Monday, December 13, 2021

الدعوة إلى «الديانة الإبراهيمية الجديدة» وجه آخر من وجوه الحرب على الإسلام

 الدعوة إلى «الديانة الإبراهيمية الجديدة» وجه آخر من وجوه الحرب على الإسلام

 

مجلة الوعي: العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

«الديانة الإبراهيمية الجديدة» هو اسم لديانة جديدة محرَّفة، توصف عند مبتدعيها بإنها تشكل الجامع المشترك بين الأديان (الإسلام والمسيحية واليهودية) باعتبار أن النبي إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء في هذه الأديان. والهدف المعلن للمشروع هو «التركيز على المشترك بين الديانات، والتغاضي عما يمكن أن يسبب نزاعات وقتالًا بين الشعوب». وقد بدأ الترويج للفكرة فعلًا في إطار «إقامة السلام بين الشعوب والدول بغض النظر عن الفروقات».

وهذه الدعوة تأتي في إطار الحرب على الإسلام التي تسعِّرها الولايات المتحدة في إطار فرض نظامها الدولي الجديد على العالم ومنه العالم الإسلامي، وتترافق مع تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) في المنطقة العربية خاصة. فقد تم تداول مصطلح «الإبراهيمية» مع توقيع الإمارات والبحرين اتفاق تطبيع مع (إسرائيل) في سبتمبر أيلول العام الماضي. وهو الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها حينها دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنير؛ حيث سُمِّي بـ «الاتفاق الإبراهيمي». ولقد ورد في نص إعلان الاتفاق المنشور على صفحة وزارة الخارجية الأمريكية: «نحن نشجع جهود دعم الحوار بين الثقافات والأديان للدفع بثقافة سلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث والإنسانية جمعاء».

وهذه الدعوة لها دعاة أبرزهم محمد بن زايد (يتم تداول ونشر صورة تخيُّلية لمحمد بن زايد على مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع على هيئة شيطان ويتم التعليق عليها بشكل ساخر). والربط واضح بين الدعوة «للإبراهيمية» وبين «بيت العائلة الإبراهيمية» الذي أمر حاكم أبو ظبي محمد بن زايد بتأسيسه، والذي يضم مسجدًا وكنيسةً وكنيسًا يهوديًّا، وسيتم افتتاحه في عام 2022م. وهكذا بدأ الحديث عن التسامح والتواصل والحوار بين البلدان والشعوب والملل والأديان ليتحول فيما بعد إلى حديث عما يعرف بـ»الديانة الإبراهيمية الموحَّدة».

وهذه الدعوة لها أصل عند غلاة الصوفيين السابقين، وقد رفضها علماء المسلمين الأوائل ومنهم ابن تيمية حيث ذكر في مجموع الفتاوى:«كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يجعلون أفضل الخلق عندهم، المحقق، وهو القائل بالوحدة، وإذا وصل إلى هذا فلا يضرُّه عندهم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم يسوِّغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام، ويجعلون هذه طرقًا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين» وهذا مما يفسر الدافع المعلن لدى أمريكا إلى تبني الدعوة الصوفية التي تقوم على مثل هذه المفاهيم المنحرفة،  وبالتالي دعمها لمواجهة مشروع الدعوة إلى إقامة دولة الخلافة.

ويذكر الكاتب محمد محمد حسين أن من أشهر دعاة وحدة الأديان في العصر الحديث جمال الدين الفارسي المشهور بالأفغاني، فقد كان له دور خطير في السعي إلى توحيد الأديان الثلاثة، وتلقَّف هذه الدعوة من بعده تلميذه محمد عبده فقد كان له مشاركة في التوفيق بين الإسلام والنصرانية. ومعلوم ارتباط داعيي الشر هذين بالماسونية، وبتوافق دعوتهما مع رياح السياسة البريطانية.

الوعي: إن الدعوة إلى وحدة الأديان هي دعوة سياسية خبيثة مغلَّفة بألفاظ التعايش والحوار والتقارب والتسامح والزمالة بين الأديان… وأصحاب هذه الدعوة يريدون بالحقيقة إيجاد حالة اندماج أديان (وليس فقط اندماج أتباع) وتحديدًا الديانة الإسلامية، وهي دعوة لا تخرج عن الحرب العالمية على الإسلام لتحريفه وتبديله. أما الأديان الأخرى فهي محرَّفة بالأصل، وهي دعوة تخالف الفطرة، قال تعالى: (وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩) [هود: 118، 119].

وهذه الدعوة هي كفر بواح، لما تتضمنه من تكذيب للنصوص الصحيحة الظاهرة، وتعارض المعلوم من الدين بالضرورة، ويدرك ضلالها العوام فضلًا عن الخواص، وقال تعالى: (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ) [آل عمران: 19] والله أعلمنا أن هذا الدين الذي رضيه الله لنا كامل ونعمته تامة، قال تعالى: (ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ) [المائدة: 3] وأنه ناسخ لما سبقه من ديانات اعتراها التحريف والتبديل قال تعالى: (وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ) [آل عمران: 85]، وأن اليهود والنصارى وجميع الأمم عليهم أن يؤمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تمامًا على الذي أنزل، ومن يتولَّى فإنما هو في شقاق، قال تعالى: (فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧) [البقرة: 137] وحرم الشرع اتخاذ اليهود والنصارى أولياء فقال: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ)[المائدة: 51]. بل اعتبرهم الشرع أعداء، وعلى المسلمين أن يتخذوهم أعداء قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ) وقال تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥)… ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّى بين الإسلام وغيره من الأديان فقد خرج من ربقة الإسلام.

Wednesday, December 8, 2021

موجة الغلاء رغم الأسباب الطارئة ... حكامنا سبب أصيل

 موجة الغلاء رغم الأسباب الطارئة ... حكامنا سبب أصيل

 

بقلم: يوسف أبو زر

نشر بتاريخ: 01 تشرين2/نوفمبر 2021

في حالة تبدو ملامحها كارثية، خصوصا على فقراء العالم وكثيرون هم، بدأت موجة من ارتفاع الأسعار بشكل كبير شملت الكثير من السلع الأساسية ومن أهمها المواد الغذائية، وهذه الموجة عالمية وهي مرشحة للتوسع في بقية السلع وغير مرشحة للانتهاء سريعا وذلك لطبيعة الأسباب المرتبطة بها.

 لا يقف سبب واحد مباشر وراء موجة ارتفاع الأسعار، بل هي مجموعة من العوامل تضافرت على تفاوت في إسهامها لتنتج هذه الحالة، بل وترشح استمرارها وامتدادها، ويضاف إليها سبب أصيل حاضر دوما في كل الأزمات باستمرار وهو الجشع الرأسمالي وعبث القوى الكبرى المتحكمة.

