Monday, December 13, 2021

قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (1)

 قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (1)

 

مناجي محمد

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يتولَّد عنها من تبعية وعمالة مسألة بالغة التعقيد والتركيب؛ لأنها تستوجب معلومات غاية في الحساسية والخفاء، ومتعلقة بدوائر الحكم الضيِّقة وغرفه وزواياه المظلمة، ودقة متناهية في رصد الأحداث والوقائع والتصرفات لتمييز طبيعة التبعية، ومنها العمالة ووجهتها. إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يستتبعها من تبعية وعمالة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الدولية وبهيكل العلاقات الدولية، ومن ثم بالموقف الدولي ودوله الكبرى الفاعلة فيه ودولته الأولى صاحبة الفعل المؤثر والقرار النهائي في العلاقات الدولية والسياسة الدولية. وينبغي أن يكون مدرَكًا أن التحكم في العالم على مرِّ التاريخ هو للدول الكبرى، ولا سيما الدولة الأولى، وأن أي تحوُّل في ميزان القوى للدول الكبرى هو المؤثر والفاعل في تحوُّل وتبدُّل وتغيُّر الموقف الدولي والعلاقات الدولية والسياسة الدولية، ثم الانعكاسات والآثار المترتبة على وجهة الدول الوظيفية تبعيةً وعمالةً. وعليه فلا بد من إدراك هذا كله إدراكًا متطورًا متفاعلًا مع التحولات الطارئة والتغيرات في الموقف الدولي والساحة الدولية؛ حتى يتسنَّى فهم السياسة الدولية وتبعاتها المشؤومة في صناعة الدول الوظيفية للكافر المستعمر والعملاء الخونة في بلاد المسلمين.

بدأ القرن الثامن عشر وقد دار الزمان دورته، ودبَّ الضعف في كيان الأمة الاستراتيجي، خلافتها، واعترى التفكك والتشرذم جسم الدولة، وبات الانحطاط سيد الموقف حتى شُلَّت حركتها الفكرية المنتجة بالكامل؛ فاستفحلت واستعصت مشاكلها. ثم كان الانقلاب الصناعي في أوروبا الذي أحدث انقلابًا في ميزان القوى، ثم اعتناق الأوروبيين لمبدئهم الرأسمالي الاستعماري المشؤوم؛ فأصبحت دولة الإسلام هدفًا للتدمير، واستئصال الإسلام غاية استراتيجية، وبلاد المسلمين وثرواتهم مطمع الطامعين. ثم كان القرن التاسع عشر عصر الاستعمار الأوروبي بامتياز، فأخذت دول أوروبا الكافرة تغتصب بلاد المسلمين قطعة قطعة، فبدأ الجزر الإسلامي بعد ذلك المد المجيد العظيم.

وقراءتنا هذه معنيَّة برصد النفوذ الأجنبي في غرب البلاد الإسلامية مع توسع في الحالة المغربية، ولما كان القرن التاسع عشر هو عصر الاستعمار الأوروبي، فهو إذن بداية التاريخ المفصلي لقراءة وفهم الموقف الدولي والسياسة الدولية المتعلقة بغرب البلاد الإسلامية، إنه كان زمن زرع وغرس بذور وجذور النفوذ البريطاني في غرب البلاد الإسلامية.

أهمية البحر الأبيض المتوسط في سياسة بريطانيا الاستعمارية:

لطالما كان البحر الأبيض المتوسط واحدًا من أكثر النقاط الجيوستراتيجية أهمية في تاريخ الحضارات والأمم، والذي استجدَّ مع الاستعمار الأوروبي أنه أضحى أخطر ممر مائي لقوات استعماره وتجارة نهبه، فأضحى من أكبر الأهداف الاستراتيجية لدول أوروبا الاستعمارية، بحر يربط بين القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، محكم الإغلاق بأقفال مضايقه وقنواته، يتصل بالمحيط الأطلسي عن طريق مضيق جبل طارق، ويتصل بالبحر الأسود عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويتصل بالبحر الأحمر عن طريق مصر ومن بعد قناة السويس، وتشكل هذه المضايق شبه عنق زجاجة، فهي أقفاله ونقاطه الخانقة التي تحدُّ من ملاحته، بل وتُشلّ بها حركته، والسيطرة عليها سيطرة عليه.

وهكذا بدأ العصر الاستعماري الأوروبي بداية القرن التاسع عشر، وعينُ دوله الكبرى على البحر الأبيض المتوسط، ففضلًا على الهدف الاستراتيجي الأول في القضاء على دولة الإسلام الخلافة العثمانية وعزل الإسلام عن الساحة الدولية والسياسة الدولية، كان البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي والبلاد المطلَّة عليه هدفًا استعماريًا، ينظر لتلك البلاد على أنها محل غزو واستعمار لتفكيك الخلافة العثمانية بوصف تلك البلاد جزءًا من جغرافيتها، وللتحكم في أخطر ممر مائي، ومن ثم التحكم في الملاحة والتجارة العالمية وفي أبواب وأقفال الاستعمار.فالصراع الاستعماري حول البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي كان محمومًا بين دول أوروبا الكبرى بداية القرن التاسع عشر.

فبعد هزيمة الجيش الفرنسي وفشل حملة نابليون العسكرية في احتلال مصر بوابة البحر الأبيض المتوسط الشرقية تحت ضربات الأسطول البريطاني عام 1801م؛ حيث تمَّ تحطيم الأسطول الفرنسي وغرقه بالمجمل، وقَّعت فرنسا معاهدة الاستسلام والخروج من مصر على متن السفن البريطانية. ثم كان تحالف بريطانيا مع بروسيا ضد فرنسا وكانت معركة واترلو عام 1815م وهزيمة فرنسا أمام بروسيا، والتي تعتبر الفصل الختامي لإمبراطورية نابليون بونابرت وإنهاء الأطماع الفرنسية ثم التقهقر الفرنسي، ومن ثم بداية سيطرة الأسطول البريطاني على حوض البحر الأبيض المتوسط.

فهزيمة واترلو كانت الخلفية المباشرة لمؤتمر فيينا عام 1815م والقيود التي فرضها على فرنسا من منعها إجراء تغييرات إقليمية دون موافقة الدول الكبرى حينها، وهي: بروسيا وروسيا والنمسا وبريطانيا، ثم قدَّمت بريطانيا مذكرة في المؤتمر بخصوص إيالة الجزائر مركز ومقر الأسطول البحري للدولة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، تحت بند أسمته القرصنة المغاربية في البحر الأبيض المتوسط وضرورة القضاء عليها، فمنحها المؤتمرون حق النظر فيما هو صالح للقارة الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت لها اليد الطولى عليه.

تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياسة بريطانيا الاستعمارية.

كانت لسياسة بريطانيا النشطة في إشراك الغير وتكتيل الأحلاف الأثر الأكبر في هزيمة فرنسا والقضاء على أطماعها، فقد بلغت ميزانيتها في عام 1814م نحو 88 مليون جنيه إسترليني خصصت منها عشرة ملايين للحلفاء؛ إذ دفعت لنسبة كبيرة من الجنود النمساويين والروس لحرب فرنسا في معركة واترلو. وسياسة تكتيل الأحلاف وإشراك الغير سياسة تفرضها معضلة إنجلترا في قلة عدد سكانها وضيق جغرافيتها كجزيرة. فبعد هزيمة فرنسا في حروبها النابليونية الاستعمارية عظمت قوة بريطانيا البحرية وقوتها الاستعمارية، وصارت إمبراطوريتها هي المهيمنة دوليَّا والمسيطرة على السياسة الدولية والتجارة العالمية، ومن ثم سعت لتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة بريطانية وإخضاع حوضه الجنوبي لنفوذها، وكانت بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه في عين العاصفة الاستعمارية البريطانية.

