Monday, December 13, 2021

طرق التصدّي لأساليب الاستعمار في الاحتواء والتبعية (2)

 طرق التصدّي لأساليب الاستعمار في الاحتواء والتبعية   (2)

 

حمد طبيب – بيت المقدس

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

لقد تحدثنا في موضوع سابق عن طرق وأساليب الكفار في إيقاع أبناء المسلمين جماعات وأفرادًا ودولًا في حبائل التبعية والعمالة والولاء السياسي؛ وذلك ليسهل عليهم السيطرة على بلادنا وثرواتنا ومقدراتنا، ولتبقى أرض المسلمين وسماؤهم وبحارهم مسرحًا ومراحًا لقواتهم العسكرية وبوارجهم وحاملات طائراتهم العملاقة. وقد ذكرنا أساليب عدة يتّبعها هذا المستعمر المجرم للسيطرة على بلاد المسلمين في كسب ولاء بعض جماعاتهم وأفرادهم. وفي هذا الموضوع سنتحدث عن الأساليب المعاكسة المضادَّة لهذا المستعمر؛ في التصدّي والتحدّي والوقوف في وجهه، وذلك من باب الإرشاد والنصح لأبناء أمة الإسلام؛ خاصة وأننا نعيش هذه الأيام معركةً حامية الوطيس مع هذا المستعمر؛ في اتِّباع أساليب ماكرة خبيثة للإيقاع بأبناء المسلمين في حبائله ومؤامراته؛ وذلك لضرب العمل الإسلامي للتغيير، وإعادة الحكم بما أنزل الله، ومحاولة إجهاضه.

وقبل أن نذكر أساليب التحدي والتصدي لأساليب الاستعمار، نريد أن نقف على بعض الحقائق كمقدمة لهذا الموضوع.

الحقيقة الأولى: الكفر كله بكافة ملله ونحله ودوله وأحزابه وأفراده، عدوٌ لأمة الإسلام؛ يخطط باستمرار للقضاء عليها، ويبذل جهده بكافة الأساليب والوسائل والطرق من أجل هذه الغاية الإجرامية الشريرة. وقد شهد رب العزة جل جلاله في أكثر من آية قرآنية على هذه الحقيقة، وأثبتت أحداث التاريخ منذ عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام حتى يومنا هذا صدق هذا الإخبار الإلهي السامي، قال الحق تعالى: (إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا)[النساء: 101] وقال: (قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ) [آل عمران: 118]. وقال: (وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ ) [البقرة: 109]. وأما حقائق التاريخ فهي كثيرة ومتعددة، وبدأت منذ بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، واستمرت حتى هدم الخلافة سنة 1924م وما زالت حتى يومنا هذا. فقد حاول كفار مكة في بداية الدعوة قبل قيام الدولة الإسلامية، وحاول اليهود والمشركون داخل المدينة وحولها بعد قيام الدولة، حاولوا قتل الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة، لولا أن الله عز وجل عصمه من الناس. وحاولوا كذلك القضاء على الدولة الوليدة في المدينة المنورة في معركة بدر وفي أحد والخندق وغيرها من الوقائع، ثم كانت محاولات فارس والروم بعد ذلك.

الحقيقة الثانية: بعد فشل الحرب العسكرية والفكرية الصريحة على أمة الإسلام وعلى دين الإسلام، صار الكفار يبدّلون جلودهم في إظهار العداوة، ويبتكرون الأساليب الجديدة لضرب الإسلام والمسلمين. وأخطر أنواع هذه الحرب؛ هي التضليلية وسياسات الاحتواء والتبعية السياسية. وهذا الأمر وإن كان يبتكر أساليب جديدة حسب الواقع والأحداث وطبيعة الصراع؛ إلا أنه نشأ مع بداية الدعوة في مكة المكرمة؛ حيث حاول كفار مكة استمالة الرسول عليه الصلاة والسلام عبر محاولات ماكرة من أجل طمس هويته والتنازل عن فكره الجديد، والرضا بعرَضٍ من الدنيا؛ في منصب أو مال أو سلطان. فقد ذكر ابن هشام في السيرة قال: اجتمع نفر من زعامة مكة مع الرسول عليه الصلاة والسلام عند الكعبة فقالوا له: «يا محمد، إن كنت إنما جئتَ بهذا الحديث تطلب به مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا. وإن كنتَ إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسوّدك علينا (نجعلك سيدنا وزعيمنا)، وإن كنت تريد به ملكًا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيَّا تراه قد غلب عليك – وكانوا يسمون التابع من الجن رئيَّا – فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ». وهذه المحاولات في الإيقاع والإسقاط لا تنتهي ولا تقف عند حد؛ فهي مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩) [البقرة: 109].

الحقيقة الثالثة: ازدادت الحرب التضليلية ومحاولات حرف المسار والاحتواء على بلاد المسلمين وعلى أبناء المسلمين، وصار الغرب يؤسس مراكز خاصة من أجل هذه الغاية الماكرة؛ بحيث يقيّم الأمور، ويعمل دراسات متجددة في كل فترة من خلال هذه المراكز؛ وذلك بعد مرحلة صعود الإسلام السياسي في بلاد المسلمين، والتفاف أبناء المسلمين بقوة حول هذا الأمر، لتخليص بلادهم وإنقاذها من الواقع المتردي الذي أوصلهم إليه عملاء الاستعمار من الحكام. وكذلك ازداد التفاف المسلمين حول فكرة الإسلام بعد ظهور عوار رأسمالية الغرب الاقتصادية، وظهور عوار ديمقراطيتهم وحرياتهم. وزاد الغرب حرصًا على احتواء المسلمين بعد التفاف المسلمين حول الجماعات العاملة للتغيير في بلاد المسلمين، وظهور عوار الحكام الموالين لهذا الغرب في تلك البلاد؛ فصار الكفار يتبنون حتى (فكرة الدولة الإسلامية)؛ بشكل مضلِّل ومحرَّف؛ كما حصل في إيران وباكستان وتركيا والسودان، وفكرة إنشاء جماعات جهادية تحت سيطرة الاستعمار كما حصل في العراق والشام وأفغانستان… وغيرها من المناطق في العالم. وهذا الأمر ربما يستمرّ حتى بعد قيام دولة إسلامية مخلصة في البلاد الإسلامية؛ كمشروع لمحاولة وأدها عن طريق المحيط لهذه الدولة.

هذه بعض الأمور كان لا بد من إلقاء الضوء عليها قبل بيان الأساليب والطرق في التصدي لسياسات الاحتواء والتبعية في بلاد المسلمين. أما طرق التصدي والتحدي للكافر المستعمر في محاولاته للاحتواء وحرف المسار، فإننا نوجزها ضمن الأمور التالية:

1- الفهم والوعي وبعد النظر والإحاطة: ونقصد بهذه الأمور، الفهم للإسلام عقيدةً وأحكامًا؛ لأنه هو القاعدة القوية والجدار الصلب وصمَّام الأمان الأول لأي فرد من أبناء أمة الإسلام، أو الجماعات أو حتى الدولة الإسلامية عند قيامها. فالله تعالى، ورسوله عليه الصلاة والسلام، وصحابته من بعده قد أرشدوا إلى ضرورة الوعي والإحاطة والفهم النيِّر الصحيح. فالله سبحانه أرشدنا في آيات كثيرة إلى ضرورة الفهم والإحاطة فيما يعترض المسلمين من أمور. قال تعالى: (وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣) [النساء: 83]. فهذه الآية وإن كانت تتحدث عن فئة معينة؛ هي فئة النفاق؛ إلا أن فيها إرشادًا لباقي المسلمين، وهو الوقوف على الأمور بشكل صحيح، قبل أي تصرف وعدم الانجرار العاطفي بسرعة، خاصة أن الكفار يتلوّنون ويغيِّرون جلودهم للإيقاع بالمسلمين، وحرف مسارهم. والأصل أن ترَدّ الأحداث والوقائع إلى حكم الله ورسوله عن طريق أهل الفهم والوعي والإحاطة. ومن الفهم كذلك معرفة ما يخطط له الكفار بشكل دائم، وأنهم لا يريدون خيرًا بأمة الإسلام أفرادًا وجماعات، قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦) [الأنفال: 36]. ومن الإحاطة معرفة ما يجري حول المسلمين من أحداث ومؤامرات وأساليب ماكرة. وهذا ما تحدثت عنه بدايات سورة الروم؛ حيث أخبرت المسلمين في بداية الدعوة عن حدث بعيد عن دائرتهم، وهم في أشد الظروف مضايقة وتعذيبًا وتضييقًا. ومع ذلك لم يهمل الإسلام هذا الجانب من الأخبار والبشارة الربانية. قال تعالى: (الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦) [الروم: 1-6]. وقد راهن أبو بكر رضي الله عنه الكفار في حدث بعيد عن ديار المسلمين، وأراد أن يثبت لهم الوعي والإحاطة لدى المسلمين في فهم الوقائع والأحداث من خلال دين الإسلام. وفعلًا ربح أبو بكر الرهان في المرة الثانية، وأثبت للكفار بعد النظر والإحاطة على الأحداث عند المسلمين!!. والرسول عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نتعامل مع الأمور بفهم ووعي وإدراك وإحاطة؛ فقال عليه الصلاة والسلام في وصف المسلم وموقفه تجاه الأمور وحذره وإحاطته: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» متفق عليه، وكان عمر رضي الله عنه يقول: «لست بالخب، ولا الخب يخدعني»؛ والخب هنا المخادع المراوغ. وقد كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه من بعده يفهمون الواقع فهمًا صحيحًا، ويعونه وعيًا جيدًا، ويجمعون الحقائق عن الكفار؛ فقد جمع الرسول عليه الصلاة والسلام معلومات دقيقة عن تحركات جيش الكفار قبل غزوة بدر الكبرى؛ حيث أرسل بسبس بن عمرو الجهنيّ، وعديّ بن أبي الزغباء الجهنيّ ليأتياه بخبر القوم، وتحركاتهم العسكرية. وأرسل من يجمع المعلومات في مخيم الكفار في غزوة الأحزاب فقال: «أَلَا بِرَجُلٍ يَأْتِيَنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، ثم أمر حذيفة رضي الله عنه لهذه المهمة. وأرسل عليه الصلاة والسلام الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه؛ يتعلم لغة اليهود ليعرف أخبارهم، ويقرأ رسائلهم، قال رضي الله عنه: «أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَعَلّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ، وَقالَ إِنّي وَالله مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قالَ: فَمَا مَرّ بي نِصْفُ شَهْرٍ حَتّى تَعَلّمْتُهُ». وكان خلفاؤه كذلك على قدر من المعرفة والإحاطة والمتابعة لتحركات الجيوش؛ في الشام وفي العراق وبلاد فارس وفي فتح القدس حيث كانوا على منهج رسولهم في الفهم والإحاطة والمعرفة.

