الله عنه: أما إنَّ نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» مسلم.

– عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» متفق عليه.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذِن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنَّى بالقرآن» البخاري ومسلم.

– عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفَّة فقال: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان والعقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين بغير إثم بالله ولاقطع (قطيعة) رحم؟» قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: «فلئن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خيرًا له من ناقتين، وإن ثلاث فثلاث، مثل أعدادهن من الإبل» رواه مسلم.

– عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: «يا ويله» وفي رواية أبِي كُرَيْبٍ: «ياويلى، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار». صحيح مسلم.

– عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن معاوية َأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمخَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَال:َ أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» صحيح مسلم.

– عن النواس بن سمعان الأنصاري: «يُؤْتَى بالقُرْآنِ يَومَ القِيامَةِ وأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ به تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، وآلُ عِمْرانَ، وضَرَبَ لهما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قالَ: كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ بيْنَهُما شَرْقٌ، أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن صاحِبِهِما» صحيح مسلم.

– عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» متفق عليه.

– عن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول له: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى المـُلك بيمينه والخـُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا. فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلًا» صحيح رواه أحمد وابن ماجة.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول سبحانه وتعالى:  «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله  سبحانه وتعالى عن سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.

– عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا القرآن، فإن الله تعالى لا يعذب قلبًا وعى القرآن. وإن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر» رواه الدارمي.

– عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجًا يوم القيامة ضوءُه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» رواه أبو داود.

– عن ابن عمر رضي الله عنهعن النبي  صلى الله عليه وسلم: قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» متفق عليه.

– عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللَّه عنهما قال: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الَّذي لَيس في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

أَعْمِل عقلَك ولا تكُن إمَّعة

 أَعْمِل عقلَك ولا تكُن إمَّعة

 

أ. ياسر أبو الوليد

مجلة الوعي: العدد 411 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الثاني 1442هـ – تشرين الثاني 2020م

ميَّز الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرَّمه عن باقي المخلوقات بالعقل، وجعل العقل مناط التكليف، وبإعماله يصل الإنسان إلى حقيقة وجود الله تعالى، ويدرك عظم آياته الكونية، ومراد الله تعالى من خلق هذا الكون والإنسان والحياة.

فالإسلام ضبط للمسلم طريقة تفكيره، والكيفية الصحيحة التي يُعمِلُ بها عقله، وكذلك ضبط نفسيته وفق الأحكام الشرعية؛ فكان المسلم شخصية متميزة، صاحب رأي وقرار، قادرًا على الفهم والربط والإدراك، مستندًا على أصول ثابتة للوصول إلى نتائج صحيحة، وكانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تحثُّ المسلم على إِعْمال عقله في التدبر والتعقل والتفكر، وقد مدح الله تعالى من يقوم بهذه العبادة بقوله: ( ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١).

وفي المقابل كان الذم والتحذير من العقوبة الشديدة التي تنتظر من يجمد عقله ويعطله ويصبح تابعًا لغيره، تبعية خالية من أدنى مقومات التفكير. قال تعالى: (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩).

يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا تكونن إمَّعة. قالوا: ما الإمعة؟ قال: يقول أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديْت، وإن ضلُّوا ضللت.

يلفِتُ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود نظرنا ويحذرنا من الحالة (الإِمَّعية) التي من الممكن أن تتسلل إلى البلاد الإسلامية، هذه الحالة التي كانت موجودة في الأمم السابقة، وقد ذكر الله في القرآن الكريم أمثلة كثيرة عن أممٍ تفشَّت فيها هذه الحالة وأصبحت تُسيِّرُ سلوكها، وها نحن اليوم نراها رأي العين بدأت تتسرب إلى أفراد أمَّتِنا وتُؤثِّرُ بهم.