هكذا أصبح الموقف الدولي خاضعًا لسياسة بريطانيا الدولية حتى أسمت نظامها الدولي بالسلم البريطاني، فرسمت خريطة العالم ومعالم سياسته الدولية. ثم لما كانت إنجلترا جزيرة في وسط البحر وسكانها لا تكفي جزيرتهم لعيشهم؛ لذا كان خروجهم من الجزيرة طلبًا للعيش أمرًا لا مفر منه؛ إلا أنهم متى خرجوا خرجوا لصوصًا ومستعمرين لا تجارًا، مصاصين لدماء الشعوب وناهبين لثرواتها لافتقارهم بضاعة المقايضة ومال التجارة.

 فلما اعتنقوا المبدأ الرأسمالي الاستعماري استفحلت فيهم اللصوصية وتركَّزت وتجذَّرت فيهم الناحية الاستعمارية في تواؤم وتناغم تامَّين مع سوء طبائعهم فصارت بريطانيا دولة استعمارية من الدرجة الأولى.

ثم إن قلة عدد سكانها (عدد سكان بريطانيا عام 1814م نحو 16 مليون نسمة، وهو بالكاد يمثل نصف حجم سكان فرنسا وقتها) يفقدها الاستطاعة على الوقوف بمفردها ومجابهة قوة تفوقها عددًا؛ لذا توسَّلت لمعالجة معضلتها السكانية والجغرافية بسياسة تسخير غيرها من الشعوب والدول لمساعدتها في استعمارها، وألبست هذه المساعدة الاستعمارية قوالب الأحلاف والمؤتمرات والاتفاقيات؛ ولذلك كان تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياستها الخارجية. ثم إن هذه المعضلة الجيوستراتيجية سكانًا وجغرافيةً جعلت الأعمال المادية العسكرية ثانوية في سياستها الخارجية، بل كان الرأي السائد بين ساستها ورأسمالييها أن الأعمال العسكرية والتوسع غير المحسوب يستنزف الإمبراطورية وينتهي بسقوطها، وهكذا باتت الأعمال السياسية هي رأس حربتها الاستعمارية، وكان حفظ التوازن الدولي خدمة لاستعمارها من أولوياتها الاستراتيجية.

أدركت بريطانيا أهمية السيطرة والتحكم في أقفال البحر الأبيض المتوسط فسيطرت باكرًا على صخرة جبل طارق عام 1704م، ثم ما حقَّقته من مكاسب مهمة في حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال ترتيبات مؤتمر فينَّا 1815م، فنفذت إلى البلاد الإسلامية المطلَّة على حوضه الجنوبي عبر تجارها وجواسيسها وسفرائها النشطين الذين اخترقوا دوائر الحكم حتى أضحوا مستشارين في القضايا الخارجية للبلاد في كل من تونس والجزائر والمغرب. وبعد قضائها على الأسطول الفرنسي كانت المعضلة الاستراتيجية التي تعترضها لبسط هيمنتها واستعمارها على كامل حوض البحر الأبيض المتوسط هو الأسطول البحري للخلافة العثمانية بولاية الجزائر، فكان التخلص منه هدفها الاستراتيجي؛ فكتَّلت الأحلاف لضربه تحت غطاء محاربة القرصنة، وراحت تشنُّ الغارات تلو الغارات للقضاء عليه، فكانت حملة اللورد إكسماوت البريطانية وأشركت معها الولايات الأمريكية في حربها على إيالة الجزائر عام 1815م، ثم حملتها على إيالة الجزائر بإشراك فان كابلان الهولندي في 27 آب/أغسطس 1816م؛ لكن أسطول الدولة الإسلامية في إيالة الجزائر صمد وقاوم، ولما استعصى قضاؤها عليه طرحت المسألة الجزائرية في مؤتمر إكس لاشبيل عام 1818م، والذي جاء تقريره تهديدًا ووعيدًا، وبعد رفض شروطه من إيالة الجزائر كانت الحملة البريطانية على الإيالة عام 1824م، وتماشيًا مع سياستها في تسخير الغير ووضعه أمام الأخطار التي تتهددها وجدت ضالتها في فرنسا، فأشركتها في حملتها بحصار فرنسا لسواحل الجزائر 1827م، ثم يسَّرت لها احتلال إيالة الجزائر عام 1830م.

تسخير بريطانيا لفرنسا في سياستها الاستعمارية

أما تسخيرها لفرنسا فمرده أن شعب فرنسا منذ ثورته وأخذه بفكرة الحرية بوصفها صفة فردية عليا وبتجذرها فيه تأصل فيه التفكك وطغت عليه الفردية؛ فصار أقرب منه لمجموعة أفراد منه لأمة أو حتى شعب أو جماعة، حتى ندر فيهم من جرائها وجود حكم قوي أو حكومات قوية، ذلك الذي سهل مهمة بريطانيا في استخدام فرنسا وتسخيرها المرة تلو المرة. وهكذا كان خلال القرن التاسع عشر، فقد عملت بريطانيا على إدخال وإشراك فرنسا في استعمارها من أجل أن تقف بجانبها إذا وجد خطر على منطقتها الاستعمارية، وتضعها أمام الأخطار التي تتهدَّدها حتى قيل «إن إنجلترا تقاتل حتى آخر جندي فرنسي».

وهكذا سخَّرت بريطانيا فرنسا لمواجهة وضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة بالبحر الأبيض المتوسط عبر تيسير استعمارها لولاية الجزائر، فالقرائن والدلائل التاريخية والوثائق تؤكد ذلك، فكل المؤشرات كانت تؤكد قدرة وجاهزية الأسطول البريطاني في منع الفرنسيين من احتلال الجزائر، حتى إن الأميرال دوبيري القائد العام للقوات البحرية الفرنسية أفاد «لو قامت بريطانيا بالهجوم على قواتنا فإن فرنسا لن تتمكن من صد الهجوم» وتمنى أن تأخذ المحادثات بين الحكومة الفرنسية والبريطانية فترة أطول حتى تتمكن فرنسا من الوصول إلى هدفها، وذلك الذي كان. ثم موقف القنصل العام البريطاني بالجزائر سان جون؛ إذ كلما سأله الداي حسين والي الخليفة العثماني على إيالة الجزائر عن مخاطر الحملة الفرنسية كان رد القنصل العام البريطاني: «اصمدوا، فإن فرنسا ستنسحب في النهاية وإن بريطانيا ستساندكم»، إلا أنه في نهاية المطاف اتَّضح أن فرنسا لم تنسحب وأن بريطانيا لم تساند إيالة الجزائر، بل الحاصل أن بريطانيا استخدمت سلاحها الفعال «الكذب والخديعة» للمراوغة الدبلوماسية والوقيعة بالخصم ثم لزمت الصمت حين احتلت فرنسا الجزائر. حتى إن قنصلها العام بالمغرب دريموند هاي النافذ لدى القصر (وكان اختياره كقنصل عام يعود إلى ما أكده هاي بنفسه لحكومته كون بريطانيا هي أقوى أصدقاء المغرب وأكثرهم جدوى، وإلى علاقته الكبيرة ورصيده الدبلوماسي وخبرته في هذه المسائل)، فقد طلب منه رجالات القصر إخلاصهم النصيحة تجاه القضية الجزائرية لتقديمها للسلطان المغربي عبد الرحمن، عندها حذر هاي من أن السلطان عبد الرحمن سيواجه كارثة إذا ما تحدَّى فرنسا وأصرَّ على أن سياسة السلام سوف تحقق أفضل المصالح المغربية.