أما عوامل الارتفاع الذي كان متوقعا للأسعار فإنها تتلخص في التالي:

*زيادة الطلب العالمي بشكل كبير مع عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها بعد جائحة كورونا وذلك بعد الانقطاع أو التعثر فيما عرف بـ "سلاسل الإمداد"، وقد ترجمت تلك الزيادة عمليا بزيادة الطلب على الإنتاج وعلى مدخلاته وخاماته، كما ترجمت بالطلب المرتفع على نقل البضائع مما أدى إلى ارتفاع أسعار النقل عالميا إلى معدلات عالية، وأما في الصين وأمريكا   فإن الأمر قد بدأ قبل ذلك من خلال الطلب المجنون لتخزين الخامات لمجرد توقعات انفجار الطلب المكبوت عالميا.

*أدت الاستجابة إلى الطلب المرتفع عالميا وعودة العجلة الإنتاجية لتعمل بوتيرة كبيرة إلى ارتفاع الطلب على الطاقة اللازمة للإنتاج، في الوقت الذي تعاني فيه الدول الكبرى أصلا في أوروبا والصين من أزمة في الطاقة اللازمة لإنتاج الكهرباء -لأسباب لا يتسع المقام لذكرها- مما حد من قدرة الصين على الاستجابة المطلوبة للإنتاج ومنها إنتاج خامات المعادن، ويرتبط بهذه النقطة –أي ارتفاع الطلب على الطاقة -الارتفاع الحاصل في أسعار النفط وبالتالي مشتقاته حيث التوقعات بارتفاع سعر البرميل إلى 100دولار.

* وأما بالنسبة للمواد الغذائية فإن الارتفاع فيها قد بدأ منذ شهور وذلك بسبب المخاوف والتوقعات لمواسم الجفاف والعوامل الجوية في كثير من مناطق العالم، وكذلك ترشيد بعض الدول لصادراتها الزراعية بل وفرض البعض منها ضريبة على الصادرات كما فعلت روسيا في صادرات القمح، وبالمقابل زيادة الطلب للتخزين من بعض الدول كالصين، وقد أضيف لما سبق ارتفاع أسعار النقل، وكذلك ارتفاع أسعار النفط مما أدى إلى تحويل بعض المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي كالذرة حيث ساهم كل ذلك في ارتفاع الأسعار.

*سياسة ما يسمى بـ "التيسير الكمي"  وسياسات الدعم وضخ الأموال التي قامت بها الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا في فترة "الكورونا" للأفراد والشركات مما أوجد كتلة نقدية ضخمة، بل وازدياد في معدلات الادخار، مما نتج عنه ارتفاع كبير في معدلات التضخم (ارتفاع الأسعار) في أمريكا بالذات وفي أوروبا، وبالرغم من ذلك لا يظهر أن الحكومات في أمريكا وأوروبا لها نية في كبح التضخم بأدوات نقدية كرفع أسعار الفائدة، بل يظهر أنهم اختاروا الصبر على التضخم لصالح استمرار النمو، وهذه الحالة توجد انخفاضا في سعر الدولار وقوته الشرائية مما يؤثر بدوره على بقية العالم.

  إن تضافر هذه العوامل السابقة الذكر أثر على الكثير من السلع في العالم ولا يزال، وبحيث أن قائمة السلع المرشحة للارتفاع في ازدياد وذلك لارتباط السلع ببعضها من حيث كونها سلع بديلة أو مكملة، وسواء كانت خامات أم سلع وسيطة أم منتجات نهائية، وللعوامل ذاتها فإن الأزمة مرشحة للاستمرار كذلك لفترة ما حتى تعود الأسعار للاستقرار، مع أن عودة الأسعار للاستقرار لا يعني بالضرورة عودتها إلى المستويات القديمة فسرعة الاستجابة لارتفاع الأسعار أقل منها الاستجابة لانخفاضها.

  وفي منطقتنا الإسلامية، فإن حكامنا هم سبب الغلاء الأصيل قبل أن تكون الأسباب الطارئة، وهم السبب المحلي قبل أن يؤثر السبب الخارجي أو العالمي، فضرائبهم وجماركهم هي الجزء الأكبر من سعر أية سلعة، وهم الذين دأبوا على رفع الدعم عن السلع وكشف الغطاء عن الفقراء قبل أن يأتي الغلاء، فلا هم رعوهم ولا كفوهم ولا أغنوهم.

ومع أن حالة الغلاء الأخيرة هي حالة عالمية ونحن ضحاياها، إلا أن هذا الوصف بالذات هو جريمة حكامنا لا مبررهم، فالعجز هنا جريمة وليس عذرا لمن يفترض بهم أن ينهضوا بالأمة وقدراتها ومقدراتها، وهم الذين عبر عقود من حكمهم المشؤوم لم تملك شعوبهم أي نوع من الكفاية الإنتاجية والاعتماد على الذات.

 أما كون العجز في هذه الأزمة ليس عذرا أو مبررا  فإن الأمة الإسلامية تمتلك من موارد الثروة وعناصر الكفاية ما يفوق الخيال، مما يمكنها من أن تكون قاعدة العالم الصناعية وسوقه التجارية وسلة غذائه وممرات نقله، حتى إن تأزم العالم كانت هي القادرة على انتشاله أو على الأقل كفاية نفسها، فالعنصر البشري والأرض الشاسعة ومنها الزراعية والتعدد المناخي ووفرة الموارد الطبيعية ومنابع الطاقة بأنواعها  والتواصل الجغرافي والوقوف على أهم معابر العالم يجعل من غير الطبيعي، بل من الممتنع أن تنشأ لديها أزمات تتعلق بالأمن الغذائي أو أزمات الطاقة أو النقل.

  وأما أن هذا  العجز هو جريمة،  فذلك أن الحكام أبقوا هذه الأمة في حالة من التخلف الاقتصادي عارية من أي غطاء تجاه الأزمات، وذلك عندما لم يعرفوا من الاقتصاد نموا ولا تنمية، اللهم إلا الجباية والضريبة، ولم يعرفوا من المال العام إلا النهب والسرقة، ولم يتصرفوا بالموارد إلا برهنها للأجانب وتسليمها لهم فكان دورهم أنهم نواطير للمزارع لا أكثر، وهم لا يرون في مواردهم البشرية الهائلة إلا عبئا سكانيا ينبغي تقليله، ولم يعرفوا من العلاقة مع العالم إلا التبعية التامة، فصارت شعوبهم من أبناء المسلمين ضحايا للدولار إذا انخفض وللمصنوعات إذا ارتفعت و للأغذية إن شحت، بل وصرنا ضحايا نفطنا إن رفع الغرباء الغربيون سعره، حتى صار كيان يهود المسخ يبيعنا ماءنا وغازنا وينقب عن نفطنا في أرضنا.

 

    وأما الأفظع من ذلك كله فهو وقوفهم في وجه تطبيق الإسلام العظيم، وتعطيل أحكامه ونظامه وحرماننا من بركاته، فالإسلام هو الكفيل بتحقيق الوحدة فتتكامل الموارد، وهو الذي يوجب استقلال القرار وعدالة التوزيع ونفي الجشع والرحمة للعالمين، ومن ثم اتقاء الأزمات مهما كان نوعها، ولكنهم -أي هؤلاء الحكام – من خلال ما سبق ذكره ما كان حالهم إلا كما وصف الله تعالى في كتابه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار) إبراهيم (28).