والإمَّعُ: الذي يقول لكل أحد: أنا مَعك، ولا يثبت على شيء لضعف رأيِه، وقد وصف الله تعالى حال هؤلاء الإمَّعات أبلغَ وصفٍ بقوله سبحانه: (وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤). فالإِمَّعة هو عكس الشخص المبدئي؛ فالإنسان المبدئي يحمل وجهة نظر معينة عن الحياة، ومجموعة من المفاهيم التي يعتمد عليها في تسيير سلوكه، فتكون آراؤه وأفعاله مستندة إلى وجهة نظره المبدئية، وبالتالي يكون شخصية مستقلة في القرار صاحب رأي وتأثير. وأما الإِمَّعة فهو صاحب شخصية فضفاضة، خالية من أي فكر، يسير مع التيار أينما سار، أحيانًا يساير وأحيانًا ينافق، ليس لديه مفاهيم يعتمد عليها، بل يعتمد على مفاهيم من يتَّبع، متقلب الآراء، حقيقة حاله كما وصفه الله تعالى بقوله: ( مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ )، شعاره الذي يسير عليه في الحياة:

«وما أنا إلا من غزيةَ إِنْ غَوَتْ      غَوَيْتُ وإن ترشد غزيةُ أرشد»

لقد كانت هذه الحالة التي تعيشها الشعوب الإسلامية نتيجة طبيعية لجهود قرون من الدول الغربية، عَمِلت من خلالها على هدم الروابط التي تجمع المسلمين، فقامت بالغزو الثقافي من خلال طرح وجهة النظر الغربية مقابل وجهة النظر الإسلامية، وضرب المفاهيم الموجودة لدى المسلمين، وأوجدت شرخًا بين المسلمين وكيانهم الذي يطبق عليهم وجهة النظر الإسلامية، واستطاعت بعد جهد جهيد تحطيم هذا الكيان، بقرار إلغاء نظام الخلافة، فظهرت على أنقاضها دويلات مصطنعة، تحمل صفة الإِمَّعية، تابعة للدول الغربية، مسلوبة القرار في سياستها الداخلية والخارجية لا رأي لها ولا مشورة، تعمل على إرضاء أسيادها ولو على حساب مصلحة شعوبها، تطبق قوانين الدولة المتبوعة ووجهة نظرها في الحياة ولو خالفت معتقدات شعوبها!

ولقد أخذ الإعلام الدور الأكبر في ترسيخ المفاهيم الخاطئة لدى الشعوب المسلمة، وتعزيز صفة الإِمَّعية لديهم، من خلال ضبْعِهِم بالغرب بمظاهره المدنية وتطوره العلمي والثقافي والمعماري والاقتصادي وحرياته المزعومة، محاولًا تشكيل قناعة لدى المسلمين بالنموذج الغربي، وأن لا نهضة للمسلمين إلا بتبني هذه النماذج وتطبيقها.

وكذلك أخذ المجال التعليمي دوره في دَسِّ السُمِّ في العسل، فشوَّه التاريخ الإسلامي، وعمِل على إنشاء جيل ضعيف الشخصية، متواكل، وأخذ يصدِّر في مناهجه شخصيات سيئة السمعة وينظف تاريخها ويبرزها على أنها شخصيات قيادية وقدوات واجبة الاتباع.

وبالتالي بدأت الحالة الإِمَّعية بالانتقال من الدول إلى الشعوب، وبدأت تنتشر هذه الحالة وتفتِك بالمجتمعات وللأسف، وبدأ تعطيل العقول يظهر بشكل واضح من خلال اتباع شخصيات يُبرزها الإعلام، في طريقة تفكيرها ولباسها وطعامها وحركاتها، هذه الشخصيات الدينية منها والإعلامية والمفكرين والباحثين والسياسيين وحتى المطربين والراقصين، وأصبح الاتّباع مدعاةً للفخر والاعتزاز.

فأصبح حالنا كما وصفه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، عن أبي سعيد رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ؟!» رواه الشيخان.