وهكذا دفعت بريطانيا بفرنسا لاحتلال ولاية الجزائر لضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة العثمانية بالبحر الأبيض المتوسط لتتمكن بريطانيا من بسط هيمنتها عليه، كما أن احتلال الجزائر عام 1830م تزامن مع برتوكول لندن عام 1830م، وبعدها مؤتمر لندن عام 1832م، الذي بموجبه اقتطعت بريطانيا اليونان من دولة الخلافة، وهكذا تمكَّنت من التحكم في البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. ثم استمرت في تسخير فرنسا واستعمالها في درء المخاطر التي تتهددها وكذلك في حفظ التوازن.

وحفظًا للتوازن الدولي وفي أعقاب الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)م فقد تجرَّعت فرنسا مرارة الهزيمة والإذلال على يد الألمان، ودفعت التعويضات المالية الباهظة وخسرت منطقتي الألزاس واللورين وفقدت قوتها، وكانت تعيش ما يشبه الكارثة على مختلف الأصعدة. ثم بدأ صعود القوة الإيطالية، وبدأت إيطاليا تنافس وتصارع بريطانيا، وكانت عين إيطاليا على تونس بوابتها الجنوبية على أفريقيا. وللحد من مطامع إيطاليا أكدت بريطانيا على أن تونس مقاطعة من مقاطعات الخلافة العثمانية مع مواصلة تركيز نفوذها بها عبر تجارها وسفرائها وجواسيسها؛ لكن التنافس والصراع البريطاني الإيطالي استمر، ثم كان مؤتمر برلين المشؤوم عام 1878م الذي عقد للاتفاق على إنهاء وجود الخلافة العثمانية بوصفها دولة إسلامية واقتسام ولاياتها، في ظرف انتشرت فيه فكرة الجامعة الإسلامية للخليفة عبد الحميد الثاني التي ترمي إلى إعادة وحدة الأمة الإسلامية وإعادة بناء قوة دولتها، فبدأت الفكرة تحدث متاعب للأوروبيين، فكان مؤتمر برلين لتسريع وتيرة الاستعمار لوأد الفكرة وتفكيك وتفتيت الدولة، وكان اجتماع المستشار الألماني بسمارك ونظيره البريطاني ساليسبوري، وكانت التسوية الاستعمارية البريطانية باقتطاع تونس آخر قلاع الخلافة العثمانية بحوض البحر الأبيض المتوسط لعزلها وفصلها عن مياه بحره وشل حركتها فيه، ثم جعل تونس تحت الاستعمار الفرنسي، وكان هدف بريطانيا الخفي هو قطع الطريق على إيطاليا وإمداد فرنسا بأسباب القوة بعد هزيمتها لحفظ التوازن الأوروبي وحجب بروسيا من الوصول لحوض البحر الأبيض المتوسط، ثم استولت هي على قبرص لإحكام قبضتها على البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. وهكذا اقتطعت بريطانيا تونس وقبرص من جسم الخلافة العثمانية، وكان احتلال فرنسا لتونس بتسليم بريطاني لحفظ التوازن الأوروبي ودرء الخطر الإيطالي، ولهدمٍ آخرَ في بناء الخلافة العثمانية. حتى إن مراسَلة من مكتب وزير الخارجية البريطاني ساليسبوري لسفيره بباريس «إن إنجلترا لا ترى مانعًا من توسيع فرنسا لنفوذها أو لمجالها الاستعماري في تونس». وهكذا كان، فبريطانيا سلمت وفرنسا استلمت واستعمرت، وبدأ استعمارها لتونس بعد توقيع معاهدة باردو الاستعمارية في 12 أيار/مايو 1881م خدمةً للاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في الحفاظ على تفوقها وهيمنتها وسيطرتها، فانفردت باستعمار أكثر أجزاء العالم، وكان لها حصة الأسد، وأرضت فرنسا بفتات المائدة للحفاظ على إمبراطوريتها.

وهكذا بات نفوذ بريطانيا في حوض البحر الأبيض المتوسط من شرقه ببلاد مصر والسودان واليونان وقبرص إلى غربه ببلاد المغرب الأقصى هو المهيمن والمسيطر بحكم الاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في السيطرة على الممرات المائية وأقفالها من مضايق وقنوات لتأمين أسطولها البحري ذراعها الاستعمارية الاقتصادية والعسكرية، والذي به تسيطر على التجارة العالمية وتستعمر وتحتل وتنهب.

وما كانت بلاد المغرب الأقصى استثناء، كعادتها في اختراق الدول والسيطرة عليها عن طريق تجارها وجواسيسها ثم بعدها سفرائها وقناصلها، وذلك الذي كان، ففي المغرب نفذ تجارها إلى الدائرة الضيقة للحكم وتحديدًا قصر السلطان قديمًا جراء ذلك الانفصال النكد للمغرب عن الخلافة الإسلامية، فقد أسّست أول شركة في المغرب وكانت إنجليزية وسميت بشركة «بلاد البربر» وتعود تفاصيلها لعام 1585م أيام حكم أحمد المنصور السعدي، ذكرها المؤرخ البريطاني «ب.ج.روجزر»؛ حيث بعثت ملكة إنجلترا رسالة للقصر مفادها أنها تقترح إقامة شركة تكون هي المحتكر الوحيد لجميع الأنشطة التجارية مع المغرب لمدة 12 سنة، الأمر الذي قوى حظوظ الإنجليز ونفوذهم وطوق المغرب اقتصاديًّا، لم يفطن حاكم المغرب للفخ بل اعتبر العقد الرسمي إغلاقًا لباب المشاكل مع التجار الأجانب الذين يتهرَّبون من أداء الضرائب لسلطات الجمارك المغربية؛ حتى أضحى بعدها التجار الإنجليز مستشارين للقصر في السياسة الخارجية، ثم تولَّى المهمة بعدهم الجواسيس القناصل والسفراء، ومن أبرزهم الجاسوس والوزير والسفير فوق العادة جون دريموند هاي والذي عاصر ثلاثة سلاطين ببلاد المغرب: عبد الرحمن (1820-1859)م، محمد بن عبد الرحمن (1859-1873)م، الحسن الأول (1873-1894)م، وكان ذا معرفة دقيقة بأحوال القصر وذا نفوذ بالغ فيه. فطوال نصف قرن كان قائمًا على تنفيذ الاستراتيجية البريطانية بالمغرب في التحكم في البوابة الغربية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وأدارها بمكر وخبث الإنجليز المعهود تحت خديعة الحرص على مصلحة السلاطين والبلد ضد الاعتداءات الخارجية، وخاصة الفرنسية ثم بعدها الإسبانية، وكان ينطلق من المبدأ الخبيث الماكر «كل ما هو في صالح بريطانيا هو في صالح المغرب»، وأن بريطانيا هي الصديق الوحيد الناصح للمغرب، ولا يتوانى في الضغط على السلاطين متى لزم الأمر. وهو في كل هذا ينفذ الاستراتيجية البريطانية في الحفاظ على هيمنة أسطولها على البحر الأبيض المتوسط، ومنها مضيق جبل طارق وبوابته الجنوبية بلاد المغرب، وكان لمدينة طنجة أهميتها في الاستراتيجية البريطانية كونها الشق الجنوبي لمضيق جبل طارق والمقابلة لصخرة جبل طارق في الشمال، أي قفل البحر الأبيض المتوسط للعبور إلى المحيط الأطلسي، ومن ثم كانت طنجة دار إقامة لسفرائها وقناصلها، ثم كان لها ذلك الوضع الخاص فيما بعد.