  وأخيرا، سيبقى المسلمون وبقية البشر ما بين الأزمة والأزمة إلى أن تأتي دولة الإسلام، القائمة قريبا بإذن الله، فيأتي معها الخير للمسلمين بل وللبشرية كلها في دنياهم وأخراهم، لتطوي بإذن الله صفحة البؤس الرأسمالي وتطبق الإسلام، فتنزل السماء حينئذ بركاتها وتخرج الأرض خيراتها، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا ييَكْسِبُون)

أعلام الدول ليست مجرد قطع قماش، فكيف تُقرأ من ناحية سياسية؟!

 أعلام الدول ليست مجرد قطع قماش، فكيف تُقرأ من ناحية سياسية؟!

  د. إبراهيم التميمي*

نشر بتاريخ: 04 كانون1/ديسمبر 2021

عرفت البشرية الأعلام منذ زمن بعيد، وبعض الروايات تقول إن أول من استخدم الأعلام، بمفهومها السياسي الذي يرمز للنفوذ والقوة والسيادة والسيطرة لدولة أو مملكة، هم الصينيون القدماء وتحديداً سلالة الزو، الذين حكموا الصين بين عام 1122 ق.م وعام 256 ق.م، وروايات تتحدث عن الهنود وعن غيرهم، وبعيداً عن مدى دقة هذه الروايات فإن الراجح أن استخدام الأعلام بشكلها السياسي ظهر قديماً قبل الميلاد، حيث كان لا بد من شعار سياسي يظهر مناطق نفوذ الدولة أو المملكة والأراضي الواقعة تحت سيطرتها وكذلك يمثل جيشها، وكان شكل العلم يستوحى من أشياء ترمز للقوة والسيطرة ومن الطبيعي كان شكل العلم بمفهومه السياسي البدائي وما يحمله من رموز يتأثر أحياناً بالطبيعة الجغرافية، وأحيانا بأساطير موروثة مثل التنين، وحيوانات ترمز للقوة مثل النمر والنسر-المملكة الفارسية الأخمينية - وحيوانات أخرى غالباً تكون منتشرة في مناطق المملكة أو الدولة، وأحياناً يتأثر بالعقيدة مثل الصليب في بيزنطة وروما، وأحيانا بأدوات القتال المعروفة كالسيف والدرع والرمح وغير ذلك.

وعندما أقام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام في المدينة المنورة، وهي ليست دولة عادية أو مملكة أو إمبراطورية بل جاءت بشكل سياسي جديد ونظام حكم فريد لم تعرفه البشرية سابقاً، وهو نظام الخلافة المعروف والمفصل في الكتب السياسية والشرعية الإسلامية والذي يقوم على نظام الوحدة الواحدة والحكم المركزي، فكان لا بد للدولة من راية وعلم، على عادة الدول والممالك وحتى قبائل العرب كان لها أعلام ورايات، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بوصفه حاكما ورئيسا للدولة وبوصفه رسولا من عند الله يوحى إليه، اتخذ علما للدولة، فكانت راية سوداء مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي راية تمثل عقيدة الدولة والمبدأ الذي تقوم عليه -مبدأ الإسلام- وكانت الدولة أين ما وصلت وحلت تُنزل كل راية ولا تبقي عليها، كما حصل مع فارس وبيزنطة، ويرفع مكانها راية الإسلام، لأن نظام الدولة ليس فدراليا ولا كونفدراليا وإنما نظام الدولة الواحدة، فلا بد من علم واحد، ولأن نظام الدولة لا يعترف بأقلية ولا أكثرية ولا قومية ولا عرق فكان لا بد من راية موحدة تظل من يحملون التبعية للدولة بظلها بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو عرقهم.

وأصبحت أوروبا تنظر للمبدأ الإسلامي ولدولة الإسلام نظرة العدو، الذي سيفني حضارتها ودولها وممالكها وإمبراطوريتها لأنه يتخذ الجهاد لكسر الحواجز المادية والحدود مع الشعوب والأمم طريقاً لحمل رسالته، وبالتالي فإنه يقضي على الكيانات الموجودة كما حصل مع فارس وبيزنطة وغيرهم، فاتخذت الدول الأوروبية الصليب عنواناً ورمزاً لها بأشكال وألوان مختلفة في الحملات الصليبية لمواجهة المسلمين وعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع بداية القرن الثالث عشر تبلور شكل العلم عندهم أكثر بعد معركة بين استونيا والدنمارك حيث اعتمدت الدنمارك علم لها لونه أحمر وعليه صليب أبيض وأصبح لكل دولة أوروبية علم، وحصل تطور وتغير على شكل الأعلام مع حصول النهضة والثورة الصناعية في أوروبا وفصل الدين عن الدولة وتحييد الكنيسة واعتماد المبدأ الرأسمالي، ورغم ذلك إلا أن أعلام الكثير من الدول الأوروبية بقيت متأثرة بالموروث الصليبي مثل المملكة المتحدة والبرتغال وإسبانيا وسويسرا والنرويج والدنمارك واليونان وغيرها الكثير، واتخذت كل دولة حديثة مستقلة بالمعنى السياسي -تمتلك القرار في سياستها الداخلية والخارجية- علماً لها اختارت ألوانه ورموزه وأشكاله بقرار ذاتي مستوحى من ثقافة أو تاريخ وأحداث مهمة أو عقيدة أو فكر أو مجرد ألوان وسطور يكفي بنظر السياسيين أو المصممين للأعلام، وما يعرف بـ(فيكسيلوغرافي) لتلك الدول أنها اختيرت لتمثل الدولة دون الحاجة لتفسير ألوانها وأشكالها، ولأن النظام الرأسمالي يبقي على القوميات والوطنيات ولأنه غير قادر على صهر الشعوب في بوتقة واحدة فهو يقوم على النفعية والأنانية والمصلحة تَرَسخ وجود علم لكل دولة، وإن كانت تحكم بنظام منبثق من ذات المبدأ الرأسمالي، فأصبح لكل دولة علم، سواء أكانت من الدول الكبرى المؤثرة في السياسة الدولية والموقف الدولي مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا أو كانت غير مؤثرة مثل فلندا وهولندا والنمسا والمجر والبرازيل والأكوادور وغيرها.

أما الإتحاد السوفيتي الذي حمل لواء الشيوعية والاشتراكية فقد اتخذ علماً محدداً وموحداً مستوحى من الثورة على الرأسمالية التي تستعبد الناس وخاصة طبقة العمال والفلاحين، فحمل العلم شعار المنجل الذي يمثل الفلاحيين والمطرقة التي تمثل العمال وكان يحاول أن يقوم بعملية الصهر المبدئي والدمج الكامل للبلدان والشعوب التي يحكمها، ولكنه سقط واندثر سريعاً لأنه خالف الفطرة وناقض العقل وتفككت دوله واتخذت كل واحده منها علما لها، كما فعلت روسيا وأوكرانيا وجعلته مستوحى من رموز وعقائد وأفكار أو مجرد علم يمثل الدولة ونفوذها وسياستها على غرار الدول الرأسمالية، وكذلك فعلت الدول الاشتراكية الأخرى مثل الصين بعد أن تخلت عن المبدأ الاشتراكي وأصبحت رأسمالية في الكثير من أنظمة الحكم وخاصة الاقتصادي.