2- الحذر من الكفار بشكل عام، وعدم طاعتهم في أي أمر، حتى لو أمروا بمعروف، ونهوا عن منكر، وعدم الانضمام لمؤسساتهم الدولية أو الإقليمية، حتى وإن ادَّعت الأهداف النبيلة والغايات السامية ما دامت هذه المؤسسات تحت قيادته وسلطانه. وأيضًا عدم مشاركتهم في أي حرب؛ حتى وإن كانت ضد دولة عدوة للمسلمين، من دولة معاهدة أو مسالمة من الكفار. فالله سبحانه وتعالى يقول: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠) [آل عمران: 100]. فعصبة الأمم هي مؤسسة أنشئت لضرب الدولة الإسلامية، وجمعت فيها دول عدة لهذه الغاية سنة 1919م بعد الحرب العالمية الأولى، وامتدَّ الأمر إلى هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية، التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945م. فالأصل هو عدم مشاركة هذه المؤسسات حتى وإن دعت إلى معروف ونهت عن منكر؛ لأن هذا الأمر يكون مغلّفًا بغايات خبيثة ماكرة؛ تهدف إلى ضرب الإسلام والمسلمين ومشاريعهم في التغيير. وقد شاركت تركيا بعض الدول الأوروبية في الحرب العالمية الأولى، فسخَّرتها هذه الدول في غايات لا تخدم المسلمين أبدًا، وكانت سببًا في تحطيمها عسكريَّا، ووقوعها تحت رحمة الكفار ثم تفككها وانهيارها.

وقد ضرب لنا الحق تعالى مثلًا واضحًا في قصة مسجد الضرار؛ حيث أراد المنافقون ومن وراءهم من الكفار، ضرب المسلمين في عقر دارهم؛ وذلك عن طريق عمل خير هو بناء مسجد! فكان العمل الظاهر فيه الخير، ولكنه مبطَّن بعمل شرير، هو الحرب على المؤمنين وقتلهم. قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧ لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨) [التوبة: 107-108].

3- الوقوف في وجه الكفار ومحاولاتهم لبسط سلطانهم على بلاد المسلمين من خلال المساعدات المادية أو العسكرية والحماية، وما شابه ذلك من أعمال ظاهرها فيه الخير، وباطنها فيه الشر والمكيدة والحرب. فالله عز وجل شهد بأن كل درهم ينفقه الكفار في بلاد المسلمين هو للقضاء عليهم وضربهم في دينهم، قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦) [الأنفال: 36]. وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل فيقول: «اللَّهُمَّ، لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ وَلَا لِفَاسِقٍ عِنْدِي يَدًا وَلَا نِعْمَةً، فَإِنِّي وَجَدْتُ فِيمَا أَوْحَيْتَهُ إِلَيَّ (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ)». وأخذ القروض أو المساعدات من الكفار يجعل لهم طاعة علينا، وشروطًا يشترطونها، والله سبحانه نهى عن طاعتهم، ونهى أن يكون لهم سلطان من الطاعة أو غيرها علينا، قال تعالى: (وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء: 141].

4- التصدِّي لمحاولات الكفار في تقصدها للجماعات الإسلامية لإشراكها في الحكم؛ لتكون جزءًا من الفساد الموجود، وتدافع عنه. وهذا الأمر هو من أخطر سياسات الاحتواء. والأصل عدم طاعة هؤلاء الكفار في شراكاتهم ولا حكوماتهم في البلاد الإسلامية؛ فالله عز وجل أمرنا فقال: (وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ١١٣) [هود: 113]. وقد نجح الكفار نجاحًا كبيرًا في حرف وتضليل الثورة في مصر؛ عن طريق مسرحية مشاركة الإخوان المسلمين في الحكم، وكانت مؤامرة لم يدرك القائمون على الأمر أخطارها. ونجحوا كذلك في إشراك حركة النهضة في الحكم في تونس، ومن ثم العمل على إجهاض أهداف الثورة العليا في التغيير وإزالة الفساد، فصارت مشاركة للفساد من الوجوه القديمة بدل إزالتها. واستطاع الكفار ترسيخ الفساد من بعض الأمور كالحريات وفساد الأخلاق.

5- توعية المسلمين على حقيقة الدولة الإسلامية؛ حتى يصبح هذا الأمر واضحًا عند عامة المسلمين، وأوساطهم السياسية، ومراكز القوى والتأثير في الأمة؛ لأنه كما ذكرنا، فإن الاستعمار يحاول تضليل المسلمين، وحرفهم عن هدفهم السامي الصحيح. ومن هذا التضليل (فكرة الدولة الإسلامية)؛ إما بالكذب الصريح بأن بعض البلاد هي دول إسلامية مثل السودان وباكستان وتركيا، ومنه أيضًا الكذب بأن بعض التنظيمات العسكرية هي دولة إسلامية؛ كما حصل في دولة العراق والشام، ومنه كذلك فكرة التدرج في تطبيق الإسلام، ومنه أيضًا ما ذكره بعض المشايخ من أن فكرة الدولة الواحدة ليست واردة، وليست شرعية، ولم تطبق في التاريخ الإسلامي، وإنما هي دول إقليمية!؛ لذلك يجب توعية المسلمين على هذه الحقيقة بشكل جيد لئلّا يُخدع المسلمون بها، وكي لا يقعوا فريسة التضليل الفكري والسياسي.

6- بث روح الأمل في نفوس الأمة وتذكيرها بماضيها باستمرار، وترسيخ الوصف القرآني لها، وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ حتى لا تنهار أمام محاولات الكفار، وحتى تبقى واقفة على أقدامها لا تلين أمام ضرباتهم. نذكرها بقول المولى عز وجل: (كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠) [آل عمران: 110]، وحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ» رواه الإمام أحمد، وبأنها ستفتح الأرض مشارقها ومغاربها، ومنها روما مهد الفاتيكان. فنذكرها بقوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ». رواه الإمام مسلم، وقوله عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن فتح روما والقسطنطينية؛ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَسُئِلَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ قَالَ: فَدَعَا بِصُنْدُوقٍ طُهْمٍ – وَالطُّهْمُ الْخَلَقُ – فَأَخْرَجَ مِنْهَا كِتَابًا فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَكْتُبُ مَا قَالَ: فَسُئِلَ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوِ الرُّومِيَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا – يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ». فالضربات التي حصلت وما زالت تحصل بين ظهراني الأمة قاسية وكبيرة، ويهدف الكفار من خلالها تحطيم آمال الأمة وحيويتها وانطلاقها نحو أهدافها السامية. وقد فعل الكفر أفعالًا كبيرة من القتل والدمار؛ كان الهدف منها بث روح اليأس وبالتالي الارتماء في مخططاته والرضا بحلوله للعالم الإسلامي، فقد حاول تحطيم الأمة بعد ما حصل من هزيمة اليهود للجيوش الستة سنة 1967م. وحاول كذلك تحطيم معنويات المسلمين بعد حرب العراق وأفغانستان. ويحاول اليوم تحطيم معنويات المسلمين في عمل دؤوب من أجل قبول المجاهدين الأفغان بشروط الدول الكافرة، وهيئة الأمم المتحدة، وإن شاء الله يبوء بالفشل. إن بثَّ روح الأمل يكون عن طريق كشف المؤامرات أولًا، وبأن وراءها عملاء الاستعمار، وليس وراءها أناس مخلصون، وبأن هذه الهزائم ليست حقيقية وإنما هي ضمن مؤامرات الكفار وعملائهم.

7- بث فكرة العمل الجماعي في الأمة، وأن سبيل الخلاص هو بالتفافها حول المخلصين من أبنائها، لا الالتفاف حول عملاء الاستعمار، ولا حول الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم أو العميلة للحكام.

فيجب باستمرار بث روح العمل الجماعي خلف المخلصين من أبناء الأمة. والمخلصون هم من يحملون مشروعها بصدق وإخلاص ودقة دون تحريف ولا تخريف، ودون أخذ شيء من الغرب ولا من سياساتهم الهابطة. فنذّكر المسلمين بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ» رواه النسائي. ونذكرهم أيضًا بأن الله عز وجل مع الجماعة. ونوجِّه المسلمين كذلك بأن يقيسوا الأمور بدينهم وشريعتهم؛ فنذكرهم بقوله عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه الحاكم.

هذه أهم الطرق والأساليب في التصدي لمحاولات الكفار في سياسة الاحتواء لإجهاض العمل الإسلامي، وجعل بلاد المسلمين مزرعة لهم في حلِّهم وترحالهم، ودعم اقتصادهم؛ سواء أكان ذلك عن طريق نهب الثروات، أم عن طريق فتح الأسواق، أم غير ذلك.

 وفي الختام نقول بأن هذه الأمة هي أمة القرآن؛ الذي يحذرنا في كل آية من آياته من الكفر والكافرين، ويذكرنا بتاريخهم وأفعالهم مع الأنبياء؛ منذ عهد آدم عليه السلام حتى عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهي أمة الجهاد والاستشهاد والبذل والعطاء والتحدي والتصدي، فلا تعطي دنية لكافر أبدًا، وهي موعودة بالنصر والتمكين في الأرض والظهور على الدين كله ولو كره الكافرون. وموعودة بفتح الأرض، مشارقها ومغاربها بما فيها روما عقر دار الغرب في أوروبا. فنسأله تعالى أن يقوي شوكة هذه الأمة في وجه الاستعمار وأدواته؛ سواء أكان في سياسات الاحتواء أم الحرب الصريحة. ونسأله تعالى أن يضمَّنا عما قريب تحت ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. اللهم آمين.

الاحتيال والتلاعب بالنظريات العلمية خدمة للأطماع الرأسمالية

 الاحتيال والتلاعب بالنظريات العلمية خدمة للأطماع الرأسمالية

 

د. أيمن صلاح

 الأرض المباركة (فلسطين)

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

في بداية هذا المقال، لا بد من أن نبدأ ببيان واقع النظريات العلمية، وبيان إمكانية إخضاعها للتلاعب والتزوير واستغلال ذلك للأغراض الرأسمالية، ثم نبين مجالات التلاعب والاحتيال الرأسمالي باستخدام النظريات العلمية.