وأمام هذا الواقع المؤلم الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية، لا بد لنا من وضع نقاطٍ على حروف، تشكِّلُ عباراتٍ تحمل في طيَّاتها أفكارًا وحلولًا لانتشال المسلمين من هذه الحال الإِمَّعية التي فتكت بمجتمعاتهم. وإن أهم خطوة يجب القيام بها، هي العودة إلى سيرة قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف غيّر المفاهيم الموجودة في مجتمع الجاهلية. فقد كان حالهم أسوأ من حالنا من اتباع الآباء والعادات والتقاليد. يقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ ١٧٠).

نعم، هكذا كان حالهم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الأفكار والمفاهيم البالية، واستبدل بها مفاهيم إسلامية واضحة، فخط لهم طريقًا مستقيمًا واضح المعالم والهدف ودعاهم إليه، وصبر عليهم. وفي الوقت نفسه عمل على تربية الصحابة تربيةً تجعل منهم قيادات أصحاب مبدأ ورأي. وكذلك أسس دولة مبدئية مستقلة في سياستها الداخلية والخارجية، قوانينها وأحكامها من الشرع، هذه الدولة أنشأت أمة عظيمة، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أحسنت إليهم ولم تظلمهم.

فلنعمل جميعًا لتخليص أمَّتنا من حالة الضعف والتبعية التي تعيشها، والنهوض بها من جديد لإعادتها إلى مكانتها الحقيقية، خير أمَّةٍ أُخْرِجت للناس.

فيا أيها المسلم إن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عباده، فالعقل من أعظم النعم، فأدِّ شكر هذه النعمة، و»أَعْمِل عقلَك ولا تكُن إمَّعة».

من حدائق الخلفاء الراشدين: أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه مِثال الخلفاء الراشدين الأوَّل

 من حدائق الخلفاء الراشدين: أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه مِثال الخلفاء الراشدين الأوَّل

 

مجلة الوعي: العدد 411 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الثاني 1442هـ – تشرين الثاني 2020م

إن الأمة الإسلامية مرَّت من قبل بظروف وأوضاع شديدة لم تقلَّ معاناتها وخطورتها عما تعانيه اليوم، ولقد صاحبت الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأوضاع الشديدة القاسية ما تنوء بحمله الجبال في كل مراحل دعوته، واستمرت في التعاقب مع صحابته الكرام، وظهرت في أخطر وجوهها في الفترة الأولى من تولِّي الصدِّيق لمنصب الخلافة، ولا غرو في ذلك، إذ على المسلمين أن يعلموا أن ساحة الصراع بين الحق والباطل لا تهدأ، ولا يجوز لها أن تهدأ حتى تقوم الساعة… فالأحداث التي حدثت أيام أبي بكر دلَّت بشكل مبكر على أن الخلافة تحلُّ مباشرة بعد موقع النبوة في القيام بأمر الإسلام والمسلمين، ولا يمكن تجاهل هذا الموقع ولا السير في الحياة بدونه. ولا غرو في أن يصفها الأوَّلون، وكما هو واقعها في الإسلام، أنها درع الإسلام الواقي وحصنه الحصين، بها يُعَزُّ دين الله وأهله، ويُذَّلُّ الكفرُ وأهله، بها يطبَّق الإسلام، وبها تُنشر دعوته… والخليفة كذلك يأتي دوره في الأهمية بعد دور رسول الله في إقامة الحق والعدل بين الناس، ورعاية مصالح المسلمين، وصون حرماتهم، وجمع شتاتهم، وحفظ بيضتهم. فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك لنا من يخلفه، فعن أَبي هريرةَ قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ، قالوا: يَا رسول اللَّه، فَما تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوفُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعطُوهُم حَقَّهُم، وَاسأَلُوا اللَّه الَّذِي لَكُم، فَإنَّ اللَّه سائِلُهم عمَّا استَرعاهُم” متفقٌ عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به».