ولو نظرنا لوجدنا أن وجود الأعلام وتعددها في ظل الرأسمالية أمر طبيعي، وأن وجود علم لكل دولة بغض النظر عن شكله ولونه وهل هو مستوحى من أصول معينة أو أنه شعار، مجرد أمر عادي فأين تكمن المشكلة في تعدد الأعلام في بلاد المسلمين هل هو في شكلها أو أنه في لونها أو أنه غير ذلك؟

تكمن المشكلة في ثلاث نقاط أساسية وهي سياسية ومبدئية وشرعية: -

السياسية: -

إن أعلام الدول في بلاد المسلمين لم يرسمها أو يختارها المسلمون، وهي ليست كالعلم الأمريكي الذي اختاره السياسيون بعد التحرر من نفوذ بريطانيا ومن ثم توحيد أمريكا، حتى أن العلم الحالي هو رقم 27 فقد مر بعدة تغيرات كانت بناء على أحداث ومفاصل سياسية، وقد صمم العلم ليرمز للوحدة والتحرر من الاستعمار البريطاني -الخطوط 13 التي تمثل عدد المستعمرات التي تحررت من النفوذ البريطاني- وعدد الولايات والنظام المطبق -الفيدرالي-، وهي ليست كالعلم الهندي أو الفرنسي أو الروسي ولا حتى كعلم باربادوس أحدث جمهورية في العالم وإحدى جزر الأنتيل الصغرى التي انفصلت عن التاج البريطاني بشكل تام قبل أيام فقط، فحتى تلك الجزيرة الصغيرة جدا -431 كيلومتراً مربع-علمها يحمل رسمة رمح متعد الرؤوس إشارة على التحرر من الاستعمار البريطاني عام 1966.

وإنما هي أعلام خطتها بريطانيا ولحقت بها فرنسا بعد اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت دولة الخلافة فكان الاستعمار المباشر، ومن ثم رسختها بعد الانسحاب العسكري والهيمنة من خلال التبعية والولاء لمن نصبتهم على البلاد والدول، وهذا من ناحية سياسية كافٍ لكل دولة إن كانت تحترم نفسها وقرارها وسيادتها أن تدوس على العلم الذي فرض عليها وتختار غيره، فحتى كيان يهود المصطنع والذي أوجدته بريطانيا اتخذ علمه بقرار سياسي ذاتي وجعله مرتبطا بعقيدتهم التوراتية ونظرتهم التوسعية، وفي المقابل قبلت منظمة التحرير بعلم فلسطين الذي وضعته بريطانيا قبل أن تحيي مشروع الكتاب الأبيض وتتبنى مشروع الدولة الواحدة، وجعلته علما يرفرف وهي مجرد سلطة حكم ذاتي ذليل، وبطشت بمن نال منه ووصفه بأنه صنع الاستعمار، ولو تفكرت قليلاً لوجدت أنه لو لم يوجد هذا العلم وغيره -أي لم تسقط دولة الخلافة ورايتها ولم تُستعمر بلاد المسلمين من بريطانيا وفرنسا- لما قسمت بلاد المسلمين ولما احتلت فلسطين، ولما وجد كيان يهود، الذي سفك الدماء الزكية، التي يحاول البعض تضليلا وصفها بأنها هي من أعطت للعلم قيمته، رغم أن أعداء الأمة هم من خطّوه وأن الشهداء قدموا أرواحهم للتخلص من الاحتلال والمستعمرين ونفوذهم!

المبدئية: -

إن الشعوب الإسلامية تحمل مبدأ الإسلام، وهو عقيدة ينبثق عنها نظام، وهذا المبدأ له نظام حكم محدد يعرف بنظام الخلافة القائم على نظام الوحدة الواحدة والحكم المركزي، وقد طبق في دولة الخلافة لما يقارب ثلاثة عشر قرنا، وأُقصي عن الحكم بعد سقوط الدولة التي ضعفت كثيراً لتعثر في التطبيق ناتج عن سوء في الفهم، ولكن هذه الشعوب بقيت تعتنق مبدأ الإسلام الذي فيه نظام الحكم الثابت، وهذه الشعوب ما دامت متمسكة بمبدئها الإسلامي لا يمكن أن تقبل بالأعلام المختلفة رغم حالة الشذوذ السياسي الذي تعيشه اليوم، وسرعان ما تستعيد رايتها بمجرد امتلاكها لقرارها السياسي الذاتي الداخلي والخارجي.

الشرعية: -

إن أمة الإسلام هي أمة مقيدة بكتاب ربها وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويجب عليها الالتزام بكل حكم شرعي جاء في الكتاب والسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم بيّن للمسلمين في الحديث الصحيح ماهية الراية -العلم- واللواء أخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ». وبيّن عليه الصلاة والسلام أين ترفع ومتى وهكذا كانت الدولة، أما اختلاف اللون في بعض فترات حكم المسلمين فلم يكن من منطلق قومي أو وطني أو غير ذلك فالخلافة العثمانية لم تختار الهلال تأثراً بالأشورية ولا من منطلق القومية التركية وإنما أن حكامها وجدوا هذه الراية تمثل الإسلام طبعا مع بقاء الراية السوداء واللواء الأبيض المنقوشة بعقيدة التوحيد في كل فترات الدولة، أما العلم التركي الحالي فهو يمثل الجمهورية التركية ويعبر عن القومية والوطنية ولو تطابق مع راية الدولة العلية -الدولة العثمانية- وكذلك علم ليبيا والجزائر وموريتانيا وتونس وإن سمح لها بإبقاء الهلال والنجمة، وتفادياً لذلك فقد فصلنا في كتاب أجهزة الدولة الألوية والرايات وكيف تستخدم ومتى ترفع وأين توضع وكذلك أنه يجوز أن تكون لكل فرقة أو كتيبة راية خاصة تميزها -إداريا- ولكن على أن ترفع مع الراية لا أن تكون بديلاً عنها لتكون ضمن التقسيم الإداري كاسم الجيش ورقمه الأول والثاني والثالث والمشاة والبحرية والجوية... فهذه تقسيمات إدارية من المباحات وقد ورد عند الطبراني في الكبير عن مَزِيدَةَ الْعَبْدِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَدَ رَايَاتِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَهُنَّ صُفَراً» .

والخلاصة أن علم فلسطين والأردن واليمن والعراق والجزائر والمغرب والسودان وإندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين ليست أقمشة بل هي أعلام تدل على الفرقة والتبعية والخضوع لمن وضع الأعلام، وهي رموز وألوان ليس كما تقول الكذبة أنها مستوحاة من الثورة العربية التي -بحد ذاتها خيانة ومؤامرة بريطانية- ولا علاقة لها بقصيدة صفي الدين الحلي التي هي بريئة منها، بل هي رموز وألوان تدل على الخنوع السياسي والانفصام المبدئي والمخالفة الشرعية وتقسيم بلاد المسلمين وتفتيتها على يد الغرب، وأحدث مثال على ذلك عَلم جنوب السودان بعد أن فصلته أمريكا وعملائها عن السودان عام 2011 على غرار السياسة البريطانية الخبيثة في التفتيت والتقسيم، وحتى التغيرات التي أجريت على بعضها مثل العراق، لا تخرجها عن ذلك الواقع الاستعماري وتبقى ضمن نفس الدائرة من الخضوع وفقدان الاستقلالية والقرار ومكانها تحت أقدام السياسيين الواعيين والمدركين لحقيقتها سواء أكانوا مثقفين أو من العوام.