الصراع الإنجليزي-الفرنسي

وفي سنة 1848م، أعلنت فرنسا ضم الجزائر لترابها الوطني للتعبير عن تجديد قوتها وتجاوزها لعقدة هزيمة معركة واترلو ضد الألمان، فبدأت تتحرش بالمغرب، فكانت معركة إيسلي عام 1844م التي انكسرت فيها عساكر بلاد المغرب، فأراد الجنرال بيجو قائد القوات الفرنسية الغازية أن يواصل زحفه إلى تازة وفاس وسط المغرب؛ لكن التدخل البريطاني كان حاسمًا؛ حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني أبردين للقائم بالأعمال الفرنسي بلندن «إنني لست راغبًا في خلق متاعب للسيد بيجو؛ لكن يجب أن تكون على يقين أن احتلال فرنسا لمكان معيَّن في المغرب سيكون بمثابة الحرب على بريطانيا». وهكذا تمت إعادة فرنسا إلى جحرها حتى لا تتجاوز حدود المهمة المسخَّرة لها استراتيجيَّا من طرف بريطانيا. ووصفت بريطانيا سياستها هاته في خبث ومكر للقصر المغربي من كون موقفها هذا تمليه الصداقة التي تجمع بريطانيا بالمملكة الشريفة، هاته السياسة التي مهدت لوزيرها وسفيرها فوق العادة والمقيم بطنجة تحقيق الأهداف الاستراتيجية البريطانية ببلاد المغرب عبر اتفاقية 1856م، وبنودها الثمانية والثلاثين التي أخضعت المغرب للنفوذ الاستعماري البريطاني وجعلت القصر رهينة لدى الإنجليز، فكانت بحق في خبثها ومكرها اتفاقية استعمار بدون قوات عسكرية. ثم كعادتها في تسخير الغير وتوظيفه أدخلت الإسبان شمال المغرب لجعلهم حاجزًا من وصول القوى المنافسة إلى مياه البحر الأبيض المتوسط على ضفته الغربية، فكانت حرب تطوان الإسبانية المغربية عام 1860م، والتي أشرفت بريطانيا على اتفاقية وقف إطلاق النار ثم معاهدة الصلح بين الطرفين في نيسان/أبريل 1860م بشروط تخدم المحتل الإسباني، فأوجدت بريطانيا ثقبًا في الجدار المغربي لنفاذ إسبانيا منه إلى شمال المغرب.

الصراع الإنجليزي- الألماني على دول المغرب

ثم طرأ بعدها ما بين (1870-1914)م تحول جوهري في الساحة الدولية وجغرافيته الاستراتيجية؛ حيث تأسَّست وتشكَّلت الإمبراطورية الألمانية بعد اتحاد الإمارات الجرمانية عام 1871م، وبدأ تاريخ القيصرية الألمانية ما أحدث تحوُّلًا في الموقف الدولي وتهديدًا جديًّا للنفوذ والهيمنة الاستعمارية البريطانية، ثم بدأت الإمبراطورية الألمانية عام 1884م تنازع بريطانيا قيادة الموقف الدولي في موجة تدافع استعماري على أفريقيا، وما لبثت ألمانيا حتى اعتلت قيادة الموقف الدولي وتحديدًا 1904م، فقد غير صعود البحرية الألمانية ميزان القوى لصالح ألمانيا عطفًا عليه امتلاكها لأقوى الجيوش البرية. ثم بدأت تداعيات الصراع الاستعماري تطفو على الساحة الدولية، ومن هذه التداعيات الوضع الاستعماري للمغرب فدخلت ألمانيا على الخط الاستعماري، فاستبقت بريطانيا الأمر ووضعت فرنسا أمام الخطر الألماني تسخيرًا لها كدرع لحماية نفوذها به، ثم كانت اتفاقية 8 نيسان/أبريل 1904م بين بريطانيا وفرنسا التي بموجبها تم تسليم وسط المغرب لفرنسا للحد من الخطر والأطماع الألمانية ومحاولة لإعادة حالة التوازن الأوروبي لاسترجاع السيطرة البريطانية على الموقف الدولي؛ ما خلف عداء ألمانيا الشرس للاتفاق، فتفجَّرت أزمة دولية حول الوضع الاستعماري للمغرب ما بين (1905-1906)م كان فيها دعم البريطانيين للموقف الفرنسي جليًّا وواضحًا لأنه موقفهم. ثم كان مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عقد عام 1906م لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية، ترتَّب عليه اقتسام المغرب بين فرنسا وإسبانيا بترتيب ومباركة بريطانية، ومن غرائب هذا المؤتمر غياب رئيس الوفد المغربي وتصرف بريطانيا التام في سياساته. وكان استعمار المغرب وتسليمه لإسبانيا وفرنسا سياسة استراتيجية بريطانية للحد من أطماع ألمانيا ومن تهديدها للنفوذ الاستعماري البريطاني ومحاولة لإعادة التوازن الأوروبي؛ لكن التنافس والتنازع والصراع الاستعماري بين ألمانيا وبريطانيا احتدَّ فحاولت ألمانيا انتزاع المغرب في 1 حزيران/يونيو 1911م فأرسلت بارجتها الحربية «بانتر» لمدينة أكادير وهددت بقصف المدينة، وتزامن هذا مع حصار قصر فاس لخلع السلطان عبد الحفيظ، فتدخلت فرنسا فكسرت الحصار، وانتهت الأزمة بحصول ألمانيا على جزء من الكونغو مقابل التخلي عن أطماعها في المغرب. وبعدها تم إعلان استعمار فرنسا للمغرب في 30 آذار/مارس 1912م.

لكن تعاظمَ الخطر الألماني تفاقم وبات تهديدًا جديَّا للنفوذ الاستعماري البريطاني وتحول ميزان القوى لصالح ألمانيا، وهنا أشعلت بريطانيا فتيل الحرب وجرَّت العالم للحرب العالمية الأولى لضرب ألمانيا التي نازعتها هيمنتها الاستعمارية وأخلَّت بتوازن الدول الأوروبية… وهكذا سعت بريطانيا لحسم الصراع لصالحها، وكذلك كانت الحرب لتصفية الدولة الإسلامية تصفية نهائية، وفي كل هذا هي تسخر فرنسا وتستعملها في حفظ التوازن الأوروبي ودرء المخاطر عنها. وانتهت الحرب بالقضاء على الخطر الألماني وتصفية الدولة الإسلامية، وأصبحت قيادة الموقف الدولي بيد بريطانيا فباتت هي المهيمنة والمسيطرة على القرار الدولي والصانعة للسياسة الدولية، واستمر نفوذها على حوض الأبيض المتوسط عبر شبكة سفرائها وقناصلها وجواسيسها، وتسخير وتوظيف فرنسا لخدمة مصالحها واستراتيجيتها في السيطرة على الممرات المائية والتجارة العالمية.

استلام بريطانيا لملف استعمار دول المغرب من فرنسا الحرة                 

 أن الموقف الدولي شديد التقلب ولا يستقر على حال، فبدأ التقلب والتحوُّل في ثلاثينات القرن العشرين ماثلًا في تنامي قوة الاتحاد السوفياتي الشيوعي وخطره على ميزان القوى الأوروبي ثم التحوُّل الذي طرأ على الساحة الألمانية. ففي عام 1933م، أعطى البرلمان الألماني زعيم الحزب النازي أدولف هتلر بعد تعيينه مستشارًا للبلاد سلطة تشريعية بدون قيود. بعدها، وفي غضون شهور، باشر تنشيط الصناعة الحربية مع التركيز على إعادة تسليح الجيش، بعدها انطلقت ألمانيا في سياستها الخارجية الاستعمارية فضمَّت النمسا ثم تشيكوسلوفاكيا، وبعدها احتلت بولندا وحطمت التوازن الأوروبي واعتلت الموقف الدولي؛ فأصبحت أخطر تهديد للإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، ما دفع بريطانيا لجر العالم من جديد إلى الحرب العالمية الثانية سعيًا منها لضرب ألمانيا لإعادة التوازن الأوروبي، وكذلك محاولة منها لتصفية النظام الشيوعي في روسيا.