فما أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر أهمية هذا  المنصب في الإسلام، والذي لم يكن الإسلام ليستمر بدونه؛ لذلك كان هذا المنصب بحق هو منصب الخليفة لرسول الله، ويجب أن لا يُفقد من حياة المسلمين، ولا أن يُتهاون في ذلك، وإلا فإن إثم تعطيله سيعم المسلمين، وسينالهم إثم ما تعطَّل بتعطيله من الأحكام. وما أكثرها! ولا يمكن أن يغطي إثم القعود عن إقامتها عبادة المتعبدين، ولا صيام الصائمين، وهذا ما هو حاصل اليوم… نعم، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واختيار أبي بكر أول خليفة في الإسلام من بعده، مرَّت على المسلمين أوضاع خطيرة، كاد الإسلام أن يذهب لولا حفظ الله وهدايته بثبات أبي بكر على الموقف الحق. حدَّث البيهقي عن أبي هريرة قال: «والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة».

لقد كان للخليفة الأوَّل مواقف تبين أهمية هذا المنصب في الإسلام في حفظ الدولة والأمة والسير بها نحو مرضاة الله في إقامة الدين، وتبيِّن ثمرة ما أعدَّه الرسول صلى الله عليه وسلم من الرجال الذين حملوا الأمانة الثقيلة من بعده، وكان أوَّلهم في هذه التربية والإعداد هو أبو بكر الصِّديق، ثاني اثني الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار، هذا الصحابي الذي ما إن جلس على كرسي القيادة، حتى دهمت الدولةَ الفتية ودينَها داهمة الردة! فبعض القبائل رفضت أداء الزكاة، والزكاة ركن من أركان الإسلام لا يجوز التديُّن إلا بها، وبعضها نقض عهده مع الإسلام والمسلمين كلية، وبعضها الآخر رفض الانصياع للقيادة الجديدة. ولم يبقَ للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، ووصل الحال بالمسلمين وبدولتهم الفتية إلى حال لم يكن ليتوقعَها أحد أن تحدث بهذه السرعة، ولا عجب في ذلك؛ إذ إن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة، وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم الـمَطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم».

هذا الصحابي الجليل الذي لم يسبقه في الصحبة أحد، عندما استلم قيادة المسلمين، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد لجيش أسامة أن ينفذ إلى الشام، ووضع في جيشه كبار الصحابة… رفض أن يحلَّ هذه العقدة كما أشار عليه كبار الصحابة من أجل التفرُّغ لقتال المرتدين وغيرهم ممن تمرد وشقَّ عصا الطاعة، وكان من ضمنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه… امتنع عن ذلك، وأبى أشدَّ الإباء، وأصر كلَّ الإصرار على أن ينفذ هذا الجيش قائلًا في فهم مدهش للإسلام قصُر عنه الآخرون من كبار الصحابة: «واللهِ، لا أحُلُّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطيرَ تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرَّت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزنَّ جيش أسامة، وآمر الحرس يكونون حول المدينة». ولما قال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، قال: «والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته».

هكذا كان أبو بكر، كما وصفته أم المؤمنين عائشة من حديث القاسم وعمرة قالت: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة، وأشرأب النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم معزى مطيرة في وحش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها».

نعم، لقد كان خروج بعث أسامة في ذلك الوقت من أكبر المصالح، أدرك ذلك أبو بكر بصحة فهمه ودقة تقيُّده بالشرع؛ فإنهم لما ساروا لا يمرُّون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة. وفي ذلك قال أبو هريرة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر، ردَّ توجُّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة، فقال: «والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللتُ لواءً عقده رسول الله»، فوجَّه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم؛ ولكن ندعهم حتى يلقَوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام.