ونختم برسالة مارك سايكس في 22 فبراير عام 1917 إلى المقدم السير فينسنت آرثر هنري مكماهون في مصر وهي موجودة في الأرشيف الوطني البريطاني في لندن وصورة عنها في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة اكسفورد.

"أقترح عليكم بعض الرسوم والألوان التي تمثل الممالك العربية والرسوم -شكل الرسوم على الأعلام- وأرجو أن تغفر لي هذه الخربشة السريعة لكنني لم املك سوى 25 دقيقة لإنجازها بما فيها الرسوم" مارك سايكس.

فهل بعد ذلك يقبل مسلم عاقل واع بأعلام الاستعمار التي قسمت الأمة وضيعتها وأذلتها ويترك راية الإسلام التي توحد الأمة وبلادها وتجمع شملها وترجع هيبتها وترهب أعداءها؟!

قال تعالى ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

*عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين

جريدة الراية: الخلافة على منهاج النبوة قائمة قريبا بإذن الله

 جريدة الراية: الخلافة على منهاج النبوة قائمة قريبا بإذن الله

 

4 من جمادى الأولى 1443هـ   الموافق   الأربعاء, 08 كانون الأول/ديسمبر 2021مـ

يعيش العالم هذه الأيام حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية وصلت عنان السماء، ولم تستثنِ هذه الفوضى أيّ بلد من بلدان العالم، في الشرق أو الغرب، في البلاد الإسلامية أو في الدول الغربية، وقد أعلن العالم مجتمعا عن عجزه وإفلاسه الحضاري، الحضارة الغربية الرأسمالية العلمانية، وقد أوجدت هذه الحالة غضباً عارماً بين شعوب العالم وعلى رأسها شعوب البلاد الإسلامية الثائرة، وأوجدت فراغاً حضاريّاً وسياسيّاً في العالم كبيراً، ولأن المبادئ العقدية الموجودة في العالم تنقسم إلى قسمين، مبادئ بشرية وهي حصراً الاشتراكية والرأسمالية، ومبادئ إلهية وهي حصراً الإسلام، وقد أخفقت المبادئ البشرية وأعلنت إفلاسها بعد أن أردت البشرية إلى وادٍ سحيق من البؤس، فالاشتراكية أعلنت إفلاسها وبان عوارها قبل عقود من الزمن، والآن تتصدر الرأسمالية الإفلاس الكبير الحاصل، فهي المسؤولة عن الكساد الحضاري العظيم الذي يعصف بالبشرية، لذلك أصبح من نافلة القول أن يكون الإسلام العظيم هو المرشح الوحيد لملء هذا الفراغ، لما فيه من مقومات حضارية لا ينافسه فيها أي مبدأ بشري، فهو عقيدة عقلية تقنع العقل وتملأ القلب طمأنينة، ونظام حياة شامل عادل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لا يكون ملء الإسلام للفراغ الحضاري العالمي إلا بكيان سياسيّ يَحكم بمجموعة من الأفكار والمفاهيم والمقاييس والقناعات الإسلامية، أي كيان سياسي يمتلك السلطة للحكم بما أنزل الله، ويتجسد هذا الكيان في دولة الخلافة التي آن أوان إقامتها، ومسألة قيامها مسألة وقت لا غير، وذلك من ناحيتين؛ فكرية عقدية وفكرية سياسية، أما من الناحية العقدية فإن إقامة الخلافة متحققة بإذن الله، تؤكدها حقيقتان:

أولاً: وعد الله سبحانه وتعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض كما استُخلف الذين من قبلهم. يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

ثانياً: بشرى من رسول الله ﷺ بعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بعد الملك الجبري الذي نحن فيه، يقول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد من طريق حذيفة بن اليمان: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» ثُمَّ سَكَتَ ﷺ.

أما من الناحية الفكرية السياسية، فإن استعداد الإسلام وقدرته على سد الفراغ الحضاري حاصل بكل جدارة، وذلك بوجود مُعطيين:

الأول: أمة حية فاعلة، تُقبل على العمل لإقامة الخلافة، وعلى تأييد هذا العمل، إلى أن يتحقق وعد الله، ثم من بعدُ ترابط لاحتضان الخلافة وحراساتها، حيث إن الأمة تتوجه بخطوات متسارعة نحو سيرتها الأولى التي أخرجها الله لها. يقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

الثاني: حزبٌ مخلص لله سبحانه، صادقٌ مع رسوله ﷺ، يغذّ السير، واصلٌ ليله بنهاره، حتى يتحقق وعد الله وبشرى رسوله على يديه، لا يخشى في الله لومة لائم، لا تلين له قناة ولا تضعف له عزيمة بإذن الله، حتى يأتي أمر الله وهو كذلك، وكأنه مصداق قوله صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق ثوبان: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ...».

هكذا فإن مقومات النصر والتغيير متحققة في زماننا؛ أمة حية ثائرة، وحزب قوي، ومقدرات كبيرة، وعدو ضعيف - بل هو في أوهن حالاته - وفراغ حضاري؛ لذلك يجب علينا الوثوق بديننا، بأنه المبدأ الوحيد المرشح والقادر على ملء الفراغ الحضاري، والوثوق بأمتنا، بأنها خير أمة في الأمم العالمية، وذلك بشهادة خالق الأمم، ويجب الوثوق بقائد الأمة، حزب التحرير، الفقيه والسياسيّ والمفكر، القادر بإذن الله على الحكم وإدارة الأزمات ومواجهة التحديات بأحكام الإسلام. الأمر كله متوقف الآن فقط على أهل القوة والمنعة من جيوش المسلمين، بالسير على خُطا الأنصار الذين نصروا رسول الله ﷺ، فنصرهم الله إذ مكّنهم بعد ضعف وأعزهم بعد ذل، ولكن نصرة الإسلام لا تكون إلا بالمخلصين الأتقياء الأنقياء، فهو عمل الرجال من أولي العزم من الرجال، وهو شرف عظيم لا يستحقه إلا الأتقياء من أهل القوة والمنعة، ممن يستحقون الفوز بالجنة كما فاز بها الأنصار، والفوز بالدنيا بتسطير سيرة عطرة تجعلهم يلقون الله والأمة تدعو لهم بكل خير.