النظريات العلمية هي معارفُ يُتَوصلُ إليها بالبحث والتفكيرِ العلميِ المسمّى بالمنهج العلمي، والتفكير العلمي محصورٌ في الوقائع المادية الملموسة التي تخضع للتجربة، وهو يَستخدِمُ الطريقة العقلية نفسها التي تقوم على ربط الإحساسات بالوقائع مع المعلومات السابقة، ولكنّ ما يميّزه هو أن الوقائعَ هي تجاربُ علميةٌ أو ملاحظاتٌ علمية، أما المعلوماتُ السابقة فهي المعارفُ التراكميةُ الناتجةُ بهذه الطريقة. والنظرياتُ العلمية هي معارفُ ظنيةٌ غالبًا؛ إذ لا يشترط فيها القطع واليقين، ومن الخطأ التصورُ أن المنهجَ العلمي لا ينتج إلا المعلوماتِ الصحيحة، فكثيرٌ من المعلومات العلمية يتبينُ خطؤُها بعد فترة؛ ولذلك يمكن أن نجد نظريات علمية متناقضة؛ لأن تفسير الواقعِ أحيانًا يمكنُ أن ينتج وُجهاتِ نظرٍ مختلفة، وقد يصل الاختلافُ إلى حد التناقض. وكلُ وجهةِ نظرٍ أو رأيٍ علميٍ يُفسرُ الملاحظاتِ ونتائجَ التجارب يعتبر نظريةً علمية. وعندما تُبنى الإجراءاتُ والسياساتُ على أساس المعارفِ الناتجةِ بطريقِ المنهج العلمي فإنها تكونُ عرضةً للخطأ والفساد الُمبرر، ويتبينُ خطؤها عندما يتبينُ خطأُ المعارفِ التي بُنيت عليها.

إنه لا يخفى على أحد أن الرأسماليين تُسَيِرُهم مصالحُهم المادية، فهم يسعون لتحقيق الربح بغضِّ النظر عن أي اعتبار آخر، فلا اعتبار عندهم للقيم الإنسانية والخلقية، بل إن كثيرًا من المشاريع الرأسمالية هي ضررٌ محضٌ للبشرية، ولا مانع عندهم من تزوير المعارفِ العلمية التي تَصلُحُ لخدمتهم. والدولُ الرأسمالية تبني سياساتِها لتسهيل مصالح الشركات الرأسمالية، وتضعُ التشريعاتِ والقوانينَ في الداخل لتسهيل عمل هذه الشركات، وتفرضُ التشريعاتِ في القوانين الدولية، وتقيمُ العلاقاتِ الدوليةَ والاتفاقياتِ الدوليةَ لهذا الغرض. وفي كثيرٍ من الحالات يجبُ أن تُبنى هذه الإجراءات على أساس المعارف العلمية، فتلجأُ إلى العبثِ والخداعِ في النظريات العلمية. وكما أن الدوَل الرأسماليةَ الاستعمارية تتخذُ من المؤسسات الدولية أداةً لتنفيذ سياساتها الدولية، فكذلك هناك مؤسسات علمية عالمية عدة تهيمن على الساحة العلمية وتتخذُها الدولُ الرأسمالية كأدوات لهذه السياسات.

أساليب التلاعب والاحتيالِ الرأسماليِ بالنظريات العلمية

أولًا: التعاملُ مع بعض الفرضيات والنظريات كحقائق علمية

قلنا إن النظرياتِ العلمية ليست قطعية، بل هي في أحسن الأحوال ظنية، وأحيانًا تكون مجردَ أوهامٍ وخزعبلات؛ ولكن يمكنُ لهذه النظريات أن تخدمَ المصالح الرأسمالية، فيتمُ الترويجُ لها ورفعُها إلى مستوى الحقائق، وتُنسجُ القصصُ الخياليةُ الزائفةُ التي تزعم أن التيارَ السائد في المجتمع العلمي يقبلُ بها، ويُمارَسُ الإرهابُ العلمي ضد من لا يقول بها أو يقول بخلافها. وهناك أمثلة عدة: منها فرضُ القبولِ بنظرية الاحتباس الحراري والتغيُّر المناخي وتَسَببِها عن النشاطات البشرية لتحقيق أهدافٍ سياسية واقتصادية كما سيأتي، ومنها الخداعُ والمبالغةُ في التخويف من خطرِ بعض الأمراض لفتح المجال لشركات الأدوية لتسويق منتجاتِها.

ثانيًا: تحويل المسائل العلمية إلى قضايا سياسية عالمية

وهذا يبرز في مشاكل الطاقة والمناخ والاحتباس الحراري والتنوع الحيوي والغذاء، وهي مسائلُ يمكنُ بحثُها علميًا لمعرفة الحقيقة بشأنها؛ ولكن الدولَ الكبرى قررتْ أنها مشاكلُ عالميةٌ تهددُ كوكبَ الأرض، وقررتْ أنه إذا لم يتم علاجُها عالميًا فستتفاقمُ إلى كوارثَ عالمية، وقررت نوعَ العلاجِ لكلٍ من هذه القضايا. ولتنفيذِ ذلك عقدت لها مؤتمراتٍ عالمية، وكتبت بشأنها اتفاقياتٍ دولية، وطُلبَ من دول العالم في كافة القارات التوقيعُ عليها. وفي هذه الاتفاقيات تلتزمُ الدولُ بتطبيق سياساتٍ داخليةٍ متعلقةٍ بالصناعة والزراعة وتطويرِ المدن، وفي بعض الاتفاقيات بنودٌ تفتح المجال لتدخلٍ أجنبي في شؤون الدول في حال لم تنفذ بنودَ الاتفاقيات، وأحيانًا تجدُ بنودًا تفتح أبوابَ البلاد للشركات الأجنبية لاستباحة ثروات البلاد الطبيعية مثل التنوع الحيوي.

ولمزيد من التوضيح نضرب مثلًا نظرية الاحتباس الحراري والتغيُّر المناخي، فهي نظريةٌ علمية لا يمكن للعلم التجريبي القطعُ بصحتها، ورغم وجود عدد من الدراسات التي تعارضُها، إلا أن الأممَ المتحدة تبنتها كقضية عالمية، وعقدت الأمم المتحدة “معاهدة كيوتو” لحماية البيئة سنة 1997م واتفاق باريس للمناخ سنة 2015م، وهي خطواتٌ تنفيذيةٌ بشأن التغيُّر المناخي، وتلبي هذه الاتفاقياتُ متطلباتٍ سياسية واقتصادية للدول الكبرى والشركات الرأسمالية، فمن جهة تعتبر مدخلًا للدول الكبرى للتدخل في شؤون الدول الأخرى وسياساتها الصناعية، ومن جهة أخرى تدعو هذه الاتفاقات إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي بدلًا من الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل أساسي، وهذا ما يخدم الشركات التي تستثمر في مجال الطاقة المتجددة.

ثالثًا: وضع تعريفات فضفاضة لاصطلاحات علمية واستخدامُها حسب الرغبة

ولتوضيح هذه الفكرة أُمَثّلُ لها بمصطلح الاستدامة والتنمية المستدامة – Sustainability and sustainable development. فهل للاستدامة والتنمية المستدامة مفهوم دقيق؟ وهل يمكن قياسها؟ التنمية المستدامةُ مصطلحٌ علميٌ ظهر على الساحةِ الدوليةِ في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، ثم أصبح يُتداولُ وَسْطَ عدد من المصطلحات السياسية والثقافية مثل العولمة، صراع الحضارات، الحداثة، ما بعد الحداثة، التنمية البشرية، الجينوم، المعلوماتية… وغيرها. وقد تبنَّت منظمةُ الأغذية والزراعة (الفاو) تعريفًا لمصطلح التنمية المستدامة في عام ١٩٨٩م كما يلي: “التنمية المستدامة هي إدارةُ وحمايةُ قاعدةِ المواردِ الطبيعيةِ وتوجيهُ التغيُّرِ التقنيِ والمؤسسي بطريقةٍ تضمن تحقيقَ واستمرار إرضاءِ الحاجاتِ البشرية للأجيال الحالية والمستقبلية. إن تلك التنمية المستدامة (في الزراعة والغابات والمصادر السمكية) تحمي الأرضَ والمياهَ والمصادرَ الوراثية النباتية والحيوانية، ولا تضر بالبيئة، وتتسمُ بأنها ملائمةٌ من الناحية الفنية ومناسبة من الناحية الاقتصادية ومقبولةٌ من الناحية الاجتماعية”.

وفي الحقيقة إن هذا التعريفَ هو أقربُ إلى الشعارات، ويفتقدُ إلى الحديةِ والعمق العلمي والتحليلي. ولذلك دخلت الأمم المتحدة على خط التنمية المستدامة، واعتمدت في عام 2015م أهدافَ التنمية المستدامة (SDGs)، والتي سميت أيضًا باسم الأهداف العالمية، وأطلقت برنامجَ الأممِ المتحدة الإنمائيَّ ليطبق سياستَها في نحو 170 دولة. وأصبح التطبيقُ العمليُ للتنمية المستدامة يتأرجحُ بين رغباتِ القادةِ السياسيين والمتنفذين الرأسماليين. وإليكم بعض الأمثلة:

الاستدامة والسياسة الزراعية: تعتمد الزراعة الحديثة على استخدام سلالات زراعية عالية الإنتاجية في الزراعة لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء. يتم إنتاج هذه السلالات بطرق التهجين الطبيعية وبعضها ينتج بطرق التعديل الوراثي. وهي عمليةٌ غيرُ مستدامةٍ من الناحية البيئية؛ حيثُ تؤدي إلى استهلاك كمياتٍ من الماء والموادِ الكيماوية كأسمدة ومبيدات بالإضافة لخطرها على البيئة والتنوع الحيوي. كما أن هناك جدلًا علميًّا حول خطرها على الصحة البشرية بسبب تلوثِ المحاصيل بالمبيدات وضعفِ القيمةِ الغذائية لكثير من هذه الأصناف والمخاطر المحتملة للمحاصيل المعدلة وراثيًّا. وهي أيضًا غيرُ مستدامةٍ من ناحيةِ السياسةِ الزراعية وخاصة فيما يسمى الدول النامية، حيث تجعلُ البلادَ تابعةً زراعيًّا لشركاتٍ أجنبيةٍ منتجةٍ لبذور أو درنات أو أبصال السلالات الزراعية والمبيداتِ المناسبة لمعالجة آفاتها؛ حيث لا يستطيعون إنتاج الأجزاء التكاثرية لها ولا يملكون المواد الكيماوية اللازمة لمعالجتها. ومع ذلك يستمرُ الترويجُ لها علميًّا والاعتمادُ عليها على اعتبار أنها الحل الأمثل في تأمين الغذاء للسكان بحسب وجهة النظر الرأسمالية في المشكلة الاقتصادية وطريقة معالجتها. وفي ذلك خدمةٌ عظيمةٌ للشركات الرأسمالية التي تحتكر إنتاج السلالات الزراعية عالية الإنتاجية والمواد الكيماوية اللازمة لها.