ولقد كان أبو بكر يواجه من المسلمين اعتراضات على أوامره لا تقل أثرًا في خرم القيادة من مواجهة الأعداء، ولكنها سرعان ما كانت تزول؛ لأن القوم كانوا قريبي عهد برسول الله وشديدي إيمان وتمسك بالإسلام وأشد حرصًا على الطاعة… كانوا وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما زال بين ظهرانيهم. وروى سيف بن عمر عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما عن الحسن البصري أن أبا بكر لما صمَّم على تجهيز جيش أسامة، قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمِّر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال إنه أخذ بلحيته وقال: «ثكلتك أمُّك يا ابن الخطاب، أؤمِّر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم نهض بنفسه إلى الجرف، فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير وسار معهم ماشيًا وأسامة راكبًا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصِّديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال: «والله لستَ بنازل ولستُ براكب»، ثم استطلق الصِّديق من أسامة عمر بن الخطاب وكان مكتتبًا في جيشه فأطلقه له، فلهذا كان عمر لا يلقى أسامة بعد ذلك إلا قال: «السلام عليك أيها الأمير».

ولنعرض بعض ما ذكرته كتب السيَر في هذا الموضوع، فقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية [الجزء السادس]:

فصل في تصدِّي الصِّديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة

قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، ونجم النفاق بالمدينة، وانحاز إلى مسيلمة الكذَّاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفَّت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيِّئ، وبشر كثير أيضًا. وادَّعى النبوة أيضًا كما ادَّعاها مسيلمة الكذاب وعظم الخطب، واشتدت الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة فقلَّ الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها، فجعل الصِّديق على أنقاب المدينة حراسًا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود… وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة، ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصِّديق، وذكر أن منهم من احتجَّ بقوله تعالى: (خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ ).قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا، وأنشد بعضهم:

أطعنا رسول الله إذ كان بيننا  ***  فواعجبا ما بال ملك أبي بكر

وقد تكلم الصحابة مع الصِّديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألَّفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكُّون فامتنع الصِّديق من ذلك وأباه. وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علامَ تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها». فقال أبو بكر: واللهِ، لو منعوني عناقًا، (وفي رواية: عقالًا) كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنَّهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله،ِ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة». قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.

وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة ابن سوار، ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان قال: لما كانت الرِّدَّة، قام أبو بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رثَّ حبله، وخلُق عهده، وضلَّ أهله منه، ومقتَ الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيَّروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه. والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلَّهم دينًا في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب، فختمهم الله بمحمد وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم وبغى هلكتهم، (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ١٤٤) إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم ولم يكونوا في دينهم، وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالًّا فهداه، وعائلًا فأغناه،(وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ ). والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدًا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥) ثم نزل.

وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ… ) قالوا: المراد بذلك أبو بكر وأصحابه في قتالهم المرتدين ومانعي الزكاة. وقال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة. وارتدت أسد، وغطفان، وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن. وارتدت كندة ومن يليها وعليهم الأشعث بن قيس الكندي. وارتدت مذحج ومن يليها وعليهم الأسود بن كعب العنسي الكاهن. وارتدت ربيعة مع المعرور بن النعمان بن المنذر. وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب. وارتدت سُليم مع الفجأة واسمه أنس بن عبد ياليل. وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة.

وقال القاسم بن محمد: اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودًا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال: «لو منعوني عقالًا لجاهدتهم، فردهم، فرجعوا إلى عشائرهم فأخبروهم بقلة أهل المدينة وطمَّعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد، وقال: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون ليلًا يأتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يؤمِّلون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، فاستعِدُّوا وأعِدُّوا، فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارة، وخلَّفوا نصفهم بذي حسى ليكونوا ردءًا لهم، وأرسل الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم أن الزموا مكانكم، وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ العدو واتبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسي، فخرج عليهم الردء، فالتقوا مع الجمع فكان الفتح.

وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس، وبني مرة، وذبيان، ومن ناصب معهم من بني كنانة، وأمدَّهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها، ثم أرسلوها من رؤوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب الصِّديق نفرت وذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئًا إلى الليل وحتى رجعت إلى المدينة.