فاندلعت الحرب في فاتح أيلول/سبتمبر 1939م، فاكتسحت الجيوش الألمانية أوروبا، ثم كان الحدث البارز في ربيع 1940م حين قامت ألمانيا بغزو فرنسا واحتلالها في أقل من شهر ونصف. بدأ الغزو في 10 أيار/مايو 1940م، وفي 14 حزيران/يونيو 1940م سقطت العاصمة باريس دون مقاومة بعد الاستسلام الفرنسي؛ ما أحدث فوضى عارمة في الساحة الفرنسية وفي المستعمرات، وفي 22 حزيران/يونيو 1940م وقعت فرنسا على استسلامها من المارشال الفرنسي فيليب بيتان وأنشئت حكومة فيشي في وسط فرنسا الخاضعة للرايخ الألماني، ثم بعدها احتلت ألمانيا كامل فرنسا واستلمت ملف المستعمرات بالجزائر وتونس والمغرب عبر حكومة فيشي، وأعلن المقيم العام بالمغرب نوغيس ولاءه لحكومة الاحتلال في باريس، وبقيت فرنسا تحت الاحتلال الألماني حتى كانون الأول/ديسمبر 1944م؛ ولكن قبلها كان إنزال القوات البريطانية والأمريكية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1942م في آسفي والدار البيضاء والقنيطرة مدن الساحل الأطلسي بالمغرب ووهران والجزائر على البحر الأبيض المتوسط. وفي 14 كانون الثاني/يناير 1943م، انعقد مؤتمر آنفا بالدار البيضاء بالمغرب بحضور ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت والجنرال ديغول والجنرال جيرو لتمثيل المقاومة الفرنسية وملك المغرب محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني، انعقد المؤتمر أثناء الحرب لمناقشة مجرياتها والقضايا المتعلقة بها، وقد تردد الجنرال ديغول في قبول الدعوة للحضور لكن رئيس الوزراء البريطاني تشرشل ضغط عليه وهدد بشلِّ غرفة العمليات التي تديرها المقاومة الفرنسية ضد ألمانيا من لندن، فقبل رغم عدم رضاه ومعرفته بأن القرار السياسي الفرنسي أصبح رهينة السياسة البريطانية عطفًا عليها الأمريكية، ثم أصبح ملف المستعمرات الفرنسية بكل من الجزائر وتونس والمغرب على الطاولة البريطانية عطفًا عليها العين الأمريكية، فكان مؤتمر آنفا إعادة لتموضع بريطانيا في غرب المتوسط وإعادة استلام لملفات الجزائر وتونس والمغرب مع إطلالة للعين الأمريكية التي استجد حضورها واطلاعها على المنطقة.

وانتهت الحرب العالمية الثانية في 2 أيلول/سبتمبر 1945م؛ إلا أن نتيجتها هذه المرة كانت ضد بريطانيا، فقد خرجت من الحرب محطَّمة الأضلاع، وانتهى عصر قوة الإمبراطورية البريطانية ودخلت عصر ضعفها، وتحوَّل الموقف الدولي من يد بريطانيا إلى يد أمريكا، إلا أن ضعفها لا يعني طردها من المجال الدولي فقد حافظت على مستعمراتها في قبضة يدها تحت اسم الكومنولث، ثم إن  كثيرًا من البلاد الإسلامية استمرت تحت نفوذها وخاضعة لسيطرتها. أما فرنسا فقد كانت نتائج الحرب العالمية عليها كارثية فاحتلالها من طرف ألمانيا والفوضى التي سادت سياستها الاستعمارية خلال حكومة فيشي الخاضعة للاحتلال الألماني، ثم حركة تحريرها التي كانت تدار من قلب لندن أي خاضعة للسياسة البريطانية، فقوات فرنسا الحرة كانت تتحرك تحت أوامر القيادة البريطانية، وفي ضعفها وهوانها كانت الدعوة لحضور مؤتمر آنفا عبر رأسين متنافسين على القيادة هما الجنرال ديغول والجنرال جيرو، لتأكيد بريطانيا دعوتهم بوصفهم قادة المقاومة العسكرية الفرنسية وليس لتمثيل الدولة الفرنسية لأنه حينها سيلزم حضور رأس واحدة، وليقصر النقاش معهما حول السياسات العسكرية وليست السياسة الدولية التي كان اللقاء والمؤتمر الصحافي بشأنها ثنائيًا بين روزفلت وتشرشل. ثم بعدها في آب/أغسطس 1943م دمجت قوات ديغول وجيرو في سلسلة قيادة قوات فرنسا الحرة الموحدة التابعة للقيادة الأنجلو-أمريكية، بينما كانت قوات فرنسا المحتلة تابعة للقيادة الألمانية والسوفياتية.[يتبع]

مجلة الوعي: العدد 424: أخبار المسلمين في العالم

 مجلة الوعي: العدد 424: أخبار المسلمين في العالم

 

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

بابا الفاتيكان يشكر الصحافيين لمساعدتهم في الكشف عن الفضائح الجنسية للكنيسة!!.

شكر البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الصحافيين على المساعدة في الكشف عن فضائح الاعتداءات الجنسية التي تورط فيها رجال الدين والتي حاولت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التستُّر عليها في البداية. وأشاد بابا روما بما سماه «مهمة» الصحافة، وقال إنّ من الضروري أن يخرج الصحافيون من غرف التحرير ويكتشفوا ما يحدث في العالم الخارجي لمواجهة المعلومات المضلِّلة التي غالباً ما توجد على الإنترنت. وأضاف: «أشكركم على إبلاغنا بالخطأ داخل الكنيسة، وعلى مساعدتنا في عدم إخفائه… وعلى الصوت الذي منحتموه لضحايا الانتهاكات». جاء ذلك خلال حفل لتكريم اثنين من المراسلين المخضرمين، هما فيليب بوليلا من «رويترز» وفالنتينا ألازراكي من تلفزيون «نوتيثيروس» المكسيكي، على حياتهما المهنية الطويلة التي قضياها في تغطية شؤون الفاتيكان.

الوعي: هذا الشكر ليس من القلب، وإنما هو شكر المغلوب على أمره. ويبقى أن غير المكشوف من الفضائح الجنسية هو أكثر بما لا يقاس، ويذكر أن هذه الفضائح تطال كبار رجال الدين عندهم، أما العاديون منهم فهم غير مكشوفين وخاصة إذا كانت فيما بينهم… والسبب واحد وهو مخالفة الفطرة في الزواج والإنجاب، وسبب ذلك هو التحريف في الدين.