إن العالم اليوم كسفينة في بحر لجيّ يغشاه الموج من كل جانب، ولن يقر له قرار إلا على شاطئ دولة الخلافة على منهاج النبوة، ونحن مطمئنون أن العالم بأمس الحاجة إلى الإسلام وإلى أن يُطبق عليه، وهو الوحيد الذي يهديهم ويصلح بالهم، ومطمئنون بأننا على المسار الصحيح الذي سيوصلنا بإذن الله إلى بر الأمان، فلا نقول إننا ننتظر نصرة أهل النصرة، بل نقول إننا نعمل وندعو الله أن يهيئ لنا أهل نصرة ينصرون دينه، فيعز الإسلام والمسلمون ويذل الشرك والمشركون. عَنْ خَبَّابٍ قَالَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: "أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا"، فَجَلَسَ مُحْمَرّاً وَجْهُهُ، فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمُوتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ» سنن أبي داود.

بقلم: الأستاذ بلال المهاجر – ولاية باكستان

جريدة الراية: التغيير المزعوم والتغيير الحقيقي

 جريدة الراية: التغيير المزعوم والتغيير الحقيقي

 

4 من جمادى الأولى 1443هـ   الموافق   الأربعاء, 08 كانون الأول/ديسمبر 2021مـ

حدث انقلاب في السودان يوم 25/10/2021 قاده رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان على المكون المدني واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعددا من الوزراء المدنيين وحل مجلس السيادة وأعلن أنه لم يلغ الوثيقة الدستورية ولكنه ألغى المواد الأساسية كما جاء في خطابه وأنه يريد تصحيح مسار الثورة وليس إلغاء الثورة.

إزاء هذه الأحداث وفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق طموحات أهل السودان في الاستقرار الأمني الكفالة في المعاش والتعليم والصحة كل ذلك لم يحدث بل سارت الأمور إلى الأسوأ من فترة حكومة البشير. كل ذلك شكل شعورا شعبيا عاما بأنه لا بد من التغيير

هل ما حدث من تغيير وإقالة الحكومة المدنية يحقق هذه الطموحات أم الحقيقة غير ذلك؟

لمتابعة تغيير الحكومات في السودان نرجو تدخل الأيادي الخارجية في المشهد السياسي بقوة، بحيث القوة العسكرية ولاؤها لأمريكا والقوة المدنية ولاؤها لأوروبا وخاصة بريطانيا ولذلك يحدث التشاكس المسيّس الذي يمنع معه رعاية شؤون الناس وتحسين معاشهم.

إن التغيير المنشود ليس هو التغيير الذي يتم خداع الشعوب به مرة بعد أخرى بل هو التغيير الذي تمنع منه الشعوب وهي لا تشعر وتضلل به. التغيير الذي يكون أثره اكتفاء ذاتياً من القمح وتوفير رغيف العيش بيسر وسهولة وسائر السلع الاستراتيجية، التغيير الذي يجعل الشعب يشعر بوجوده فعلاً ويحقق هويته، التغيير الذي يجعلنا قادرين على امتلاك سلاح نووي كما يمتلكه عدونا، التغيير الذي يجعل أسلحتنا من صنعنا واختيارنا وليس سلاحاً مفروضاً علينا عبر ما تسمى بالمعونة الأمريكية، التغيير الذي يجعل الثروات ملكاً للشعوب ويعود بالنفع عليهم لا لغيرهم، إنه باختصار التغيير الذي يحاولون إقناع الشعوب كذباً أنه مستحيل، التغيير الذي يسقط الخارج وهيمنته على بلادنا. وكل تغيير لن يجعل في حساباته إسقاط الهيمنة الخارجية على بلادنا هو تغيير صوري وكلام منمّق لخداع الناس.

لذلك ما يجري في السودان من تغيير على مدى حقب مختلفة هو تغيير داخل الصندوق الغربي وبرعاية منه. ولذلك لم تنفرج الأمور على أهل البلاد في كل نواحي حياتهم المختلفة. ما يحدث من تغيير هنا وهناك هو تغيير وهمي وليس حقيقياً. والكل يتابع اجتماعات المبعوث الأمريكي مع عبد الفتاح البرهان وحميدتي وحمدوك حتى آخر ساعات ومنها حدث الانقلاب والتغيير وظهور السفير البريطاني متحدثاً بلغة عربية أمام السفارة في الخرطوم رافضاً لهذا الانقلاب على الحكومة المدنية وداعياً أهل السودان الخروج في مسيرة مليونية.

كل ذلك يبرهن أن التغيرات التي حدثت برعاية غربية ولتحقيق مصالح المتصارعين في بلادنا من القوى الدولية. ولا يريدون لنا أن نمتلك أسباب القوة المتمثلة في العقيدة والثروة.

يقول غلاستون ما دام القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان. ويقول كرزون وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم البريطاني لقد قضينا على تركيا التي لن تقوم لها قائمة بعد اليوم؛ لأننا قضينا على قوتها المتمثلة في أمرين: الإسلام والخلافة.

ريتشارد دانات مستشار الدفاع ضمن رئاسة الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قال في 17/5/2010م لصحيفة ذي نيشن "بصراحة إذا تبنى المسلمون أفكار السياسة في الإسلام ونظام الخلافة فإنه سيكون غير مقبولاً وسيكون الرد العسكري من قبل بريطانيا مبرراً". وأضاف "لا يوجد لديه مشكلة مع المسلمين في صلاتهم وإقامة الشعائر الدينية ما داموا مستسلمين وخاضعين للحياة السياسية والقيم الغربية".

ثوماس بارنيت خبير استراتيجي أمريكي وموظف سابق في وزارة الدفاع الأمريكية لخّص خُطة الولايات المتحدة الاستراتيجية تجاه البلاد الإسلامية تحت عنوان "خارطة البنتاغون الجديدة الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين" بأن مصلحة أمريكا أن يكون العالم منقسماً إلى شطرين غير متساويين فمن جهة ثمة النواة المستقرة التي تضم أمريكا وعدد من الدول المتعاونة معها من بين الدول المتطورة والنامية ومن جهة أخرى هناك بقية العالم التي تخصص لها ما يشبه منطقة الظل؛ أي المناطق غير المتطورة اقتصادياً وغير المستقرة سياسياً. ويتلخص دور القوة الأمريكية العسكرية في هذا المخطط بتأمين وصول الموارد الطبيعية من الشطر الثاني إلى الشطر الأول من العالم لأن دول الشطر الأول بحاجة إلى المزيد من تلك الموارد فيما لا يجوز لدول الشطر الثاني أن تستفيد منها.

إذن التغيير الذي يحقق طموحات أهل السودان والأمة الإسلامية بأسرها يجب أن تعيه الأمة بوصفها أمة واحدة بتمكين نظام الوحدة الخلافة السلطان فيه للأمة، هي من تختار حاكمها عن رضا واختيار لا أن يفرض نفسه بانقلاب عسكري بإيعاز من أمريكا والدول الاستعمارية ولا بترشيح من السفارات الأوروبية. نظام تكون السيادة فيه للشرع وليس للشعب والمجالس التشريعية الديمقراطية.

إذن أهل السودان يحتاجون إلى تغيير النظام الاستعماري الذي جثم على صدورنا عقود من الزمان مرة بنسخة إنجليزية ومرة بنسخة أمريكية وفرطّنا في نظام رب العالمين الذي يقوم على أساس الوحي نظام الخلافة الراشدة. وأهل السودان أهلٌ لذلك وقادرون عليه بأن يلتفتوا إلى ما عند إخوانهم وأبنائهم في حزب التحرير، فالحزب لديه دستور من 191 مادة جاهزة للتطبيق منبثقة من العقيدة الإسلامية وعلى أهل القوة والمنعة أن يمكّنوا الأمة من ذلك بإيجاد هذا النظام في أرض الواقع عندها نتحرر من الهيمنة الغربية الأمريكية والأوروبية وليس ذلك على الله بعزيز. قال تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.

بقلم: الأستاذ عبد الله حسين

لجنة الاتصالات المركزية في ولاية السودان

جريدة الراية: تَوافُق أمريكا والصين على ضرب العملات الرقمية

 جريدة الراية: تَوافُق أمريكا والصين على ضرب العملات الرقمية

 

4 من جمادى الأولى 1443هـ   الموافق   الأربعاء, 08 كانون الأول/ديسمبر 2021مـ

تعرضت العملات الرقمية المشفرة إلى ضربة مفاجئة من كل من أمريكا والصين في الوقت نفسه، ففي 16/11/2021 خسرت هذه العملات حوالي 250 مليار دولار في غضون 24 ساعة، وهبطت قيمتها السوقية من قرابة 3 مليار دولار إلى 2.78 مليار دولار.

فهذه العملات الرقمية هي عملات افتراضية إلكترونية يتم التداول بها على نطاق واسع عبر الإنترنت، وتستخدمها بعض الدول والكثير من الشركات والأفراد في التجارة عبر الشبكة الإلكترونية وأهمّ أنواعها: البيتكوين والإيثيريوم والكاردانو وسولانا وبيناسك كوين والربيل وبولكادوت ودجكوين ولاتيكوين وتشاين لينك.

والبيتكوين التي هي أهم هذه العملات خسرت لوحدها في هذه الأزمة الأخيرة عشرة آلاف دولار في يومٍ واحد، بينما خسرت سائر العملات الأخرى الكثير من قيمها بنسب مئوية مختلفة، لكن أقل مما خسرته البيتكوين.

وأمّا أسباب هذه الخسائر المفاجئة لهذه العملات فيرجع إلى الإجراءات القاسية التي اتخذتها السلطات الأمريكية والصينية يوم الثلاثاء 16/11/2021 وهي قرارات حاسمة ألحقت بتلك العملات خسائر جسيمة، وهذه القرارات هي:

1- تمرير الكونغرس الأمريكي بغالبية أعضائه من ديمقراطيين وجمهوريين لقرار الرئيس الأمريكي جو بايدن على مشروع البنى التحتية لتمويل الطرق والجسور والسكك الحديدية ومنشآت الطاقة الشمسية ونشر أكبر للإنترنت وغيرها.

2- فرض السلطات الأمريكية لقانون ضريبي على الأصول الرقمية للعملات المشفرة لكل قيمة تزيد عن 10 آلاف دولار، ويُقدّر مجموعها بـ 28 مليار دولار تدخل الخزينة الأمريكية مستحقة من مالكي هذه العملات، قال بايدن:"لقد تحدثنا لفترة طويلة عن امتلاك أفضل اقتصاد في العالم، واليوم نحن أخيراً ننجز هذا، فأمريكا تتحرّك مرةً أخرى، وسوف تتغيّر حياتكم للأفضل".

3- قيام السلطات الصينية بعمليات تعدين العملات الرقمية عمدا، وهو إجراء يُعادل الإلغاء، قال المتحدّث باسم اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية مينج وي: "إنّ تنظيم أنشطة تعدين العملات الرقمية له معنى كبير في تحسين هيكلنا الصناعي، وتوفير الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتحقيق أهداف انبعات الكربون".

إنّ تزامن اتخاذ الإجراءات الأمريكية والصينية ضدّ العملات الرقمية في التوقيت نفسه لم يأتِ من فراغ، فالتوافق بين أمريكا والصين في هذه المسألة لا يتعارض مع اختلاف مصالحهما في مسائل أخرى، فضرب العملات الرقمية بات مصلحة مشتركة لكل منهما، وذلك لأنّ استمرار تعاظم الأصول الرقمية بات يُهدّد الاقتصاد الفعلي بصورة كبيرة، ويؤثّر بالتالي على النمو الاقتصادي، ويزيد من نسب البطالة، ويُحمّل الدولة تكاليف باهظة في تشغيل الأيدي العاملة، وفي دفع الأموال للعاطلين عن العمل، وذلك لأنّه كلّما تنامى سوق العملات الرقمية تقلص سوق العمل الحقيقي، وانعكس ذلك على تراجع الاقتصاد، وتباطؤ النمو، لذلك توافقت مصالح القوتين الاقتصاديتين الأولى والثانية عالميا على إضعاف التعامل بالعملات الرقمية، وذلك بفرض الضرائب عليها، وتبني مشاريع ضخمة في البنية التحتية كما فعلت أمريكا، أو بتعدين تلك العملات كما فعلت الصين.

ويبدو أنّ هذا التوافق قد حصل بين العملاقين قبل قمة غلاسكو في اسكتلندا، واتفق على بدء تنفيذ تلك القرارات بعيد انتهاء القمة مباشرة، وذلك لربط تلك الإجراءات بالالتزام بِمقررات القمة المتعلقة بالحفاظ على البيئة، والتقليل من نسبة الانبعاثات الكربونية.

أمّا في الإسلام فإن هذه المسألة محلولة سلفا من جهة أنّ الشرع يحرّم اتخاذ العملات الورقية لأنّها تتنافى مع شروط العملة في الإسلام وفقاً للأسباب التالية:

1- لأنّ النقد في الإسلام يعتبر مقياساً لكل السلع والخدمات وأثماناً وأجوراً لهما، بينما العملات الرقمية لا تعتبر مقياساً إلا لبعضها.

2- ولأنّ النقد في الإسلام يجب أن يصدر عن سلطة معلومة كالدولة أو الحكومة بينما العملات الرقمية تصدرها جهات مجهولة غير ضامنة، قد تكون أفراداً أو شركات، ويكثر فيها ومن خلالها عمليات النصب والاحتيال والمضاربات والقمار وغسيل الأموال والجريمة المنظمة.

3- وكذلك يكون النقد في الإسلام شائعاً بين كل الناس وليس خاصاً بفئةٍ دون أخرى كما هو حال العملات الرقمية.

والنتيجة أنّ العملات الرقمية هي عملات غير موثوقة، لأنّ واقعها أنّها سلعة مجهولة لا يجوز بيعها ولا شراؤها، وقد نهى رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وبيع وشراء العملات الرقمية هو بيع مجهول وفيه غرر كبيع السمك في البحر، وكبيع اللبن في الضرع، وهو بيع باطل، ونتائجه مُدمّرة على الشعوب والمجتمعات.