الاستدامة في صناعة واستخدام الورق: الطريقة التقليدية للتخلص من نفايات الورق هي الحرق، لكن وُصِفت هذه العمليةُ بعدم الاستدامة؛ لأنها تؤدي إلى انبعاث ثاني أوكسيد الكربون من جهة، ومن جهة أخرى تحتاجُ تصنيعَ مزيدٍ من الورق من المادة الخام له وهي سيليلوز الخشب وبالتالي يحصل استنزافه من مصادره الطبيعية. والحلُ المقترح بحسب التنمية المستدامة هو إعادة استخدام الورق بالتدوير؛ لكن التدويرَ يحتاج إلى جمعِ الورقِ المستخدمِ من كل مكان، وهذه العملية تُشَغّلُ كميةً كبيرةً من الشاحنات ووسائلِ الجمع والنقل، وكلُها عملياتٌ تستنفدُ مزيدًا من الطاقة وتؤدي إلى تلوث الهواء وانبعاث مزيد من ثاني أكسيد الكربون، ثم تحتاجُ إلى استخدام كمياتٍ هائلة من المواد الكيماوية والطاقةِ في عملية التنقية وإعادةِ التصنيع لإنتاج ورقٍ قليل الجودة مقارنة بالورق الأصلي. ثم تتكرر العملية حتى يعمَ التلوث. فأي الحالتين هي الاستدامة؟

الاستدامة في إنتاج الوقود الحيوي من بعض المحاصيل الغذائية، ومن الأمثلة على سيطرة الرأسماليين على تطبيقات نظرية التنمية المستدامة إنتاج الوقود الحيوي من بعض المحاصيل الغذائية التي تؤجج أزمة الغذاء: ففي البرازيل مثلًا كَشَفَ عددٌ من الباحثين عدمَ الاستدامة في استخدام الذرة وقصب السكر لإنتاج الوقود الحيوي بسبب آثارها الضارة على البيئة الطبيعية، والأمن الغذائي وكربونية التربة، وقالوا إن أفواه الجوعى الفقراء في القارة اللاتينية وفي أفريقيا أحقُّ بالذُّرة البرازيلية من خزانات وقود سيارات الأغنياء. ومع ذلك يعتبرُ السياسيون والأممُ المتحدة أن استخدام الذرة لإنتاج الوقود الحيوي أكثر استدامة.

رابعًا: العبث بالمعايير والمواصفات

لتوضيح هذه الفكرة أستخدم مثالين من المعايير والمواصفات: الأول: معاييرُ الصحة والمرض. والثاني: معايير ومواصفات المصادر البيئية.

في المجال الطبي توجدُ مواصفاتٌ للإنسان السليم، وهذه المواصفاتُ هي عبارةٌ عن قياساتٍ لعددٍ كبيرٍ من المتغيرات في جسمه، مثل عدد خلايا الدم وأنواعها، ضغط الدم، عدد النبضات في الدقيقة، تركيز الهرمونات في الدم، تركيز السكر في الدم، تركيز الكوليسترول، تركيز الدهون، تركيز حامض اليوريا، وغيرها الكثير. وعادة يكون لهذه القياساتِ حدودٌ دُنيا وحدودٌ عُليا في الإنسان السليم. والنظريةُ العلمية تقول إن تغيُّرَ قيمةِ أيٍ من هذه المتغيرات خارجَ مداها الطبيعيَ يعتبر مؤشرًا على حالةٍ مَرَضيةٍ معينة؛ لكن الواقعَ أنه ليس بالضرورة أن يكونَ مريضًا فعلًا؛ لأن أيَ قيمةٍ أصلًا هي معدلُ القراءات في عدد كبير من الأشخاص السليمين، فهناك حتمًا حالاتٌ سليمةٌ ولكن القراءات فيها لبعض المتغيرات تقع خارج المدى المعتمد للصحة، وكذلك يمكنُ أن تتغيرَ أي قراءة مؤقتًا استجابة لمؤثرات بيئية ونفسية. وتحرصُ الشركاتُ الرأسماليةُ على التوصية باعتماد قيمٍ ضيقةٍ للمدى الطبيعي وخاصة فيما يتعلق بالأمراض المزمنة التي تحتاج إلى علاج ورعاية طبية دائمة.

مثلًا مرض السكري: هناك عدة فحوصات وقراءات لتشخيص المصاب بالسكري ونوع المرض، وأحد أشهر هذه الفحوصات هو فحص السكر الصيامي (Fasting blood suger – FBS)؛ حيث يتم إجراءُ هذا الفحص بعد الامتناع عن تناول الطعام والصيامِ لمدة لا تقل عن 8 ساعات، ليعطيَ قيمًا تُشير إلى مستويات السكر في الدم، ففي حال كانت هذه القيمُ بين 70-99 ملغم لكل ١٠٠ ملل تعتبر قيمًا طبيعية، وفي حال تراوحت بين 100-125 ملغم لكل ١٠٠ ملل فإنها تُشير إلى مرحلة ما قبل السكري المعروفة بمقدمات الإصابة بالسكري (Prediabetes)، وتعتبر القيمة 126 ملغم لكل ١٠٠ ملل عتبةً للمرض، ففي حال بلغت القيمةُ 126 ملغم لكل ١٠٠ ملل أو زادت فإنها تُشير إلى الإصابة بمرض السكري.

والآن لنقف عند الرقم المعتمدِ كعتبة للمرض وهو 126، هذا الرقمُ وحده لا يعني سوى كونِه مؤشرَ خطر. قبل ثلاثين عامًا كان الرقمُ المعتمدُ هو ١٤٠ ملغم لكل ١٠٠ ملل. فماذا يعني تخفيضُ الرقم؟! بِلُغةِ الطبِ يعني البِدءَ بالعلاج أبكر والدوام على الفحوصات الدورية، انطلاقًا من مبدأ “كلما بدأنا العلاج أسرع كان أفضل”. هذا المبدأُ ليس صحيحًا دائمًا. فهو يعني أن نسبةً من الأشخاص الأصحاء سوف يخضعون للعلاج مع ما يرافقُ ذلك من المخاطر. وما ذكرتُه هنا عن مرض السكري ينطبقُ تمامًا على ضغط الدم ونسبة الكوليسترول وغيرهما.

مَنْ المستفيدُ من تخفيض العتباتِ التي يبدأ عندها العلاجُ والفحوصاتُ الدورية؟ المستفيدُ في المقام الأول هي شركاتُ الصناعات الدوائية. عندما يتم تخفيضُ أحد الأرقام من ١٤٠ إلى ١٢٦ يعني هذا أنه أصبح لدينا بجرة قلم ملايينُ المرضى الجدد. وبِلُغةِ المال يعني زيادةً في أرباح هذه الشركات بالمليارات.

فمن حيث أرقامُ المصابين، جاء في التقرير العالمي للسكري الذي أصدرته منظمةُ الصحة العالمية في 2016م أن عددَ المصابين بالسكري ارتفع من 108 مليون شخص في عام 1980 إلى 422 مليون شخص في عام 2014م (أي ارتفع أربعة أضعاف)، وارتفع معدلُ انتشارِ السكري على الصعيد العالمي لدى البالغين الذين تزيدُ أعمارُهم عن 18 عامًا من 4.7% في عام 1980م إلى 8.5% في عام 2014م. وبحسب التقرير فإن سبب تفشي المرض هو التغييراتُ التي طرأت عالميًا على الطرقِ التي يأكل ويتحرك ويعيش بها البشر، علمًا أن أحد الأسباب الرئيسة لزيادة أرقام المصابين هو تغيير عتبة المرض المعتمدة. وبلغة المال، جاء في البيان الذي أصدره الاتحاد الدولي للسكري 2017م أنّ حجمَ الإنفاق السنوي العالمي على السكري وصل إلى 727 مليار دولار.

وفي مجال معايير ومواصفات المصادر البيئية يُفرض على الدول والمصانع التي تطرحُ موادَّ إلى البيئة أن تكون بمواصفات معينة حتى لا تضرَ التوازنَ في النظام البيئي؛ ولكن أحيانًا يعتبرون المواصفات صحيحة عندما يتم تمريرها من خلال تقنيات أو أجهزة معينة معتمدةٍ لدى المنظمات الدولية المعنية بالبيئة، وفي هذا تسويقٌ لهذه الأجهزة والتقنيات وفتحُ المجال لشركاتٍ رأسمالية لتنفيذِ مشاريعَ في مختلف الدول، مثل اعتماد تقنيات معينة لمعالجة المياه العادمة والنفايات الصلبة، ومرشحاتٍ خاصة للغازات المنبعثةِ من المصانع، وفرضِ طرقٍ معينةٍ لإعادةِ تأهيلِ الأنظمةِ البيئية التي تتعرض للضرر، وفرض مناطق معينة كمحميات طبيعية، وغيرها.

خامسًا: تمويل أبحاثٍ تعطي نتائجَ زائفةً فيها خدمةٌ للشركات الصناعية، ومنعُ التمويلِ عن الأبحاثِ التي تعطي نتائجَ تخالفُ رغباتِهم

إن إمكانيةَ وجودِ الأبحاثِ العلميةِ الزائفةِ أمرٌ معروفٌ في الأوساط العلمية. ففي أيار 2018م، نشرت مجلةُ نيتشر (Nature) العالمية دراسةً مسحيةً[1] شملت 1500 بحثًا منشورًا، وكانت تركزُ على الأزمة في إمكانية إعادة إنتاج المعرفة العلمية التجريبية (reproducibility)، وقد ذكرتْ فيها أن 2% من الباحثين الذين شملتهم الدراسة اعترفوا بممارسة التزوير في النتائج العلمية.