جدل في مصر بعد عودة فيديوهات زكريا بطرس «المسيئة للإسلام» إلى الواجهة

عادت الفيديوهات المسيئة للإسلام وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم من الكاهن المصري السابق زكريا بطرس (87 عامًا) إلى الواجهة في مقاطع اتسمت بنبرة هجومية ما استدعى ردًا من الكنيسة القبطية في القاهرة. وكان هذا الكاهن يقدم، منذ أكثر من عقد مضى، برامج على قناة دينية مسيحية اتهمت بتوجيه إساءات للإسلام وللمسلمين قبيل إقفالها. وعلقت الكنيسة الأرثوذكسية على انتشار الفيديوهات لتؤكد أن صلتها ببطرس قد انقطعت منذ أكثر من 18 عامًا، معبرة عن رفضها لها، وقالت الكنيسة إنه منذ تاريخ 2003م، لم يعُد تابعًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أو يمارس فيها أي عمل من قريب أو بعيد» . وتابع بيان الكنيسة «بعدها ذهب إلى الولايات المتحدة واستضاف البعضُ اجتماعاته في بيوت وفنادق حذرت إيبارشية لوس أنجلوس شعبها من استضافته وقتها». وانهالت على وسائل التواصل الاجتماعي ردود الفعل المستجهنة لفيديوهات بطرس، وهناك تخوف من أن تؤدي المقاطع لمشاحنات طائفية في مصر التي يشكل أقباطها أكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط.

النيابة الروسية تطلب حلَّ أقدم وأهم منظمة حقوقية في البلاد

قدَّمت النيابة العامة في روسيا، طلبًا للمحكمة العليا لحل منظمة «ميموريال» غير الحكومية، وفق ما أعلنت الخميس المنظمة الحقوقية الأقدم (تأسست عام 1989م) والأكثر أهمية في روسيا مستنكرة الخطوة بوصفها «سياسية». وأوضحت المنظمة في بيان أنها متهمة بـ«انتهاك منهجي» لقانون «العملاء الأجانب»، وأدرجتها السلطات الروسية على لائحة «العملاء الأجانب» عام 2016م. ويلزم الإدراج المنظمات أو وسائل الإعلام أو الأشخاص المعنيين بالإعلان عن جميع منشوراتهم، بما في ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي، والامتثال لإجراءات إدارية مضنية. وأوردت «ميموريال» في بيانها: «لقد أكدنا مرارًا أن هذا القانون وضع منذ البداية كأداة قضائية تعسفية ضد المنظمات المستقلة وأصررنا على إلغائه». وتابعت المنظمة التي شاركت لسنوات في معركة قانونية لإلغاء إدراجها على اللائحة «نعتقد أن لا أساس شرعيًا لحل ميموريال» . وشدَّدت على أن طلب النيابة العامة «قرار سياسي بتدمير ميموريال». ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا في طلب النيابة في 25 نوفمبر، بحسب المعلومات المتاحة على موقعها الرسمي على الإنترنت. ورفضت المحكمة العليا حلَّ «ميموريال» عام 2015م بعد أن قدمت وزارة العدل الروسية طلبًا بذلك، وصعَّدت السلطات الروسية ضغوطها على المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المستقلة والمعارضة في الأشهر الأخيرة، وأدرجت معظمها على لائحة «العملاء الأجانب».

الوعي: إن روسيا لا تختلف عن غيرها من الدول القمعية ومصادرة الرأي والاتهامات الجاهزة… لذلك تعتبر مثل هذه القرارات سياسية قمعية أكثر مما هي مسألة انتهاك قوانين.

الأمم المتحدة تكشف عدد النازحين حول العالم

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عدد الذين أجبروا على ترك منازلهم حول العالم ارتفع على الأرجح إلى أكثر من 84 مليون شخص في النصف الأول من هذا العام، مشيرة إلى أن هذه زيادة غذتها الصراعات في أفريقيا على الأغلب. وقال فيليبو غراندي‏، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان: «المجتمع الدولي يفشل في منع العنف، والاضطهاد، وانتهاك حقوق الإنسان؛ حيث لا يزال طرد السكان من ديارهم مستمرًا. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي آثار تغير المناخ إلى تفاقم نقاط الضعف في العديد من المناطق التي تستضيف النازحين قسرًا”، وأضاف أنه تم تسجيل أكثر من 4.3 مليون حالة نزوح داخلي جديدة بين يناير، ويونيو/حزيران في 33 دولة تراقب المفوضية أوضاع النزوح فيها. وذكر أن ذلك يمثل زيادة حادة مقارنة بالعام السابق، وأن العنف المتصاعد أدى لنزوح أعداد كبيرة من السكان في الكونغو، وإثيوبيا، وأفغانستان، وموزمبيق، وميانمار، وجنوب السودان، ودول في منطقة الساحل بغرب أفريقيا. وقالت المفوضية إن أرقامها جاءت من حكومات، ومن مكاتبها حول العالم، مضيفة أنها استكملت هذه الأرقام ببيانات من منظمات غير حكومية.

الوعي: يبدو ان غراندي هذا يسير في تحليله بشكل معكوس فهو يقول: المجتمع الدولي يفشل في منع العنف، والاضطهاد، وانتهاك حقوق الإنسان وطرد السكان من ديارهم، والأصل أن يقول أن المجتمع الدولي وتحديدًا الغربي هو المتسبب، فكلامه هذا فيه قلب للحقائق وتزوير.

مكبَّات الحرائق في العراق وأفغانستان.. دخان يطارد الجنود الأميركيين المتقاعدين

استخدم الجيش الأميركي حفرًا للحرق في العراق وأفغانستان للتخلص من أي شيء تقريبًا: الإلكترونيات، والمواد الكيميائية، والملفات السرية، والممنوعات، والبلاستيك، والمطاط، وحتى المركبات التي تم تفجيرها، وعندما كان يخمد اللهب، كانوا يلقون وقود الطائرات لتسريع الحرق. وتخرج منها روائح كريهة خارجة عن السيطرة، وكانت مكبات الحرائق هي المكان الذي لا مفر من الوجود بقربه… ولا يزال آلاف الأشخاص الآخرين، الذين يشتبهون في أنهم مصابون بأمراض تتراوح بين أمراض الجهاز التنفسي والسرطان مرتبطة بانتشارهم في حروب ما بعد الحادث عشر من سبتمبر، يخضعون لعملية التشخيص الذي يستغرق وقتًا طويلًا للغاية. وأنشأت وزارة شؤون المحاربين القدامى سجلًّا لحُفَر الحروق في عام 2014م للمساعدة في «فهم أفضل للآثار الصحية المحتملة لحفر الحروق والتعرضات الأخرى» . وحتى الآن تم تسجيل أكثر من 200 ألف شخص، ولكن تم رفض غالبية مطالبات الحصول على المنافع المتعلقة بحفر الحروق المقدمة حتى الآن… ويذكر أن الرئيس جو بايدن كثيرًا ما ربط وفاة نجله بو في عام 2015م بتعرضه لمكبات الحرائق في العراق، وهو خدم  كرائد في الحرس الوطني بجيش ديلاوير، وخدم في العراق من 2008م إلى 2009م. وفي كلمة ألقاها أمام أفراد الخدمة العسكرية في مايو من هذا العام، قال بايدن إن ابنه ذهب إلى العراق «كشاب يتمتع بصحة جيدة وعاد مصابًا بورم دماغي حاد؛ لأن حلقه كان في اتجاه الريح من تلك الحروق» .

الوعي: إن المآسي التي تخلفها حروب أمريكا على الآخرين يصيبها الكثير من شظاياها، فتطور السلاح له عواقبه التي لا يستهان بها حتى على من يستعمله؛ ولكن من غير الوارد أن يتوقف هذا الاستعمال؛ لأن الذي يقف وراء خوض الحروب هي طبقة الرأسماليين المجرمة، والتي ليس لها قلب… إن الحضارة الغربية خطرة حتى على نفسها ومدمرة حتى لأهلها، وبالتالي يجب إنقاذ العالم منها.