بقلم: الأستاذ أحمد الخطواني

جريدة الراية: العملية العسكرية سيرلي

 جريدة الراية: العملية العسكرية سيرلي

فضيحة مدوية تكشف المستور وتعري النظام المصري وفرنسا

 

4 من جمادى الأولى 1443هـ   الموافق   الأربعاء, 08 كانون الأول/ديسمبر 2021مـ

في 10 كانون الأول/ديسمبر 2020م، منح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السيسي وسام جوقة الشرف وهو أعلى وسام فرنسي، وذكر موقع المستشارية الكبرى لجوقة الشرف أنه يمكن منح الأجانب أعلى رتبة من الوسام إذا "قدموا خدمات لفرنسا" أو "شجعوا قضايا تدافع عنها" مثل الدفاع عن حقوق الإنسان أو في إطار زيارات الدولة "في إطار المعاملة الدبلوماسية بالمثل" ومن أجل دعم "السياسة الخارجية لفرنسا". فما هي الخدمات الجليلة التي قدمها السيسي للجمهورية الفرنسية؟! إلا إذا كان قمع المسلمين في مصر والحرب على الإسلام، وقتل المدنيين واعتقال المعارضين لنظام السيسي القمعي يشكل خدمات جليلة لفرنسا التي تمتلئ حقدا وبغضا على الإسلام والمسلمين، والتي تدعي زورا أنها تدافع عما تسميه حقوق الإنسان. أو أن صفقات التسليح التي عقدها السيسي قبلاً مع فرنسا، والتي وصلت قيمتها إلى 5.6 مليارات يورو مقابل اقتناء 24 طائرة رافال وسفينتين حربيتين، تشكل دعما للسياسة الخارجية لفرنسا.

إنها فضيحة كبرى، تلك التي كشف عنها موقع ديسكلوز المتخصص في التحقيقات الصحافية الطويلة في تحقيقه الأخير الذي نشره في 22 تشرين الثاني/نوفمبر والذي يتناول مشاركة قوات فرنسية في عمليات استخباراتية عسكرية لصالح الجيش المصري استهدفت المئات من المدنيين من مُهرِّبين وغيرهم في المنطقة الحدودية الفاصلة بين مصر وليبيا. وقد ألقى التحقيق الضوء أيضا على اتفاقيات عسكرية سرية بين الإيليزيه من جهة، سواء في عهد فرانسوا هولاند أو إيمانويل ماكرون، وبين مصر، التي تحوَّلت إلى أحد أهم مشتري الصناعة العسكرية الفرنسية في الأعوام الأخيرة.

بدأت اللبنات الأولى لهذه العملية العسكرية "سيرلي" يوم 25 تموز/يوليو 2015، عندما زار "جون إيف لو دريان"، وزير الدفاع الفرنسي السابق ووزير الخارجية الفرنسي الحالي، العاصمة المصرية القاهرة بصحبة الجنرال كريستوف غومار، مدير المخابرات العسكرية الفرنسية السابق، للقاء صدقي صبحي، وزير الدفاع المصري وقتها. طلب الجانب المصري مساعدة من باريس من أجل تأمين 1200 كيلومتر من الحدود المصرية الليبية، وقد وافق الفرنسيون من فورهم وأكَّدوا بدء العمل على خطة عسكرية سرية في إطار (الحرب على الإرهاب) تُشرف عليها الاستخبارات العسكرية الفرنسية إشرافا مباشرا.

على الورق، كان الهدف من العملية هو مساعدة القاهرة على تأمين حدودها الغربية مع ليبيا، التي عانت آنذاك من اشتداد القتال الأهلي الذي شارك فيه عدد من التنظيمات الجهادية على رأسها تنظيم الدولة. ولكن بعد مدة قصيرة من انطلاق العمليات، أظهر الجانب المصري اهتماما أكبر بهدف آخر بعيد عن التنظيمات المسلحة، وهُم المهرِّبون من المدنيين. وبحسب وثائق حصل عليها موقع ديسكلوز، فإن "القوات الفرنسية كانت ضالعة فيما لا يقلّ عن 19 عملية قصف ضدّ مدنيّين بين العامين 2016 و2018، حيث تعتمد المهمة على معلومات استخباراتية يقدمها الفرنسيون لنظرائهم المصريين لضرب مركبات ذات دفع رباعي، ولفت الموقع إلى أن المركبات كان يقودها في الغالب مدنيون تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، حيث تحمل تلك المركبات سجائر ومخدرات وأسلحة وبنزين وحبوب وأرز، كما تظهر إحدى الوثائق السرية.

لا شك أن ما تم كشفه فضيحة من العيار الثقيل، ولكنه لا يستبعد من أنظمة العار في بلادنا، فهي أنظمة قمعية تقتل شعبها بدم بارد، وتستعين بشياطين الإنس والجن لفعل ذلك، ولا بأس عندها أن تقدم أموال الأمة لأعدائها من أجل أن تحظى بالرضا والقبول، لتستمر على كرسي السلطة. ونحن نتساءل ما هي ردة فعل المخدوعين الذين هللوا وطبلوا للسيسي وزمرته الحاكمة، وهم يرونه يفرط في مقدرات بلادهم ويقتل أبناءهم بدم بارد دون تحقيق ومحاكمة؟! ولا ننسى عملية قتل السياح المكسيكيين في 13 أيلول/سبتمبر 2016م، في الصحراء الغربية في غارة جوية قام بها الجيش المصري، فهذه العملية تؤكد تلك التسريبات، وتبين لكل ذي بصيرة أن القتل يتم بصورة عشوائية دون التأكد من هوية من يتم قتلهم. وقد تم دفع تعويضات لأسر القتلى المكسيكيين الثمانية ما يعادل 22 مليون جنيه مصري، وأما القتلى المصريون فلا دية ولا بواكي لهم!

لن يمر الأمر في فرنسا جزافا، فمن المؤكد ستكون هناك تحقيقات واستجوابات، أما في مصر فسيمر الأمر مرور الكرام، وقد كانت أول ردة فعل للنظام على هذه التسريبات هي حجب موقع ديسكلوز، رغم أن الخبر انتشر في كل المواقع الإخبارية وأصبح الحديث عنه على كل لسان. فلا برلمان حقيقي، ولا أحزاب مبدئية تحاسب، ولا أجهزة رقابية تهتم، ولا إعلام صاحب رسالة ينتقد، ولا قضاء شامخ يحاكم، فقد تم تكميم الأفواه، وتفريغ الدولة من أي مؤسسات حقيقية يمكنها أن تتصدى لهكذا جرائم. والواجب على أبناء الأمة المخلصين أن يغذوا السير ليقلعوا هذا النظام من جذوره، ويستبدلوا به نظام الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تحفظ دماء أبناء الأمة، وتتحرى الدقة في كل القضايا، ولا تستعين بالأجنبي ولا بحال من الأحوال، والتي تحفظ حقوق المتهمين، فلا تسجن ولا تقتل ولا تقيم حدا إلا ببينة. والواجب على أبنائنا في الجيش أن ينحازوا للعاملين المخلصين للتخلص من هذا النظام المجرم الذي حول الجيش من حام للأمة وحافظ لأمنها وثرواتها ومقدراتها، إلى خادم للغرب ولكيان يهود، وساكت عن التفريط في مياه النيل وفي مياه مصر الاقتصادية لصالح اليونان وقبرص وكيان يهود. فالسكوت عن هكذا نظام خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

بقلم: الأستاذ حامد عبد العزيز