والشركاتُ الرأسمالية تعتمد كثيرًا في دعايتها على منتجاتها على الأبحاث الزائفة، يظهر ذلك في عدد من المجالات أهمها التغذية والصحة؛ حيث تقوم الشركات الصناعية بتمويل أبحاثٍ علميةٍ لتعطي نتائجَ تتماشى في كثير من الأحيان مع مصالحها. فهناك المعهدُ الدولي لعلوم الحياة (ILSI) الذي يعرف عن نفسه بأنه منظمةٌ غيرُ ربحية تمولُها الشركاتُ ومقرُّها واشنطن العاصمة، ولها 17 فرعًا منتسبًا حول العالم، ويصفُ المعهدُ نفسَه كمجموعة تمارس “العلوم من أجل الصالح العام وتحسن صحة الإنسان ورفاهيته وتحمي البيئة”. ومع ذلك، تُظهر التحقيقاتُ التي أجراها أكاديميون وصحفيون وباحثو المصلحة العامة[2] أن هذا المعهد (ILSI) هو مجموعة ضغط تحمي مصالح صناعة الأغذية، وليس الصحة العامة. بما في ذلك الدفاع عن المكونات الغذائية المثيرة للجدل وقمع الآراء غير المواتية للصناعة. ولها تأثير كبير على الإرشادات الغذائية الأمريكية.

وفي السياق نفسه قامت مؤسسة أبحاث السكر (Sugar Research Foundation – SRF) قبل 50 عامًا (في 1965م) بتمويل علماء من جامعة هارفارد لإجراء أبحاثٍ عرفت بـ “مشروع 259” (Project 259) وكان الهدفُ من الأبحاث إخفاءَ علاقةِ تناول السكريات بأمراض القلب وإلقاءَ اللوم على الدهون المشبعة. وعندما بدأت النتائجُ الأوليةُ تَظهرُ بخلاف ما يريدون سحبت مؤسسةُ أبحاث السكر تمويلَ البحث وتم إنهاءُ الدراسة، ولم تُنشر النتائجُ أبدًا وَفقًا لدراسة[3] نُشرت في الدورية العلمية PLOS Biology.

وفي عام 2015م، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن شركة كوكا كولا مَوَّلت بعضَ علماء التغذية الذين ينفون علاقةَ البدانةِ بالأنظمةِ الغذائية السيئة وتناولِ المشروبات الغازية والسكرية. وفي 2016م، كشفت وكالة أسوشيتد برس (Associated Press) أن صُناَّعَ المنتجاتِ السكرية يموِّلون أيضًا أبحاثًا زائفة؛ حيث أظهرت إحدى الدراسات الممولة أن الأطفال الذين يتناولون الحلويات، يقل وزنُهم مقارنةً بغيرهم ممن لا يأكلون الحلوى. وينطبق الأمرُ نفسُه على شركات الأدوية، التي تُعرَفُ بقمعها للبحوث المؤدية إلى إظهار نتائج غير مواتية.

سادسًا: خلط العلوم بالمعارف الثقافية للأغراض النفعية

الدورياتُ العلمية لا تنشرُ إلا الأبحاثَ العلميةَ المتعلقةَ بالمادياتِ والمبنيةِ على الحس والمشاهدة، ولا تنشر المقالات المبنية على أساس وجهة النظر في الحياة، سواء الإيمان بالخالق والأديان أم الأحكام الشرعية، ويرفضون أي تدخل للدين في المعارف العلمية؛ ولكن برزت للشركات الصناعية الرأسمالية مشكلة أن كثيرًا من المسلمين يرفضون المنتجات الغذائية إلا أخذ المنتج “شهادة حلال”، وبعض الدول في العالم الإسلامي أصبحت تشترط أن يأخذ المنتج “شهادة حلال” قبل أن يتم إدخاله إلى البلاد. وهذا أضعف تسويق كثير من المنتجات في البلاد الإسلامية وفي أوساط المسلمين في الغرب. ولمحاولة الخروج من هذه المشكلة طلبت الشركات المصنعة من علماء مسلمين أن يضعوا مواصفات للمنتج الحلال، فأصبح بعض العلماء يبحثون في واقع المواد التي يحرم تناولها في الطعام والشراب، ويبحثون في استخداماتها الأخرى في الأغذية المصنعة والمواد الدوائية والمستحضرات التجميلية وغيرها، ويبحثون في كيفية إنتاجها واستخدامها، ويذكرون حالات يحرم استخدامها وحالات يجوز استخدامها، ومن الموادِّ التي تدخل في هذه الأبحاث الكحول والمواد المخدرة وبعض المواد المستخلصة من مصادر حيوانية وغيرها. وسُمِح لهؤلاء بنشر أبحاثهم في الدوريات العلمية التي أصلًا ترفض نشر الأوراق العلمية التي يكون للدين أثر في مخرجاتها. وبالتدقيق يتبين أن ما يقبل نشره هي الأوراق العلمية التي تتبنى آراء يمكن تصنيفها بالاعتدال، أي التي تقول بجواز استخدامات لا يقرها علماء الشريعة عادة؛ لكنها تُنْشَرُ لأنها تصلح كمادة دعاية لتسويق المنتوجات في أوساط المسلمين سواء في الغرب أو في البلاد الإسلامية.

وفي ختام هذا المقال، أودُ أن أوضحَ أن معظم ما ورد فيه من أمثلة عن نظريات وفرضيات علمية ليس لإنكارها ولا لإقرارها، وإنما لبيان انعدام القيم الإنسانية والخلقية عند الدول الاستعمارية والشركات الرأسمالية حال استخدامهم لهذه النظريات كأساس للقرارات السياسية وأساس للتطبيقات الصناعية، ولإظهار حاجة البشرية للتخلص من التبعية للقوى العظمى وأدواتها من المنظمات الدولية والاتفاقيات الدولية، وللتأكيد على حاجة البشرية لمراكز بحث علمية مستقلة عن هيمنة الرأسمالية، بحيث تُجرى الأبحاثُ العلمية التي توضح الحقائق الصادقة عن أي مسألة علمية، وتعطي خدمةً للبشرية وليس خدمةً للجهة الداعمة. إن مثلَ هذه المراكز البحثية لا يمكن أن توجدَ إلا في دولة الخلافة القائمة قريبًا بإذن الله.

[1]–   Monya Baker, «1500 scientists lift the lid on reproducibility», Nature, May 2018.

[2]–   تقرير محاسبة الشركات لشهر أبريل 2020 Corporate Accountability, 2020, PARTNERSHIP FOR AN UNHEALTHY PLANET: How big business interferes with global health policy and science.

[3]–    Kearns CE, Apollonio D, Glantz SA (2017) Sugar industry sponsorship of germ-free rodent studies linking sucrose to hyperlipidemia and cancer: An historical analysis of internal documents. PLoS Biol 15(11): e2003460. https://doi.org/10.1371/journal.pbio.2003460.

قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (1)

 قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (1)

 

مناجي محمد

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يتولَّد عنها من تبعية وعمالة مسألة بالغة التعقيد والتركيب؛ لأنها تستوجب معلومات غاية في الحساسية والخفاء، ومتعلقة بدوائر الحكم الضيِّقة وغرفه وزواياه المظلمة، ودقة متناهية في رصد الأحداث والوقائع والتصرفات لتمييز طبيعة التبعية، ومنها العمالة ووجهتها. إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يستتبعها من تبعية وعمالة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الدولية وبهيكل العلاقات الدولية، ومن ثم بالموقف الدولي ودوله الكبرى الفاعلة فيه ودولته الأولى صاحبة الفعل المؤثر والقرار النهائي في العلاقات الدولية والسياسة الدولية. وينبغي أن يكون مدرَكًا أن التحكم في العالم على مرِّ التاريخ هو للدول الكبرى، ولا سيما الدولة الأولى، وأن أي تحوُّل في ميزان القوى للدول الكبرى هو المؤثر والفاعل في تحوُّل وتبدُّل وتغيُّر الموقف الدولي والعلاقات الدولية والسياسة الدولية، ثم الانعكاسات والآثار المترتبة على وجهة الدول الوظيفية تبعيةً وعمالةً. وعليه فلا بد من إدراك هذا كله إدراكًا متطورًا متفاعلًا مع التحولات الطارئة والتغيرات في الموقف الدولي والساحة الدولية؛ حتى يتسنَّى فهم السياسة الدولية وتبعاتها المشؤومة في صناعة الدول الوظيفية للكافر المستعمر والعملاء الخونة في بلاد المسلمين.

بدأ القرن الثامن عشر وقد دار الزمان دورته، ودبَّ الضعف في كيان الأمة الاستراتيجي، خلافتها، واعترى التفكك والتشرذم جسم الدولة، وبات الانحطاط سيد الموقف حتى شُلَّت حركتها الفكرية المنتجة بالكامل؛ فاستفحلت واستعصت مشاكلها. ثم كان الانقلاب الصناعي في أوروبا الذي أحدث انقلابًا في ميزان القوى، ثم اعتناق الأوروبيين لمبدئهم الرأسمالي الاستعماري المشؤوم؛ فأصبحت دولة الإسلام هدفًا للتدمير، واستئصال الإسلام غاية استراتيجية، وبلاد المسلمين وثرواتهم مطمع الطامعين. ثم كان القرن التاسع عشر عصر الاستعمار الأوروبي بامتياز، فأخذت دول أوروبا الكافرة تغتصب بلاد المسلمين قطعة قطعة، فبدأ الجزر الإسلامي بعد ذلك المد المجيد العظيم.

وقراءتنا هذه معنيَّة برصد النفوذ الأجنبي في غرب البلاد الإسلامية مع توسع في الحالة المغربية، ولما كان القرن التاسع عشر هو عصر الاستعمار الأوروبي، فهو إذن بداية التاريخ المفصلي لقراءة وفهم الموقف الدولي والسياسة الدولية المتعلقة بغرب البلاد الإسلامية، إنه كان زمن زرع وغرس بذور وجذور النفوذ البريطاني في غرب البلاد الإسلامية.

أهمية البحر الأبيض المتوسط في سياسة بريطانيا الاستعمارية:

لطالما كان البحر الأبيض المتوسط واحدًا من أكثر النقاط الجيوستراتيجية أهمية في تاريخ الحضارات والأمم، والذي استجدَّ مع الاستعمار الأوروبي أنه أضحى أخطر ممر مائي لقوات استعماره وتجارة نهبه، فأضحى من أكبر الأهداف الاستراتيجية لدول أوروبا الاستعمارية، بحر يربط بين القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، محكم الإغلاق بأقفال مضايقه وقنواته، يتصل بالمحيط الأطلسي عن طريق مضيق جبل طارق، ويتصل بالبحر الأسود عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويتصل بالبحر الأحمر عن طريق مصر ومن بعد قناة السويس، وتشكل هذه المضايق شبه عنق زجاجة، فهي أقفاله ونقاطه الخانقة التي تحدُّ من ملاحته، بل وتُشلّ بها حركته، والسيطرة عليها سيطرة عليه.

وهكذا بدأ العصر الاستعماري الأوروبي بداية القرن التاسع عشر، وعينُ دوله الكبرى على البحر الأبيض المتوسط، ففضلًا على الهدف الاستراتيجي الأول في القضاء على دولة الإسلام الخلافة العثمانية وعزل الإسلام عن الساحة الدولية والسياسة الدولية، كان البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي والبلاد المطلَّة عليه هدفًا استعماريًا، ينظر لتلك البلاد على أنها محل غزو واستعمار لتفكيك الخلافة العثمانية بوصف تلك البلاد جزءًا من جغرافيتها، وللتحكم في أخطر ممر مائي، ومن ثم التحكم في الملاحة والتجارة العالمية وفي أبواب وأقفال الاستعمار.فالصراع الاستعماري حول البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي كان محمومًا بين دول أوروبا الكبرى بداية القرن التاسع عشر.

فبعد هزيمة الجيش الفرنسي وفشل حملة نابليون العسكرية في احتلال مصر بوابة البحر الأبيض المتوسط الشرقية تحت ضربات الأسطول البريطاني عام 1801م؛ حيث تمَّ تحطيم الأسطول الفرنسي وغرقه بالمجمل، وقَّعت فرنسا معاهدة الاستسلام والخروج من مصر على متن السفن البريطانية. ثم كان تحالف بريطانيا مع بروسيا ضد فرنسا وكانت معركة واترلو عام 1815م وهزيمة فرنسا أمام بروسيا، والتي تعتبر الفصل الختامي لإمبراطورية نابليون بونابرت وإنهاء الأطماع الفرنسية ثم التقهقر الفرنسي، ومن ثم بداية سيطرة الأسطول البريطاني على حوض البحر الأبيض المتوسط.

فهزيمة واترلو كانت الخلفية المباشرة لمؤتمر فيينا عام 1815م والقيود التي فرضها على فرنسا من منعها إجراء تغييرات إقليمية دون موافقة الدول الكبرى حينها، وهي: بروسيا وروسيا والنمسا وبريطانيا، ثم قدَّمت بريطانيا مذكرة في المؤتمر بخصوص إيالة الجزائر مركز ومقر الأسطول البحري للدولة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، تحت بند أسمته القرصنة المغاربية في البحر الأبيض المتوسط وضرورة القضاء عليها، فمنحها المؤتمرون حق النظر فيما هو صالح للقارة الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت لها اليد الطولى عليه.

تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياسة بريطانيا الاستعمارية.

كانت لسياسة بريطانيا النشطة في إشراك الغير وتكتيل الأحلاف الأثر الأكبر في هزيمة فرنسا والقضاء على أطماعها، فقد بلغت ميزانيتها في عام 1814م نحو 88 مليون جنيه إسترليني خصصت منها عشرة ملايين للحلفاء؛ إذ دفعت لنسبة كبيرة من الجنود النمساويين والروس لحرب فرنسا في معركة واترلو. وسياسة تكتيل الأحلاف وإشراك الغير سياسة تفرضها معضلة إنجلترا في قلة عدد سكانها وضيق جغرافيتها كجزيرة. فبعد هزيمة فرنسا في حروبها النابليونية الاستعمارية عظمت قوة بريطانيا البحرية وقوتها الاستعمارية، وصارت إمبراطوريتها هي المهيمنة دوليَّا والمسيطرة على السياسة الدولية والتجارة العالمية، ومن ثم سعت لتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة بريطانية وإخضاع حوضه الجنوبي لنفوذها، وكانت بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه في عين العاصفة الاستعمارية البريطانية.

هكذا أصبح الموقف الدولي خاضعًا لسياسة بريطانيا الدولية حتى أسمت نظامها الدولي بالسلم البريطاني، فرسمت خريطة العالم ومعالم سياسته الدولية. ثم لما كانت إنجلترا جزيرة في وسط البحر وسكانها لا تكفي جزيرتهم لعيشهم؛ لذا كان خروجهم من الجزيرة طلبًا للعيش أمرًا لا مفر منه؛ إلا أنهم متى خرجوا خرجوا لصوصًا ومستعمرين لا تجارًا، مصاصين لدماء الشعوب وناهبين لثرواتها لافتقارهم بضاعة المقايضة ومال التجارة.

 فلما اعتنقوا المبدأ الرأسمالي الاستعماري استفحلت فيهم اللصوصية وتركَّزت وتجذَّرت فيهم الناحية الاستعمارية في تواؤم وتناغم تامَّين مع سوء طبائعهم فصارت بريطانيا دولة استعمارية من الدرجة الأولى.

ثم إن قلة عدد سكانها (عدد سكان بريطانيا عام 1814م نحو 16 مليون نسمة، وهو بالكاد يمثل نصف حجم سكان فرنسا وقتها) يفقدها الاستطاعة على الوقوف بمفردها ومجابهة قوة تفوقها عددًا؛ لذا توسَّلت لمعالجة معضلتها السكانية والجغرافية بسياسة تسخير غيرها من الشعوب والدول لمساعدتها في استعمارها، وألبست هذه المساعدة الاستعمارية قوالب الأحلاف والمؤتمرات والاتفاقيات؛ ولذلك كان تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياستها الخارجية. ثم إن هذه المعضلة الجيوستراتيجية سكانًا وجغرافيةً جعلت الأعمال المادية العسكرية ثانوية في سياستها الخارجية، بل كان الرأي السائد بين ساستها ورأسمالييها أن الأعمال العسكرية والتوسع غير المحسوب يستنزف الإمبراطورية وينتهي بسقوطها، وهكذا باتت الأعمال السياسية هي رأس حربتها الاستعمارية، وكان حفظ التوازن الدولي خدمة لاستعمارها من أولوياتها الاستراتيجية.

أدركت بريطانيا أهمية السيطرة والتحكم في أقفال البحر الأبيض المتوسط فسيطرت باكرًا على صخرة جبل طارق عام 1704م، ثم ما حقَّقته من مكاسب مهمة في حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال ترتيبات مؤتمر فينَّا 1815م، فنفذت إلى البلاد الإسلامية المطلَّة على حوضه الجنوبي عبر تجارها وجواسيسها وسفرائها النشطين الذين اخترقوا دوائر الحكم حتى أضحوا مستشارين في القضايا الخارجية للبلاد في كل من تونس والجزائر والمغرب. وبعد قضائها على الأسطول الفرنسي كانت المعضلة الاستراتيجية التي تعترضها لبسط هيمنتها واستعمارها على كامل حوض البحر الأبيض المتوسط هو الأسطول البحري للخلافة العثمانية بولاية الجزائر، فكان التخلص منه هدفها الاستراتيجي؛ فكتَّلت الأحلاف لضربه تحت غطاء محاربة القرصنة، وراحت تشنُّ الغارات تلو الغارات للقضاء عليه، فكانت حملة اللورد إكسماوت البريطانية وأشركت معها الولايات الأمريكية في حربها على إيالة الجزائر عام 1815م، ثم حملتها على إيالة الجزائر بإشراك فان كابلان الهولندي في 27 آب/أغسطس 1816م؛ لكن أسطول الدولة الإسلامية في إيالة الجزائر صمد وقاوم، ولما استعصى قضاؤها عليه طرحت المسألة الجزائرية في مؤتمر إكس لاشبيل عام 1818م، والذي جاء تقريره تهديدًا ووعيدًا، وبعد رفض شروطه من إيالة الجزائر كانت الحملة البريطانية على الإيالة عام 1824م، وتماشيًا مع سياستها في تسخير الغير ووضعه أمام الأخطار التي تتهددها وجدت ضالتها في فرنسا، فأشركتها في حملتها بحصار فرنسا لسواحل الجزائر 1827م، ثم يسَّرت لها احتلال إيالة الجزائر عام 1830م.

تسخير بريطانيا لفرنسا في سياستها الاستعمارية

أما تسخيرها لفرنسا فمرده أن شعب فرنسا منذ ثورته وأخذه بفكرة الحرية بوصفها صفة فردية عليا وبتجذرها فيه تأصل فيه التفكك وطغت عليه الفردية؛ فصار أقرب منه لمجموعة أفراد منه لأمة أو حتى شعب أو جماعة، حتى ندر فيهم من جرائها وجود حكم قوي أو حكومات قوية، ذلك الذي سهل مهمة بريطانيا في استخدام فرنسا وتسخيرها المرة تلو المرة. وهكذا كان خلال القرن التاسع عشر، فقد عملت بريطانيا على إدخال وإشراك فرنسا في استعمارها من أجل أن تقف بجانبها إذا وجد خطر على منطقتها الاستعمارية، وتضعها أمام الأخطار التي تتهدَّدها حتى قيل «إن إنجلترا تقاتل حتى آخر جندي فرنسي».

وهكذا سخَّرت بريطانيا فرنسا لمواجهة وضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة بالبحر الأبيض المتوسط عبر تيسير استعمارها لولاية الجزائر، فالقرائن والدلائل التاريخية والوثائق تؤكد ذلك، فكل المؤشرات كانت تؤكد قدرة وجاهزية الأسطول البريطاني في منع الفرنسيين من احتلال الجزائر، حتى إن الأميرال دوبيري القائد العام للقوات البحرية الفرنسية أفاد «لو قامت بريطانيا بالهجوم على قواتنا فإن فرنسا لن تتمكن من صد الهجوم» وتمنى أن تأخذ المحادثات بين الحكومة الفرنسية والبريطانية فترة أطول حتى تتمكن فرنسا من الوصول إلى هدفها، وذلك الذي كان. ثم موقف القنصل العام البريطاني بالجزائر سان جون؛ إذ كلما سأله الداي حسين والي الخليفة العثماني على إيالة الجزائر عن مخاطر الحملة الفرنسية كان رد القنصل العام البريطاني: «اصمدوا، فإن فرنسا ستنسحب في النهاية وإن بريطانيا ستساندكم»، إلا أنه في نهاية المطاف اتَّضح أن فرنسا لم تنسحب وأن بريطانيا لم تساند إيالة الجزائر، بل الحاصل أن بريطانيا استخدمت سلاحها الفعال «الكذب والخديعة» للمراوغة الدبلوماسية والوقيعة بالخصم ثم لزمت الصمت حين احتلت فرنسا الجزائر. حتى إن قنصلها العام بالمغرب دريموند هاي النافذ لدى القصر (وكان اختياره كقنصل عام يعود إلى ما أكده هاي بنفسه لحكومته كون بريطانيا هي أقوى أصدقاء المغرب وأكثرهم جدوى، وإلى علاقته الكبيرة ورصيده الدبلوماسي وخبرته في هذه المسائل)، فقد طلب منه رجالات القصر إخلاصهم النصيحة تجاه القضية الجزائرية لتقديمها للسلطان المغربي عبد الرحمن، عندها حذر هاي من أن السلطان عبد الرحمن سيواجه كارثة إذا ما تحدَّى فرنسا وأصرَّ على أن سياسة السلام سوف تحقق أفضل المصالح المغربية.

وهكذا دفعت بريطانيا بفرنسا لاحتلال ولاية الجزائر لضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة العثمانية بالبحر الأبيض المتوسط لتتمكن بريطانيا من بسط هيمنتها عليه، كما أن احتلال الجزائر عام 1830م تزامن مع برتوكول لندن عام 1830م، وبعدها مؤتمر لندن عام 1832م، الذي بموجبه اقتطعت بريطانيا اليونان من دولة الخلافة، وهكذا تمكَّنت من التحكم في البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. ثم استمرت في تسخير فرنسا واستعمالها في درء المخاطر التي تتهددها وكذلك في حفظ التوازن.

وحفظًا للتوازن الدولي وفي أعقاب الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)م فقد تجرَّعت فرنسا مرارة الهزيمة والإذلال على يد الألمان، ودفعت التعويضات المالية الباهظة وخسرت منطقتي الألزاس واللورين وفقدت قوتها، وكانت تعيش ما يشبه الكارثة على مختلف الأصعدة. ثم بدأ صعود القوة الإيطالية، وبدأت إيطاليا تنافس وتصارع بريطانيا، وكانت عين إيطاليا على تونس بوابتها الجنوبية على أفريقيا. وللحد من مطامع إيطاليا أكدت بريطانيا على أن تونس مقاطعة من مقاطعات الخلافة العثمانية مع مواصلة تركيز نفوذها بها عبر تجارها وسفرائها وجواسيسها؛ لكن التنافس والصراع البريطاني الإيطالي استمر، ثم كان مؤتمر برلين المشؤوم عام 1878م الذي عقد للاتفاق على إنهاء وجود الخلافة العثمانية بوصفها دولة إسلامية واقتسام ولاياتها، في ظرف انتشرت فيه فكرة الجامعة الإسلامية للخليفة عبد الحميد الثاني التي ترمي إلى إعادة وحدة الأمة الإسلامية وإعادة بناء قوة دولتها، فبدأت الفكرة تحدث متاعب للأوروبيين، فكان مؤتمر برلين لتسريع وتيرة الاستعمار لوأد الفكرة وتفكيك وتفتيت الدولة، وكان اجتماع المستشار الألماني بسمارك ونظيره البريطاني ساليسبوري، وكانت التسوية الاستعمارية البريطانية باقتطاع تونس آخر قلاع الخلافة العثمانية بحوض البحر الأبيض المتوسط لعزلها وفصلها عن مياه بحره وشل حركتها فيه، ثم جعل تونس تحت الاستعمار الفرنسي، وكان هدف بريطانيا الخفي هو قطع الطريق على إيطاليا وإمداد فرنسا بأسباب القوة بعد هزيمتها لحفظ التوازن الأوروبي وحجب بروسيا من الوصول لحوض البحر الأبيض المتوسط، ثم استولت هي على قبرص لإحكام قبضتها على البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. وهكذا اقتطعت بريطانيا تونس وقبرص من جسم الخلافة العثمانية، وكان احتلال فرنسا لتونس بتسليم بريطاني لحفظ التوازن الأوروبي ودرء الخطر الإيطالي، ولهدمٍ آخرَ في بناء الخلافة العثمانية. حتى إن مراسَلة من مكتب وزير الخارجية البريطاني ساليسبوري لسفيره بباريس «إن إنجلترا لا ترى مانعًا من توسيع فرنسا لنفوذها أو لمجالها الاستعماري في تونس». وهكذا كان، فبريطانيا سلمت وفرنسا استلمت واستعمرت، وبدأ استعمارها لتونس بعد توقيع معاهدة باردو الاستعمارية في 12 أيار/مايو 1881م خدمةً للاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في الحفاظ على تفوقها وهيمنتها وسيطرتها، فانفردت باستعمار أكثر أجزاء العالم، وكان لها حصة الأسد، وأرضت فرنسا بفتات المائدة للحفاظ على إمبراطوريتها.

وهكذا بات نفوذ بريطانيا في حوض البحر الأبيض المتوسط من شرقه ببلاد مصر والسودان واليونان وقبرص إلى غربه ببلاد المغرب الأقصى هو المهيمن والمسيطر بحكم الاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في السيطرة على الممرات المائية وأقفالها من مضايق وقنوات لتأمين أسطولها البحري ذراعها الاستعمارية الاقتصادية والعسكرية، والذي به تسيطر على التجارة العالمية وتستعمر وتحتل وتنهب.

وما كانت بلاد المغرب الأقصى استثناء، كعادتها في اختراق الدول والسيطرة عليها عن طريق تجارها وجواسيسها ثم بعدها سفرائها وقناصلها، وذلك الذي كان، ففي المغرب نفذ تجارها إلى الدائرة الضيقة للحكم وتحديدًا قصر السلطان قديمًا جراء ذلك الانفصال النكد للمغرب عن الخلافة الإسلامية، فقد أسّست أول شركة في المغرب وكانت إنجليزية وسميت بشركة «بلاد البربر» وتعود تفاصيلها لعام 1585م أيام حكم أحمد المنصور السعدي، ذكرها المؤرخ البريطاني «ب.ج.روجزر»؛ حيث بعثت ملكة إنجلترا رسالة للقصر مفادها أنها تقترح إقامة شركة تكون هي المحتكر الوحيد لجميع الأنشطة التجارية مع المغرب لمدة 12 سنة، الأمر الذي قوى حظوظ الإنجليز ونفوذهم وطوق المغرب اقتصاديًّا، لم يفطن حاكم المغرب للفخ بل اعتبر العقد الرسمي إغلاقًا لباب المشاكل مع التجار الأجانب الذين يتهرَّبون من أداء الضرائب لسلطات الجمارك المغربية؛ حتى أضحى بعدها التجار الإنجليز مستشارين للقصر في السياسة الخارجية، ثم تولَّى المهمة بعدهم الجواسيس القناصل والسفراء، ومن أبرزهم الجاسوس والوزير والسفير فوق العادة جون دريموند هاي والذي عاصر ثلاثة سلاطين ببلاد المغرب: عبد الرحمن (1820-1859)م، محمد بن عبد الرحمن (1859-1873)م، الحسن الأول (1873-1894)م، وكان ذا معرفة دقيقة بأحوال القصر وذا نفوذ بالغ فيه. فطوال نصف قرن كان قائمًا على تنفيذ الاستراتيجية البريطانية بالمغرب في التحكم في البوابة الغربية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وأدارها بمكر وخبث الإنجليز المعهود تحت خديعة الحرص على مصلحة السلاطين والبلد ضد الاعتداءات الخارجية، وخاصة الفرنسية ثم بعدها الإسبانية، وكان ينطلق من المبدأ الخبيث الماكر «كل ما هو في صالح بريطانيا هو في صالح المغرب»، وأن بريطانيا هي الصديق الوحيد الناصح للمغرب، ولا يتوانى في الضغط على السلاطين متى لزم الأمر. وهو في كل هذا ينفذ الاستراتيجية البريطانية في الحفاظ على هيمنة أسطولها على البحر الأبيض المتوسط، ومنها مضيق جبل طارق وبوابته الجنوبية بلاد المغرب، وكان لمدينة طنجة أهميتها في الاستراتيجية البريطانية كونها الشق الجنوبي لمضيق جبل طارق والمقابلة لصخرة جبل طارق في الشمال، أي قفل البحر الأبيض المتوسط للعبور إلى المحيط الأطلسي، ومن ثم كانت طنجة دار إقامة لسفرائها وقناصلها، ثم كان لها ذلك الوضع الخاص فيما بعد.

الصراع الإنجليزي-الفرنسي

وفي سنة 1848م، أعلنت فرنسا ضم الجزائر لترابها الوطني للتعبير عن تجديد قوتها وتجاوزها لعقدة هزيمة معركة واترلو ضد الألمان، فبدأت تتحرش بالمغرب، فكانت معركة إيسلي عام 1844م التي انكسرت فيها عساكر بلاد المغرب، فأراد الجنرال بيجو قائد القوات الفرنسية الغازية أن يواصل زحفه إلى تازة وفاس وسط المغرب؛ لكن التدخل البريطاني كان حاسمًا؛ حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني أبردين للقائم بالأعمال الفرنسي بلندن «إنني لست راغبًا في خلق متاعب للسيد بيجو؛ لكن يجب أن تكون على يقين أن احتلال فرنسا لمكان معيَّن في المغرب سيكون بمثابة الحرب على بريطانيا». وهكذا تمت إعادة فرنسا إلى جحرها حتى لا تتجاوز حدود المهمة المسخَّرة لها استراتيجيَّا من طرف بريطانيا. ووصفت بريطانيا سياستها هاته في خبث ومكر للقصر المغربي من كون موقفها هذا تمليه الصداقة التي تجمع بريطانيا بالمملكة الشريفة، هاته السياسة التي مهدت لوزيرها وسفيرها فوق العادة والمقيم بطنجة تحقيق الأهداف الاستراتيجية البريطانية ببلاد المغرب عبر اتفاقية 1856م، وبنودها الثمانية والثلاثين التي أخضعت المغرب للنفوذ الاستعماري البريطاني وجعلت القصر رهينة لدى الإنجليز، فكانت بحق في خبثها ومكرها اتفاقية استعمار بدون قوات عسكرية. ثم كعادتها في تسخير الغير وتوظيفه أدخلت الإسبان شمال المغرب لجعلهم حاجزًا من وصول القوى المنافسة إلى مياه البحر الأبيض المتوسط على ضفته الغربية، فكانت حرب تطوان الإسبانية المغربية عام 1860م، والتي أشرفت بريطانيا على اتفاقية وقف إطلاق النار ثم معاهدة الصلح بين الطرفين في نيسان/أبريل 1860م بشروط تخدم المحتل الإسباني، فأوجدت بريطانيا ثقبًا في الجدار المغربي لنفاذ إسبانيا منه إلى شمال المغرب.

الصراع الإنجليزي- الألماني على دول المغرب

ثم طرأ بعدها ما بين (1870-1914)م تحول جوهري في الساحة الدولية وجغرافيته الاستراتيجية؛ حيث تأسَّست وتشكَّلت الإمبراطورية الألمانية بعد اتحاد الإمارات الجرمانية عام 1871م، وبدأ تاريخ القيصرية الألمانية ما أحدث تحوُّلًا في الموقف الدولي وتهديدًا جديًّا للنفوذ والهيمنة الاستعمارية البريطانية، ثم بدأت الإمبراطورية الألمانية عام 1884م تنازع بريطانيا قيادة الموقف الدولي في موجة تدافع استعماري على أفريقيا، وما لبثت ألمانيا حتى اعتلت قيادة الموقف الدولي وتحديدًا 1904م، فقد غير صعود البحرية الألمانية ميزان القوى لصالح ألمانيا عطفًا عليه امتلاكها لأقوى الجيوش البرية. ثم بدأت تداعيات الصراع الاستعماري تطفو على الساحة الدولية، ومن هذه التداعيات الوضع الاستعماري للمغرب فدخلت ألمانيا على الخط الاستعماري، فاستبقت بريطانيا الأمر ووضعت فرنسا أمام الخطر الألماني تسخيرًا لها كدرع لحماية نفوذها به، ثم كانت اتفاقية 8 نيسان/أبريل 1904م بين بريطانيا وفرنسا التي بموجبها تم تسليم وسط المغرب لفرنسا للحد من الخطر والأطماع الألمانية ومحاولة لإعادة حالة التوازن الأوروبي لاسترجاع السيطرة البريطانية على الموقف الدولي؛ ما خلف عداء ألمانيا الشرس للاتفاق، فتفجَّرت أزمة دولية حول الوضع الاستعماري للمغرب ما بين (1905-1906)م كان فيها دعم البريطانيين للموقف الفرنسي جليًّا وواضحًا لأنه موقفهم. ثم كان مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عقد عام 1906م لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية، ترتَّب عليه اقتسام المغرب بين فرنسا وإسبانيا بترتيب ومباركة بريطانية، ومن غرائب هذا المؤتمر غياب رئيس الوفد المغربي وتصرف بريطانيا التام في سياساته. وكان استعمار المغرب وتسليمه لإسبانيا وفرنسا سياسة استراتيجية بريطانية للحد من أطماع ألمانيا ومن تهديدها للنفوذ الاستعماري البريطاني ومحاولة لإعادة التوازن الأوروبي؛ لكن التنافس والتنازع والصراع الاستعماري بين ألمانيا وبريطانيا احتدَّ فحاولت ألمانيا انتزاع المغرب في 1 حزيران/يونيو 1911م فأرسلت بارجتها الحربية «بانتر» لمدينة أكادير وهددت بقصف المدينة، وتزامن هذا مع حصار قصر فاس لخلع السلطان عبد الحفيظ، فتدخلت فرنسا فكسرت الحصار، وانتهت الأزمة بحصول ألمانيا على جزء من الكونغو مقابل التخلي عن أطماعها في المغرب. وبعدها تم إعلان استعمار فرنسا للمغرب في 30 آذار/مارس 1912م.

لكن تعاظمَ الخطر الألماني تفاقم وبات تهديدًا جديَّا للنفوذ الاستعماري البريطاني وتحول ميزان القوى لصالح ألمانيا، وهنا أشعلت بريطانيا فتيل الحرب وجرَّت العالم للحرب العالمية الأولى لضرب ألمانيا التي نازعتها هيمنتها الاستعمارية وأخلَّت بتوازن الدول الأوروبية… وهكذا سعت بريطانيا لحسم الصراع لصالحها، وكذلك كانت الحرب لتصفية الدولة الإسلامية تصفية نهائية، وفي كل هذا هي تسخر فرنسا وتستعملها في حفظ التوازن الأوروبي ودرء المخاطر عنها. وانتهت الحرب بالقضاء على الخطر الألماني وتصفية الدولة الإسلامية، وأصبحت قيادة الموقف الدولي بيد بريطانيا فباتت هي المهيمنة والمسيطرة على القرار الدولي والصانعة للسياسة الدولية، واستمر نفوذها على حوض الأبيض المتوسط عبر شبكة سفرائها وقناصلها وجواسيسها، وتسخير وتوظيف فرنسا لخدمة مصالحها واستراتيجيتها في السيطرة على الممرات المائية والتجارة العالمية.

استلام بريطانيا لملف استعمار دول المغرب من فرنسا الحرة                 

 أن الموقف الدولي شديد التقلب ولا يستقر على حال، فبدأ التقلب والتحوُّل في ثلاثينات القرن العشرين ماثلًا في تنامي قوة الاتحاد السوفياتي الشيوعي وخطره على ميزان القوى الأوروبي ثم التحوُّل الذي طرأ على الساحة الألمانية. ففي عام 1933م، أعطى البرلمان الألماني زعيم الحزب النازي أدولف هتلر بعد تعيينه مستشارًا للبلاد سلطة تشريعية بدون قيود. بعدها، وفي غضون شهور، باشر تنشيط الصناعة الحربية مع التركيز على إعادة تسليح الجيش، بعدها انطلقت ألمانيا في سياستها الخارجية الاستعمارية فضمَّت النمسا ثم تشيكوسلوفاكيا، وبعدها احتلت بولندا وحطمت التوازن الأوروبي واعتلت الموقف الدولي؛ فأصبحت أخطر تهديد للإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، ما دفع بريطانيا لجر العالم من جديد إلى الحرب العالمية الثانية سعيًا منها لضرب ألمانيا لإعادة التوازن الأوروبي، وكذلك محاولة منها لتصفية النظام الشيوعي في روسيا.

فاندلعت الحرب في فاتح أيلول/سبتمبر 1939م، فاكتسحت الجيوش الألمانية أوروبا، ثم كان الحدث البارز في ربيع 1940م حين قامت ألمانيا بغزو فرنسا واحتلالها في أقل من شهر ونصف. بدأ الغزو في 10 أيار/مايو 1940م، وفي 14 حزيران/يونيو 1940م سقطت العاصمة باريس دون مقاومة بعد الاستسلام الفرنسي؛ ما أحدث فوضى عارمة في الساحة الفرنسية وفي المستعمرات، وفي 22 حزيران/يونيو 1940م وقعت فرنسا على استسلامها من المارشال الفرنسي فيليب بيتان وأنشئت حكومة فيشي في وسط فرنسا الخاضعة للرايخ الألماني، ثم بعدها احتلت ألمانيا كامل فرنسا واستلمت ملف المستعمرات بالجزائر وتونس والمغرب عبر حكومة فيشي، وأعلن المقيم العام بالمغرب نوغيس ولاءه لحكومة الاحتلال في باريس، وبقيت فرنسا تحت الاحتلال الألماني حتى كانون الأول/ديسمبر 1944م؛ ولكن قبلها كان إنزال القوات البريطانية والأمريكية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1942م في آسفي والدار البيضاء والقنيطرة مدن الساحل الأطلسي بالمغرب ووهران والجزائر على البحر الأبيض المتوسط. وفي 14 كانون الثاني/يناير 1943م، انعقد مؤتمر آنفا بالدار البيضاء بالمغرب بحضور ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت والجنرال ديغول والجنرال جيرو لتمثيل المقاومة الفرنسية وملك المغرب محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني، انعقد المؤتمر أثناء الحرب لمناقشة مجرياتها والقضايا المتعلقة بها، وقد تردد الجنرال ديغول في قبول الدعوة للحضور لكن رئيس الوزراء البريطاني تشرشل ضغط عليه وهدد بشلِّ غرفة العمليات التي تديرها المقاومة الفرنسية ضد ألمانيا من لندن، فقبل رغم عدم رضاه ومعرفته بأن القرار السياسي الفرنسي أصبح رهينة السياسة البريطانية عطفًا عليها الأمريكية، ثم أصبح ملف المستعمرات الفرنسية بكل من الجزائر وتونس والمغرب على الطاولة البريطانية عطفًا عليها العين الأمريكية، فكان مؤتمر آنفا إعادة لتموضع بريطانيا في غرب المتوسط وإعادة استلام لملفات الجزائر وتونس والمغرب مع إطلالة للعين الأمريكية التي استجد حضورها واطلاعها على المنطقة.

وانتهت الحرب العالمية الثانية في 2 أيلول/سبتمبر 1945م؛ إلا أن نتيجتها هذه المرة كانت ضد بريطانيا، فقد خرجت من الحرب محطَّمة الأضلاع، وانتهى عصر قوة الإمبراطورية البريطانية ودخلت عصر ضعفها، وتحوَّل الموقف الدولي من يد بريطانيا إلى يد أمريكا، إلا أن ضعفها لا يعني طردها من المجال الدولي فقد حافظت على مستعمراتها في قبضة يدها تحت اسم الكومنولث، ثم إن  كثيرًا من البلاد الإسلامية استمرت تحت نفوذها وخاضعة لسيطرتها. أما فرنسا فقد كانت نتائج الحرب العالمية عليها كارثية فاحتلالها من طرف ألمانيا والفوضى التي سادت سياستها الاستعمارية خلال حكومة فيشي الخاضعة للاحتلال الألماني، ثم حركة تحريرها التي كانت تدار من قلب لندن أي خاضعة للسياسة البريطانية، فقوات فرنسا الحرة كانت تتحرك تحت أوامر القيادة البريطانية، وفي ضعفها وهوانها كانت الدعوة لحضور مؤتمر آنفا عبر رأسين متنافسين على القيادة هما الجنرال ديغول والجنرال جيرو، لتأكيد بريطانيا دعوتهم بوصفهم قادة المقاومة العسكرية الفرنسية وليس لتمثيل الدولة الفرنسية لأنه حينها سيلزم حضور رأس واحدة، وليقصر النقاش معهما حول السياسات العسكرية وليست السياسة الدولية التي كان اللقاء والمؤتمر الصحافي بشأنها ثنائيًا بين روزفلت وتشرشل. ثم بعدها في آب/أغسطس 1943م دمجت قوات ديغول وجيرو في سلسلة قيادة قوات فرنسا الحرة الموحدة التابعة للقيادة الأنجلو-أمريكية، بينما كانت قوات فرنسا المحتلة تابعة للقيادة الألمانية والسوفياتية.[يتبع]