مجلة الوعي: العدد 424: مع القرآن الكريم

 مجلة الوعي: العدد 424: مع القرآن الكريم

 

(وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ )

( وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧ وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ
أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨ وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩) [الكهف: 27- 28- 29].

وعن سبب نزول الآية الأولى فإنها نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وعمار وحباب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم عيينة بن الحصين والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا رسول الله، إن جلستَ في صدر المجلس ونحَّيتَ عنا هؤلاء روائح صنانهم، وكانت عليهم جبات الصوف؛ جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك؛ فلا يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء، فلما نزلت الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسهم، فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عز وجل، فقال الحمد لله الذي لم يمتْني حتى أمرني أن أصبِّر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات.

جاء في تفسير الظلال لسيد قطب:

(وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ) وبتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة ما أوحاه ربه إليه، وفيه فصل الخطاب، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل، والاتجاه إلى الله وحده، فليس من حمى إلا حماه .وقد فر إليه أصحاب الكهف فشملهم برحمته (وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا)وهكذا تنتهي القصة، تسبقها وتتخللها وتعقبها تلك التوجيهات التي من أجلها يساق القصص في القرآن، مع التناسق المطلق بين التوجيه الديني والعرض الفني في السياق.

(وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ) هذا الدرس كله تقرير للقيم في ميزان العقيدة. إن القيم الحقيقية ليست هي المال، وليست هي الجاه، وليست هي السلطان، كذلك ليست هي اللذائذ والمتاع في هذه الحياة… إن هذه كلها قيم زائفة وقيم زائلة. والإسلام لا يحرم الطيِّب منها؛ ولكنه لا يجعل منها غاية لحياة الإنسان. فمن شاء أن يتمتع بها فليتمتع، ولكن ليذكر الله الذي أنعم بها وليشكره على النعمة بالعمل الصالح، فالباقيات الصالحات خير وأبقى.
وهو يبدأ بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع الذين يتجهون إلى الله، وأن يغفل ويهمل الذين يغفلون عن ذكر الله… يروى أنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطرد فقراء المؤمنين من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود إذا كان يطمع في إيمان رؤوس قريش، أو أن يجعل لهم مجلسًا غير مجلس هؤلاء النفر؛ لأن عليهم جبابًا تفوح منها رائحة العرق، فتؤذي السادة من كبراء قريش! ويروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم طمع في إيمانهم فحدثته نفسه فيما طلبوا إليه. فأنزل الله عز وجل الآية، أنزلها تعلن عن القيم الحقيقية، وتقيم الميزان الذي لا يخطئ. وبعد ذلك (فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ) فالإسلام لا يتملق أحدًا، ولا يزن الناس بموازين الجاهلية الأولى، ولا أية جاهلية تقيم للناس ميزانًا غير ميزانه. (وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ) أي لا تمل ولا تستعجل (مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ) فالله غايتهم، يتجهون إليه بالغداة والعشي، لا يتحولون عنه، ولا يبتغون إلا رضاه. وما يبتغونه أجلُّ وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة. اصبر نفسك مع هؤلاء، صاحبهم وجالسهم وعلِّمهم. ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات. فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة؛ ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع؛ ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع! إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغي جاهًا ولا متاعًا ولا انتفاعًا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه. (وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ) ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة. فهذه زينة الحياة (ٱلدُّنۡيَاۖ ) لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه. (وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا) لا تطعهم فيما يطلبون من تمييز بينهم وبين الفقراء. فلو ذكروا الله لطامنوا من كبريائهم، وخففوا من غلوائهم، وخفضوا من تلك الهامات المتشامخة، واستشعروا جلال الله الذي تتساوى في ظله الرؤوس؛ وأحسوا رابطة العقيدة التي يصبح بها الناس إخوة. ولكنهم إنما يتبعون أهواءهم. أهواء الجاهلية، ويحكمون مقاييسها في العباد. فهم وأقوالهم سفه ضائع لا يستحق إلا الإغفال جزاء ما غفلوا عن ذكر الله. لقد جاء الإسلام ليسوي بين الرؤوس أمام الله. فلا تفاضل بينها بمال ولا نسب ولا جاه. فهذه قيم زائفة، وقيم زائلة، إنما التفاضل بمكانها عند الله. ومكانها عند الله يوزن بقدر اتجاهها إليه وتجردها له. وما عدا هذا فهو الهوى والسفه والبطلان.  (وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا)  أغفلنا قلبه حين اتجه إلى ذاته، وإلى ماله، وإلى أبنائه، وإلى متاعه ولذائذه وشهواته، فلم يعد في قلبه متسع لله. والقلب الذي يشتغل بهذه الشواغل، ويجعلها غاية حياته لا جرم يغفل عن ذكر الله، فيزيده الله غفلة، ويملي له فيما هو فيه، حتى تفلت الأيام من بين يديه، ويلقى ما أعده الله لأمثاله الذين يظلمون أنفسهم، ويظلمون غيرهم:

(وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ...) بهذه العزة، وبهذه الصراحة، وبهذه الصرامة، فالحق لا ينثني ولا ينحني، إنما يسير في طريقه قيِّمًا لا عِوج فيه، قويًّا لا ضعف فيه، صريحًا لا مداورة فيه. فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر .ومن لم يعجبه الحق فليذهب، ومن لم يجعل هواه تبعًا لما جاء من عند الله فلا مجاملة على حساب العقيدة؛ ومن لم يحنِ هامته ويطامن من كبريائه أمام جلال الله فلا حاجة بالعقيدة إليه. إن العقيدة ليست ملكًا لأحد حتى يجامل فيها، إنما هي ملك لله، والله غني عن العالمين. والعقيدة لا تعتزُّ ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة، ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير. والذي يترفَّع عن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه لا يرجى منه خير للإسلام ولا المسلمين .ثم يعرض ما أعدَّ للكافرين ، وما أعدَّ للمؤمنين في مشهد من مشاهد القيامة: (إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا..) أعددناها وأحضرناها، فهي لا تحتاج إلى جهد لإيقادها، ولا تستغرق زمنًا لإعدادها! ومع أن خلق أي شيء لا يقتضي إلا كلمة الإرادة: (كُن فَيَكُونُ)؛ إلا أن التعبير هنا بلفظ (أَعۡتَدۡنَا) يلقي ظل السرعة والتهيُّؤ والاستعداد، والأخذ المباشر إلى النار المعدَّة المهيَّأة للاستقبال! وهي نار ذات سرادق يحيط بالظالمين، فلا سبيل إلى الهرب، ولا أمل في النجاة والإفلات، ولا مطمع في منفذ تهب منه نسمة، أو يكون فيه استرواح! فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا، أغيثوا بماء كدردي الزيت المغلي في قول، وكالصديد الساخن في قول! يشوي الوجوه بالقرب منها، فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرَّعه؟! (بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا) الذي يغاث به الملهوفون من الحريق! ويا لسوء النار وسرادقها مكانًا للارتفاق والاتِّكاء. وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكُّم مرير. فما هم هنالك للارتفاق، إنما هم للاشتواء!».

رياض الجنة: أوصاني خليلي

 رياض الجنة: أوصاني خليلي

 

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

روى أحمد والبزار وابن حبان في حديث صحيح، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخصالٍ مِن الخيرِ: أوصاني بألَّا أنظُرَ إلى مَن هو فوقي وأنْ أنظُرَ إلى مَن هو دوني، وأوصاني بحبِّ المساكينِ والدُّنوِّ منهم، وأوصاني أنْ أصِلَ رحِمي وإنْ أدبَرتْ، وأوصاني ألَّا أخافَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأوصاني أنْ أقولَ الحقَّ وإنْ كان مُرًّا، وأوصاني أنْ أُكثِرَ مِن قولِ: «لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ فإنَّها كنزٌ مِن كنوزُ الجنَّةِ».