فلما وقع ما وقع، ظنَّ القوم بالمسلمين الوهن وبعثوا إلى عشائرهم من نواحٍ أخر فاجتمعوا، وبات أبو بكر رضي الله عنه قائمًا ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسًا ولا همسًا حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولَّوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة وكان أول الفتح، وذلَّ بها المشركون، وعزَّ بها المسلمون، ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلنَّ من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة.

فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام وأهله، وذلك أنه عزَّ المسلمون في كل قبيلة، وذلَّ الكفار في كل قبيلة، ورجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، سالمـًا غانمًا، وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم، وصفوان، والزبرقان: إحداها في أول الليل، والثانية في أوسطه، والثالثة في آخره، وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب، فكان الذي بشَّر بصفوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشَّر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، والذي بشَّر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود، ويقال: أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه وذلك على رأس ستين ليلة من متوفَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه في الوقعة المتقدمة إلى ذي القصة فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلًا. فقال: واللهِ لا أفعل، ولأواسينَّكم بنفسي، فخرج في تعبئته إلى ذي حسى، وذي القصة والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق، وهناك جماعة من بني عبس وذبيان وطائفة من بني كنانة فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفًا، وأخذ الحطيئة أسيرًا فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا، وقد غلب بني ذبيان على البلاد، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنَمَناها الله، وحمى الأبرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة، ولما فرَّت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة.

خروجه إلى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر

وذلك بعدما جمَّ جيش أسامة واستراحوا، وركب الصِّديق أيضًا في الجيوش الإسلامية شاهرًا سيفه مسلولًا من المدينة إلى ذي القصة وهي من المدينة على مرحلة، وعلي بن أبي طالب يقود براحلة الصِّديق رضي الله عنهما، فسأله الصحابة منهم علي وغيره وألحُّوا عليه أن يرجع إلى المدينة، وأن يبعث لقتال الأعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الأبطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقد لهم الألوية لأحد عشر أميرًا. وقد روى الدارقطني عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «لمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك» وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا».

وقال سيف بن عمر: عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد لما استراح أسامة وجنده، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواء: عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة ابن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثره إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بني قضاعة. وللمهاجر ابن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح. ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام. ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة، ووديعة، والحارث. ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا، وبعرفجة، وهرثمة وغير ذلك. ولطرفة بن حاجب وأمره ببني سُليم ومن معهم من هوازن. ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن. وللعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين – رضي الله عنهم –

وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة، ورجع الصِّديق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصِّديق كتابًا إلى الربذة، وهذه نسخته:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والهوى، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، نقرُّ بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده. أما بعد، فإن الله أرسل بالحق من عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا لينذر من كان حيًّا ويحقَّ القولُ على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعًا وكرهًا، ثم توفي الله رسوله وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيَّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال: (إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠)وقال: (وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ) وقال للمؤمنين: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤)فمن كان إنما يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظٌ لأمره منتقمٌ من عدوه، وإني أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم، وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهدِه الله ضالٌّ، وكل من لم يُعِنْه الله مخذولٌ، ومن هداه غير الله كان ضالًّا، قال الله تعالى: (مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا) ولن يقبل له في الدنيا عمل عبد حتى يقر به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرَّ بالإسلام، وعمل به اغترارًا بالله، وجهلًا بأمره، وإجابةً للشيطان، قال الله تعالى: ( وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠)وقال: (إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦) .

وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عز وجل، فإن أجاب وأقرَّ وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد غير الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فإن أبَوا عاجلوهم، وإن أقرُّوا حمل منهم على ما ينبغي لهم». رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.

تلك حديقة ذات بهجة من حدائق خليفة رسول الله الأول، ما كان أن ينبت ثمرها إلا بإذن الله. وإن المسلمين ليحنُّون ويتشوَّقون لطعمها، وإن الله لهو الهادي إلى الصراط المستقيم… اللهم اهدِ هذه الأمة لأرشد أمرها ووفقها لإقامة خلافة راشدة تكون على ما كانت عليه زمن الخلفاء الراشدين الأول، اللهم آمين.