* قوله رضي الله عنه: «أَوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بخِصالٍ مِن الخيرِ» والمرادُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَهِدَ إليه بأمورٍ فيها الخيرُ لمَن التزَمَها وعَمِل بها، ووضَعَ قولَه: «خليلي» مكانَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ إظهارًا لغايةِ تعطُّفِه وحبِّه الشديدِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم.

* وقوله رضي الله عنه: «أَوصاني بألَّا أنظُرَ إلى مَن هو فَوقي» وهو الذي يَتقدَّمُ على الإنسانِ في المالِ والغِنى والمناصبِ، والمرادُ ألَّا أطلُبَ ما في يدِ الآخَرينَ مِن أمورِ الدُّنيا «وأنْ أنظُرَ إلى مَن هو دوني» وهو الذي أقَلُّ منه في المالِ أو الصِّحَّةِ ونحوِه؛ وذلك حتى يَقنَعَ الإنسانُ بما في يدِه فيَحمَدَ اللهَ ويشكُرَه عليه، فيَنشغِلَ بالعِبادةِ والطاعةِ، وتَستقِرَّ له نفسُه وروحُه أكثَرَ مِن أنْ يَنشغِلَ بطلبِ الدُّنيا فيُرهِقَ نفسَه ويشُقَّ عليها بما هو زائلٌ. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ» متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلمٍ. وفي رواية البخاري: «إِذا نَظَر أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عليهِ في المالِ وَالخَلْقِ فلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْه»ُ. قال ابن حجر: «وفي معناه، أي الحديث السابق، ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعَهُ: «أقِلُّوا الدخول على الأغنياء؛ فإنه أحرى أن لا تَزْدَرُوا نعمة الله». قال بن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ ولهذا قال ابن عون:« صحبت الأغنياء فلم أرّ أحداً أكثر همَّاً مني، أرى دابَّةً خيراً من دابَّتي، وثوباً خيراً من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت».

* وقوله رضي الله عنه: «وأَوصاني بحُبِّ الـمَساكينِ، والدُّنوِّ منهم»، والـمِسكينُ هنا: مَن كان قَلبُه مُستَكينًا للهِ خاضِعًا له خاشعًا، ولأنَّ المساكينَ ليس عِندَهم مِن الدُّنيا ما يُوجِبُ مَحبَّتَهم لأَجْلِه؛ فلا يُحَبُّونَ إلَّا للهِ عزَّ وجلَّ، والحبُّ في اللهِ مِن أَوثَقِ عُرى الإيمانِ، والـمُحِبُّ لأهلِ الإيمانِ وأهلِ طاعةِ اللهِ تعالى يَقرُبُ أنْ يَعمَلَ بعمَلِهم. فعن أسامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قُمتُ على باب الجنة، فإذا عامَّةُ من دخَلَها المساكينُ، وأصحاب الجَدِّ (الحظ والغنى) محبوسون (لم يؤذَن لهم بعدُ في دخول الجنة حتى يأذن الله) غير أن أصحاب النار قد أُمِرَ بهم إلى النار، وقمتُ على باب النار، فإذا عامَّةُ من دخَلَها النساءُ» متفق عليه. قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: «اتخذوا اليدَ عند المساكينِ؛ فإنَّ لهم يومَ القيامةِ دولةً»، وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: «مَن أرادَ عِزَّ الآخرةِ؛ فليكنْ مجلسُهُ مع المساكينِ».

* وقوله رضي الله عنه: «وأَوصاني أنْ أَصِلَ رَحِمي وإنْ أدبَرَتْ» بعُدتْ، أو أنَّهم قطَعوها، والرَّحِمُ هي الصِّلةُ التي تكونُ بينَ الشَّخْصِ وغيرِه، والمرادُ بها هنا: الأَقارِبُ، ويُطلَقُ عليهم: أُولو الأرحامِ. روى الإمام أحمد والدارمي عن حكيم بن حزام «خير الصدقة على القريب الكاشح» ومعناه، فهو أن أفضل ما يتصدَّق به المرء هو ما يتصدَّق به على قريبه الذي يعاديه ويضمر ذلك؛ لأن في هذه الصدقة الجمع بين صلة الرحم وترغيم الشيطان. فالكاشح كما في «لسان العرب»: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه. وعن سلمان بن عامر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة».

* وقوله رضي الله عنه: «وأَوصاني ألَّا أخافَ في اللهِ لَومةَ لائمٍ» بألَّا يُقدِّمَ الخوفَ مِن أحدٍ على الخوفِ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، ولكنْ يَصدَعُ بالحقِّ. وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ (السهل والصعب) وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ». وأخرج الترمذي: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ» أخرجه أحمد. وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها تكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها». قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». قال الإمام النووي: «معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحدًا ولا نخافه».

 * وقوله رضي الله عنه: «وأَوصاني أنْ أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا»، وألَّا يَخشى أحدًا في قولِ الحقِّ وإنْ أُوذيَ فيه. فقد خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه في بداية الدعوة إلى قريش، وعزم على أن يسمعهم كلمة الحق، فخطب فيهم بالإسلام، وكان أول خطيب يدعو إلى الله ورسوله، فتناوله الأعداء بالضرب المبرح على جسده ووجهه، حتى ما عرف أنفه من وجهه، فحملوه إلى بيته وما يشكُّون في موته. ونقل ابن هشام أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا يومًا فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال: دعوني فإن الله سيمنعني. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، ثم قرأ :«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رافعا بها صوته ]ٱلرَّحۡمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢[ [الرحمن: 1، 2]، ثم استقبلها يقرؤها، فتأملوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟ قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثَّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينَّهم بمثلها. قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون». وكذلك فعل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه  لما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى قومك (غفار)، فأخبرهم حتى يأتيك أمري». فقال: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ (قريش). فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فاستنقذه منهم، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ فاستنقذه منهم» متفق عليه. ومِمَّا جاء عن أبي ذر رضي الله عنه قوله: «مَا زَالَ بِي الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِي صَدِيقًا» رواه أحمد بسند جيد..

* وقوله رضي الله عنه: «وأَوصاني: أنْ أُكثِرَ مِن قولِ: لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ»، هي كلمةٌ فيها اعترافٌ مِن قائلِها بالإذعانِ والخضوعِ للهِ تعالى وتسليمِ الأمرِ إليه، ومعناها: أنَّه لا حيلةَ للعَبدِ ولا تَحوُّلَ له عن معصيةِ اللهِ إلَّا بإذنِه، وقيل: مَعْناها: لا حوْلَ في دَفْعِ الشَّرِّ، ولا طاقةَ بجَلْبِ خَيرٍ إلَّا بإذنِ اللهِ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى رضي الله عنه “ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة”؟ قال: بلى، قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله” وهذا بيانٌ لعظيمِ وفضلِ تلك الكلمة. وهذه الجملة العظيمة فيها التسليم لله تعالى والاعتماد عليه، وأن (الحول) أي الحركة، أو (التحول) من حال إلى حال. والقوة على الطاعة، لا تكون إلا بالله. ويقول ابن القيم رحمه الله: وَأَمَّا تَأْثِيرُ «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» فِي دَفْعِ هَذَا الدَّاءِ [ يعني: داء الهم والغم ] فَلِمَا فِيهَا مِنْ كَمَالِ التَّفْوِيضِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ كُلِّهِ لَهُ، وَعَدَمِ مُنَازَعَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ .