Tuesday, October 5, 2021

دور الاستعمار في إثارة النّعرات العرقيّة الانفصاليّة في العالم الإسلاميّ (1)

 دور الاستعمار في إثارة النّعرات العرقيّة الانفصاليّة في العالم الإسلاميّ (1)

لنّعرة الأمازيغيّة البربريّة نموذجًا

 

الأستاذ بسّام فرحات

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

لطالما مثّلت مسألة الأقليّات أخطر معاول الهدم التي ساهمت في تقويض صرح الدّولة العثمانيّة: فهذه الأخيرة وبحكم امتدادها على ثلاث قارّات (آسيا ـ أفريقيا ـ أوروبا) ضمّت العديد من الأعراق والإثنيّات والمجموعات الدينيّة والمذهبيّة واللغويّة بما ساهم في إثراء مشهدها الاجتماعي والثقافيّ والسياسيّ… إلاّ أنّ الغرب الاستعماريّ حوّل هذا المعطى الإيجابيّ من عامل قوّة وتنوُّع وثراء إلى عامل ضعف واحتراب وانحلال لضرب الدّولة الإسلاميّة وتفتيتها والقضاء عليها، فعمل جاهدًا على قولبة الرّصيد البشري والثقافيّ للأمّة في كنتونات وغيتوات متناقضة وتقسيمه إلى ثنائيّات نمطيّة متنافرة حدّ الشّطط قبل الزجّ به في أتون صراع عرقيّ إثنيّ يكرّس التّمزيق والتّفتيت ويساعده في إحكام قبضته على المنطقة، وبذل مجهودات جبّارة لتركيز مفهوم مسموم للأقليّات بوصفهم مجموعات بشريّة مضطهدة وإثارته كقضيّة إنسانيّة،كما قام بتبنّي بعض الأقليّات ثقافيّا وسياسيّا وعسكريّا وحرّضها على التمرّد والخروج على الدّولة العثمانيّة لإضعافها وتفكيكها

 وحتّى بعد قضائها على الخلافة وتمزيقها للعالم الإسلاميّ لم تتوقّف الدّول الاستعماريّة عن إثارة النعرات العرقيّة والدينيّة واللغويّة، بل أخذت بتغذيتها وتركيزها استعدادًا لمرحلة ما بعد الاستعمار (الاستقلال الصّوريّ) بحيث حرصت في رسم حدود الدويلات القوميّة والوطنيّة الوليدة على جعل عامل الأقليّات سببًا مُولّدًا للمتاعب والقلاقل وبابًا مشرعًا للاقتتال والاحتراب بما يُفضي إلى ديمومة التدخّل في شؤون هذه الدّول والسّيطرة عليها والتحكّم في مقدّراتها وسيادتها وقرارها السياسيّ… بيد أنَّ النّسخة المغاربيّة لهذا المخطّط الاستعماريّ الخبيث تمثّلت في النفخ في رماد النّعرة الأمازيغيّة البربريّة المنطفئة منذ القرن الثّامن للميلاد بما قد يفتح المنطقة على فتنة حمراء دمويّة تزوّد الكافر المستعمر المتربّص بها بمبرّرات قويّة للتأثير في شأنها الدّاخليّ، والدّفع به نحو مزيد من التبعيّة والتمزيق والإضعاف والاستنزاف (والفتنة أشدّ من القتل)… هذه البذرة الخبيثة التي زُرِعت منذ الفترة الاستعماريّة بدأت منذ تسعينات القرن المنصرم في طرح ثمارها المسمومة في تزامن مريب مع الصّحوة الإسلاميّة وبإشراف استعماريّ مكشوف؛ حيث أُدرِجت اللغة البربريّة في مناهج التّدريس، وتُرجمت معاني القرآن الكريم إليها، وخُصِّصت الفضائيّات والإذاعات للنّاطقين بها، كما اكتسحت الأحزاب السياسيّة القائمة على أساس القوميّة الأمازيغيّة الأوساط السياسيّة المغاربيّة بما زاد طين تعفّنها وارتهانها بلّة، وقد انخرطت في هزّ استقرار المنطقة متسلّحة بترسانة من البحوث (التاريخيّة والأركيولوجيّة: أي علم الآثار الذي يعنى بالكشف عن مخلفات الماضي التي تعكس تطور الحياة البشرية، والأنثروبلوجية:  أي دراسة جوانب الإنسان في المجتمعات السابقة والحالية) التي تدّعي لنفسها المصداقيّة العلميّة فيما هي تنهل واقعًا من مخيّلة الاستعمار الجدباء في شكل أساطير حوّلها البهرج الأكاديميّ المزيّف والماتراكاج الإعلاميّ المضلّل إلى حقائق تستند إليها النّعرة الأمازيغيّة البربريّة في تأسيس مشروعها الانفصاليّ على أرض الواقع المغاربيّ.

بذرة فرنسيّة مسمومة

لعلّه من فضول القول التأكيد على أنّ النّعرة الأمازيغيّة البربريّة من ألفها إلى يائها ما هي إلاّ إفراز استعماريّ وافد مسقط مفتعل لا عهد للمنطقة المغاربيّة به قبل استحواذ القوّات الفرنسيّة عليها أواسط القرن 19م، فقبل هذا التّاريخ لم يكن البربر أنفسهم واعين بأنّهم ينتمون إلى جنس آخر غير العرب، فهذا المعطى هو ثمرة أبحاث أكاديميّة تاريخيّة وأركيولوجيّة وأنثروبولوجيّة بعيدة عن متناول سواد النّاس أثارتها المدرسة التّاريخيّة الفرنسيّة خدمة للاستعمار وأهدافه التوسّعيّة، ولا يمكن لأيّ باحث جادّ ونزيه أن يزعم أنّ البربر، منذ نهاية القرن 08 الميلادي إلى حدود النّصف الأوّل من القرن 20م، قد أبدوا رغبة في التميّز عن العرب أو عبّروا عن تبرّمهم منهم أو أظهروا بوادر للثّورة عليهم أو استشعروا في أنفسهم كيانًا سياسيّا وثقافيّا مختلفًا عنهم… فبعد صدمة الفتح من (27هـ) إلى (50هـ) ـ وهي ردّة فعل طبيعيّة ناشئة عن غريزة البقاء بالدّفاع عن النّفس، تلقّف البربر الإسلام واحتضنوه لغة وعقيدة وثقافة وحضارة، وفتحوا له صدورهم وقلوبهم وسخّروا له سيوفهم ودماءهم وأرواحهم وأموالهم… وبقدوم موسى بن نُصير (90هـ) حسن إسلامهم وأسقطت عنهم الجزية وأصبحوا جزءًا عزيزًا من الأمّة الإسلاميّة، وانصهروا في بوتقة العقيدة الإسلاميّة العظيمة التي هضمت من قبل وثنيّة العرب وزندقة الفرس وهرطقة الرّوم والقبط وما هزلت ولا صدئت..وإنّ هزيمة البربر العسكريّة أمام الفاتحين لا تفسّر إقبالهم على اعتناق الإسلام وتلبّسهم به وذوبانهم فيه، فقد هزمهم من قبل الفراعنة والقرطاجيّون والرّومان والبيزنطيّون والقوط؛ ولكنّهم ظلّوا مع ذلك محافظين على كيانهم وديانتهم وتميّزهم؛ ولكنّها العقيدة الإسلاميّة في سموّها وقوّتها ومطابقتها للفطرة البشريّة وقدرتها الفائقة على طحن الفوارق العرقيّة والإثنيّة واللغويّة… ولئن عمّ الإسلام جميع البربر، فإنّ التعريب اللّسانيّ تعثّر وتباطأ واستثنى سكّان المناطق المعزولة المنيعة الذين تحصّنوا بها، وحالت تضاريسهم الوعرة دون اختلاطهم بالعرب الفاتحين، فالحاصل والثّابت أنّ العنصر البربريّ هو العمود الفقريّ لسكّان شمال أفريقيا ـ إن لم يكن ذلك عرقًا ودمًا فنسبًا ومصاهرةً ـ وإنّ التّصنيف الثّنائيّ النمطيّ القائم على جنسين (عرب/بربر) الذي أرادته فرنسا قالبًا جاهزًا للفتنة والصّراع ما هو في الواقع إلاّ ثنائيّة من داخل الجنس البربريّ نفسه (بربر ناطقون بالعربيّة/بربر ناطقون بالأمازيغيّة)… وما هي إلاّ أربعة عقود عن الفتح حتّى تحوّل مشعل نشر الإسلام من العرب إلى البربر: ففتح الأندلس (92هـ/711م) يُعدّ بامتياز إنجازًا بربريًّا صرفًا قيادةً وجيشًا، كما استحال شمال أفريقيا على أيديهم منارة إسلاميّة تشعّ بنورها على الصّحراء الأفريقيّة وجنوب أوروبا (القيروان ـ الزّيتونة ـ القرويّين…) وقلعة متقدّمة للإسلام السنّي المالكيّ الخالص، ومنجمًا عدًّا لجلّة العلماء والقادة المجاهدين (أسد ابن الفرات ـ الإمام سحنون ـ يوسف بن تاشفين ـ ابن خلدون ـ ابن منظور…) وسدًّا منيعًا أمام المطامع الاستعماريّة المختلفة (الصليبيّين ـ النورمان ـ الوندال ـ الإسبان ـ البرتغاليّين…) لقد كانت بلاد البربر قبل الفتح الإسلاميّ وعلى امتداد تاريخها القديم مطمع الحضارات وحمار الشّعوب القصير ومنجمًا للمرتزقة والجواري والعبيد ومطمورة لقرطاج وروما وبيزنطا… وما إن نُفخت روح الإسلام الزكيّة في الجسد البربريّ المتهالك كما نُفخت من قبل في الجثّة الجاهليّة حتّى كان الدّفع الحضاريّ من ذيل الأمم إلى سنامها والتحوّل الجذريّ من الضعف والموت والانحطاط والتخلّف إلى القوّة والحياة والعزّة والرّيادة والرقيّ مصداقًا لقوله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ)[الأنعام: 122] ـ وتواصل حال المنطقة على ما هي عليه 13 قرنًا ـ جزءًا عزيزًا من أرض الإسلام ومكوّنًا عضويًّا من مكوّنات الأمّة الإسلاميّة لا تكدّر صفاءه ونقاءه هرطقة أو نعرة شوفينيّة منتنة ـ إلى حدود سنة 1830م تاريخ تدنيس الجيوش الفرنسيّة لأرض الجزائر… ولو كانت النّعرة البربريّة حيّة حينها لاستغلّتها فرنسا في احتلالها للبلاد؛ ولكنّ شيئًا من ذلك لم يقع، بل على العكس يذكر التّاريخ أنّ من صُنِّفوا بربرًا فيما بعد هم الذين تصدّوا للاستعمار الفرنسيّ عند دخوله وقاوموه لأجيال ورفعوا في وجهه راية العروبة والإسلام وأجبروه على المغادرة خاسئًا وهو حسير.

العلم في خدمة الاستعمار: المسألة البربريّة

أمّا كيف نجحت في تكريس النعرة الأمازيغيّة البربريّة وبعثها من أجداث المتاحف وكتب التّاريخ وجعلها حقيقة ميدانيّة وواقعًا معاشًا، فإنّ فرنسا وما أن استقرّ بها المقام في شمال أفريقيا حتّى اتّبعت سياسة خاصّة تجاه البربر أسمتها (المسألة البربريّة) سعت من خلالها في مرحلة أولى إلى إحداث شرخ في التّركيبة السكّانية وزرع بذور التّفرقة والتّفتيت بين مكوّناتها وتحطيم وحدتهم وانسجامهم وبثّ روح الطائفيّة والعرقيّة بينهم وتقسيمهم إلى جنسين مختلفين متعاديين متناحرين (عرب/بربر) نزولًا عند القاعدة الاستعماريّة الذهبيّة (فرّق تسد)..ثمّ في مرحلة ثانية تهميش العرب وإقصائهم ومحاربتهم في مقابل النّفخ في صورة البربر ـ حجمًا ودورًا ـ ونحت ملامح هويّة بربريّة أمازيغيّة ـ لغةً وعقيدةً وثقافةً، وتعميمها على المنطقة برمّتها في إطار حربها الصليبيّة على الإسلام والمسلمين… ولتحقيق ذلك سارت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في خطوتين متوازيتين متكاملتين:

الخطوة الأولى: عمليّة ميدانيّة: فقد فرنست لسان المجتمع المغاربيّ، وأذكت حركة التّبشير، وغذّت الفتنة بين المالكيّة والإباضيّة، وشنّت حربًا شعواءَ على الثّقافة الإسلاميّة، فمنعت تداولها، وحظرت تلقّيها ونشرها، وأغلقت مؤسّساتها، وجفّفت منابعها، ونكّلت بأعلامها ورجالاتها وحَمَلتها، حتّى إنّها سنّت قانونًا يقضي بإعدام كلّ من يُدلي إلى السّلطات بوثيقة مكتوبة بالعربيّة (نعم)….وفي محاولة وقحة لاستنساخ أندلس جديدة، استصدرت سنة 1929م مرسوم (الظّهير البربريّ) الذي يقضي بفصل المناطق البربريّة في المغرب الأقصى وعزلها عن محيطها العربيّ، وإغلاق المحاكم الشّرعية فيها وفرض القوانين العرفيّة عليها لطمس عروبتها وإسلامها كمحطّة نحو فرنستها وتنصيرها

أمّا الخطوة الثّانية، فنظريّة: وقد رامت من ورائها توظيف العلم في خدمة أغراضها الاستعماريّة وشرعنة افتراءاتها وأعمالها الإجراميّة في حقّ شعوب المنطقة بإخراجها في ثوب (البحوث العلميّة التاريخيّة والأركيولوجيّة والأنثروبولوجيّة) الموثّقة الثّابتة المطابقة للواقع المغاربيّ المعاش… فاستعانت بطاقم من أقطاب علمائها وآثاريّيها (لويس رين ـ دولافوس ـ بالو ـ روني باسي ـ مويي ـ مارسال كوهين ـ ستيفان قزال ـ شارل أندريه جوليان ـ جورج مارسي…) وجعلت منهم نواة للمدرسة التاريخيّة الاستعماريّة الفرنسيّة… فاستحدثوا (علم البربريّات) وأسّسوا (أكاديميّة البربر) في باريس منبرًا لتشويه تاريخ المنطقة وطمس حقائقه وتحريف ثوابته، وضخّموا كلّ تحرّك للبربر وعدّوه (ثورة ذات منزع قوميّ بربريّ معاد للعرب والمسلمين) وأسقطوا تفاسيرهم وقراءاتهم الفجّة على تمرّد كسيلة والكاهنة والخوارج حتّى إنّهم جعلوا من تحريف بسيط ناشئ عن سوء فهم لتعاليم الإسلام (ديانة برغواطيّة)..لقد مثّل علم الأنثروبولوجيا والكشوف الأثريّة أداة في يد السلطات الاستعماريّة لدمج المغرب العربيّ فيها عن طريق ربط شعبه وثقافته وماضيه بفرنسا ـ ما أمكن لهم ذلك ـ وبأوروبا إذا تعذّر عليهم (وذلك أضعف الإيمان) وكان الولاة والجنرالات والمقيمون العامّون الفرنسيّون يتابعون شخصيّا نتائج البحوث والحفريّات، كما أنّ مصلحة الآثار كانت ملحقة مباشرة بالدّاخلية ومرتبطة بالأمن القوميّ الفرنسيّ… وقد كرّست المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة الفرنسيّة قناعات ومسلّمات نافية بشكل مسبق أيّ إمكانيّة بحث في قضايا شمال أفريقيا في إطار العلاقة مع الشّرق، حتّى إنّ تاريخ المنطقة وما يتعلّق بالبربر وأصولهم ولغتهم وكتابتهم وثقافتهم لا يُنظر إليه إلاّ في إطار العلاقة مع أوروبا. أمّا العلاقة مع الشّرق فمرفوضة ابتداء… ولم تتورّع هذه (المدرسة) في سبيل ذلك عن التضليل والانتقائيّة والطّمس والتّشويه وإخفاء المعلومات وتزويرها وإقصاء أبحاث واختلاق نظريّات وإضافة معطيات بما يجيز لنا أن نتحدّث عن (أساطير مؤسّسة للنّعرة الأمازيغيّة البربريّة).

أسطورة الأصل الأوروبيّ :

إنّ السّؤال المركزيّ الذي تتأسّس حوله الإشكاليّة يتعلّق بأصل البربر، إذ على ضوء الإجابة عنه يمكن إمّا ترسيخ البربر في فضائهم الحضاريّ العربيّ الإسلاميّ أو فصلهم عنه وربطهم بأوروبا وإدماجهم بفرنسا وبالتّالي شرعنة استعمارهم… لقد أجمع النسّابة العرب من مختلف الطبقات والأجيال حول الأصل المشرقيّ العربيّ للبربر والرّبط بينهم وبين قبائل بني مازيغ وبني صنهاج التي انتقلت من جزيرة العرب إلى بلاد المغرب منذ الألف العاشرة قبل الميلاد… كما أجمع النسّابة البربر أنفسهم من صاحب الحمار إلى حسن الوزّان على انتماء البربر إلى العرق العربيّ إمّا عبر مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح (بالنّسبة لفرع البرانس) أو عبر قيس عيلان المضريّ العدنانيّ (بالنّسبة لفرع البتر) أو عبر حمير (بالنّسبة للطّوارق)… وبصرف النّظر عن المصداقيّة العلميّة لهذا الإجماع، ومدى حجّيته ومطابقته للحفريّات الأثريّة والأبحاث الأركيولوجيّة والأنثروبولوجيّة، فإنّ المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة الفرنسيّة أقصت هذا الاحتمال بشكل مسبق ونفته ابتداء، وخاضت أبحاثها بهذه الخلفيّة المغرضة في إطار مخطّطها الهادف إلى عزل البربر عن محيطهم الشرقيّ وحشرهم قسرًا في محيطها الغربيّ لاستيعابهم وتذويبهم فيها؛ فقد روّجت لنظريّات متعدّدة تلوي عنق الحقيقة وتحقّق لها غايتها مثل نظريّة الأصل الأوروبيّ للبربر، أو نظريّة الأصل الحامي، أو نظريّة جنس البحر الأبيض المتوسّط… وقد طعن الباحثون النّزهاء فيها جميعها وبيّنوا تهافتها، لاسيّما وأنّها قائمة أساسًا على فرضيّة مستحيلة تتمثّل في إمكانيّة الملاحة البحريّة بين ضفّتي المتوسّط والتي لم تكن متاحة قبل العصر الحجريّ الحديث… كما أنّ البحوث الجينيّة واللغويّة المقارنة لم تصدّقها بل جاءت متعارضة معها؛ ممّا اضطرّ (الدكتور فالو) رئيس البعثة الأثريّة للاعتراف في تقريره الرسميّ إلى والي الجزائر العامّ سنة 1949م (بعدم واقعيّة إدماج المغرب العربيّ بأوروبا نهائيًّا)… وبسقوط هذه النظريّة الفجّة تهاوى الحلم الاستعماريّ بدمج المنطقة المغاربيّة في الكيان الفرنسيّ وبترها عن جسمها المشرقيّ… إلاّ أنّ المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة لم تيأس وارتمت مرغمة مكرهة في أحضان النظريّة الإنثروبولوجيّة القاضية بأنّ البربر يتحدّرون من سلالات ما قبل التّاريخ المحليّة بالمنطقة على غرار الحضارة العاتريّة والحضارة الموستيريّة والحضارة القفصيّة والوهرانيّة… وقد روّجت لها بكثافة في محاولة منها لتدجين البربر وجعلهم أهليّين محليّين بعد أن تعذّرت أَوْربتهم، الأمر الذي يضمن هو الآخر عزلهم عن عمقهم العربيّ الإسلاميّ، ونفي أيّ صلة لهم بالمشرق… وقد ركبت في سبيل ذلك وبكلّ وقاحة كلّ المحظورات من قبيل إقصاء أبحاث وإخفاء معلومات وتوخّي أسلوب انتقائيّ طامس للحقائق مشوّه لها. فلإخضاع المغرب العربيّ إلى منطق هذه النظريّة أقصت المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة الفرنسيّة ليبيا من دراستها وعزلتها عن باقي المنطقة وصمتت عن نتائج أبحاث ما قبل التّاريخ فيها لا لشيء إلاّ لأنّها ممرّ وعنصر ربط، فمواقعها التاريخيّة تثبت سيرورة الانتشار الجغرافيّ ومساره التاريخيّ من الشّرق نحو الغرب، وتؤكّد بالتّالي التّواصل الحضاريّ والبشريّ بين المشرق والمغرب عبر تشابه الصّناعات الحجريّة والمنحوتات والأساليب الفنيّة وانتقال النّشاطات الزراعيّة والفلاحيّة… كما غيَّبت المعلومات المتوفّرة عن الحضارات الوهرانيّة والموستيريّة والعاتريّة التي تثبت أنّ أصحابها مجموعات مهاجرة من الشّرق… وتعمّدت إخفاء نتائج الحفريّات المتعلّقة بالإنسان القفصيّ التي تربطه مباشرة بنماذج بشريّة من آسيا الغربيّة؛ ممّا يؤكّد أنّ ما اعتبرته هذه المدرسة الاستعماريّة (حضارات محليّة) ما هو إلاّ أجناس طارئة على المنطقة المغاربيّة وعناصر مهاجرة ـ من الشّرق تحديدًاـ حاملة معها مكتسباتها الفلاحيّة والرعويّة، ناهيك وأنّ شمال أفريقيا خالٍ من أصول نباتات الحبوب والحيوانات المدجّنة في شكلها البرّي بما ينفي قطعًا أصالة تلك النّشاطات ويُثبت يقينًا استقدامها من خارجه… فالنظريّة الأنثروبولوجيّة التي تشبّث الاستعمار بتلابيبها أوهن من بيت العنكبوت لا تصمد أمام النّقاش العلميّ الموثّق، ولا يمكن أن تطمس أصالة البربر الشرقيّة وأرومتهم العربيّة القديمة.

أسطورة التجانس العرقيّ

حفاظًا منها على المنطق الدّاخليّ للنظريّة الأنثروبولوجيّة ادّعت المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة أنّ البربر مجموعة عرقيّة وإثنيّة متجانسة وشعب موحّد تجمع بين أفراده سمات جينيّة ومميّزات ثقافيّة وحضاريّة مشتركة تميّزه عن سائر الشّعوب وترقى به إلى مستوى الأمّة ذات الحضارة العريقة، وطفقت تروّج لمقولات من قبيل (اللّوبيّون هم سكّان شمال أفريقيا الأصليّون ـ الشّعب البربريّ ـ الحضارة البربريّة ـ الأمّة البربريّة..) قبل أن يستقرّ بها الاصطلاح عند (الشّعب الأمازيغيّ ـ أمازيغ العالم ـ الحضارة الأمازيغيّة…) وهو كلام إنشائيّ يفتقد لأدنى مصداقيّة علميّة مسوق على عواهنه تحت ضغط هواجس الاستعمار الانقساميّة يُكذّبه الواقع ويفنّده البحث العلميّ النّزيه… فالثّابت تاريخيًّا أنّ مصطلح (بربر) صفة مشحونة بمعاني الاستنقاص والاستهجان تفيد معنى الهمجيّة والتوحّش والتخلّف، أطلقه الإغريق والرّومان وقصدوا به مجموعات بشريّة تقطن شمال أفريقيا من غرب النّيل إلى المحيط الأطلسيّ ومن المتوسّط إلى تخوم الصّحراء، وهو متّسع جغرافيّ استوعب العديد من الشّعوب والقبائل المختلفة عرقيًّا وإثنيًّا… كما أنّ مصطلح (أمازيغ) الذي يعني (الرّجل الحرّ النّبيل) والذي أشاعه أصحاب النّزعة البربريّة في أدبيّاتهم وعمّموه على كامل سكّان شمال أفريقيا فإنّه ليس عَلَمًا على كلّ البربر، بل هو اسم لقبيلة كبرى من قبائلهم اتّصفت بتلك الصّفة، وقد عُمِّم هذا الاسم من باب تسمية الشّيء بأبرز ما فيه، كما عمّم الإسبان اسم قبيلة (المور) على سائر البربر ثمّ على مسلميّ الأندلس (الموريسكيّون)… فالبربر شعوب وقبائل متعدّدة منحدرة من إثنيّات وثقافات مختلفة، وإنّ الادّعاء بتجانسها العرقيّ والإثنيّ مجرّد أسطورة من اختلاق المدرسة التاريخيّة الاستعماريّة الفرنسيّة، وهذا باعتراف أحد أقطاب منظّريها (الدّكتور روني باسي) حيث قال في كتابه (البربر) ص 11 (هناك معطى غير قابل مطلقًا للنّقاش، وهو أنّ البرابرة اليوم ـ معرّبين أم غير معرّبين ـ لا يشكّلون بأيّ طريقة من الطّرق مجموعة عرقيّة إثنيّة متجانسة) والفضل ما اعترف به الأعداء… هذا الحكم الذي يرقى إلى مستوى المسلّمة التاريخيّة البديهيّة يكتسب مصداقيّته وحجيّته من تواتره وانطباقه على واقع البربر عبر سيرورة تاريخهم من العصر الحجريّ إلى يوم النّاس هذا بالمشاهد الملموس. فقد أثبتت الحفريّات والتّنقيبات والكشوف الأثريّة أنّ منطقة شمال أفريقيا شهدت في العصر الحجريّ الحديث حضارات مختلفة متمايزة من حيث طرق العيش والعادات الغذائيّة والأدوات المستعملة والصّناعات الحجريّة والأساليب الفنيّة (الحضارة العاتريّة ـ القفصيّة ـ الموستيريّة ـ الوهرانيّة…) وأنّها كانت تعكس نماذج بشريّة متنوّعة من حيث السّمات والبنية الهيكليّة؛ ممّا أجاز لنا التحدّث عن (الإنسان القفصيّ ـ إنسان بئر العاتر ـ إنسان مشتى العربيّ ـ أصحاب الرّؤوس المستديرة..)… هذا الخليط العرقي الإثني اللاّمتجانس والذي ميّز فترة ما قبل التّاريخ تواصل مع الفترات التّاريخية القديمة والوسيطة؛ إذ نجد له صدى في كتب النسّابة الإغريق والرّومان والعرب وفي نقوش المعابد الفرعونيّة، فقد تحدّثت كلّها وبصراحة عن قبائل وشعوب متعدّدة ومتنوّعة مختلفة من حيث سحنتها وسماتها الخلقيّة وبنيتها الهيكليّة ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها تؤثّث الفضاء المغاربيّ وتشغل مناطق مختلفة فيه (الأمازيغ ـ التحنو ـ التمحو ـ اللّيبو ـ المشواش ـ القهق ـ السبد ـ الأسبت ـ القايقش ـ الشّيت ـ الهسا ـ البقن ـ الكيكش ـ المور ـ جدالة…) وممّا يؤكّد هذه المعلومات أنّ النماذج الحاليّة المعاصرة للبربر تعكسها بأمانة، فيمكن أن نلاحظ اليوم بكلّ يسر خمس مجموعات عرقيّة بربريّة متباينة في مظهرها: المجموعة الأولى متميّزة بطول القامة والشّعر الأشقر والعيون الملوّنة وهي منتشرة في بلاد القبائل والأوراس (زواوة ـ كتامة..). المجموعة الثّانية متميّزة بقصر القامة والسّمرة والشعور السّوداء والعيون العسليّة، وهي منتشرة في جبال الرّيف والأطلس المغربيّين (غمارة ـ هوّارة…).المجموعة الثّالثة تتميّز بالطّول وبياض البشرة وخفّة الشّعر والوجوه العريضة والشّاحبة، وهي منتشرة في أواسط الصّحراء ومناطق سوف ومزاب والجريد (فطناسة ـ هرماسة ـ قرماسة ـ برغواطة…). المجموعة الرّابعة متكوّنة أساسًا من طوارق الصّحراء وتتميّز بطول القامة والأطراف وضيق الصّدر والبطن مع غلبة السّمرة والملامح الزنجيّة (صنهاجة ـ زناتة ـ لمتونة…). المجموعة الخامسة تتميّز بالقصر والسّمرة وضخامة الجثّة والرّؤوس الكبيرة المستديرة ومجالها غرب النّيل إلى الحدود التونسيّة (اللّيبو..) وهو تنوّع يعكس بلا شكّ تعدّدًا في الأصول والأعراق… فعن أيّ تجانس عرقيّ وإثنيّ للبربر نتحدّث؟؟

الأذرع المالية للدول الرأسمالية الكبرى

 الأذرع المالية للدول الرأسمالية الكبرى

 

د. الأسعد العجيلي

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م يعتبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أحد أهم الأذرع المالية التي تستخدمها الدول الرأسمالية الكبرى للهيمنة على اقتصاد العالم؛ وذلك بإغراق الدول في دوامة الديون وفرض التبعية الاقتصادية عليها، فالقروض التي تقدمها هذه المؤسسات المالية وسيلة لبسط النفوذ، وسلاح سياسي في يد الدولة المقرِضة تستخدمه لتفرض به سياستها ونظامها على البلد الذي يأخذ هذه القروض، وأي نكسة تصيب مشاريع التنمية في الدول المستدينة هي نكسة للنظام الذي يقوم بتنفيذها.

وتعد برامج الإصلاح المالية والاقتصادية التي تفرضها هذه المؤسسات المالية على الدول المستدينة بمثابة الجرعات المميتة التي تجهز على اقتصاد الدول وتجعلها تابعة وخاضعة للجهات الدائنة. والإقراض يتم بعد إرسال الخبراء لمعرفة مقدرة البلاد المالية، والإحاطة بأسرارها الاقتصادية، وفرض شروط ومشاريع معينة هي في الغالب مشاريع استهلاكية وخدمات عامة، وليست مشاريع إنتاجية

وتتلخص الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي مقابل القروض في النقاط التالية:

تخفيض سعر العملة المحلية مقابل الدولار، وهذا يعني مشكلة من وجهين، الأول: ارتفاع أسعار السلع محليًا بسبب انخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع كلفة الإنتاج. والثاني: عدم الاستفادة من انخفاض العملة في منافسة صادرات الدول المدينة للبضائع الأخرى في الأسواق الدولية؛ بسبب قلة هذه الصادرات، كل ما هنالك أن هذا سيؤدي إلى بيع طاقات وثروات الدول الضعيفة بسعر زهيد.

تقليص نفقات الدولة لرفع الأعباء عن الميزانية ويكون بتقليص كتلة الأجور وبتخفيض أو إلغاء المصروفات والخدمات التي تقدمها الحكومة للناس في مجال الحاجات الأساسية كالمسكن والملبس والغذاء، والحاجات الضرورية كالتعليم والتطبيب، فتزداد تكاليف الحياة على الأفراد، ويعمُّهم الجهل والمرض والفقر.

زيادة أسعار المحروقات، وهذا يزيد الأسعار في البلد من مواصلات إلى غلاء في المعيشة، وركود اقتصادي، وتضخم في العملة.

زيادة موارد الميزانية عن طريق فرض الضرائب؛ ضريبة المبيعات، ضريبة الدخل، ضريبة الأرباح، ضريبة العمال؛ مما يزيد الأسعار، فيلحق الضرر بالمستهلك والمنتج؛ حيث يقل الإقبال على السلع فيلحق الضرر بالمنتِج أو المصدِّر، ويزيد الأعباء على الناس، فالنظام يعيش على دماء الرعية، قال J: «إن من أعظم الخيانة أن يتاجر الراعي في رعيته».

الخصخصة؛ وذلك ببيع المنشآت والمؤسسات العامة للقطاع الخاص لتمويل الموازنة، وهى من أهم وأخطر السياسات التي  يفرضها هذا الصندوق الاستعماري على الدول المستدينة لالتهام مقدرات الشعوب.

وضع برنامج تقشف تلتزم به الدولة، ويشمل ذلك رفع نسبة الربا، زيادة الضرائب، زيادة التعرفة الجمركية التي تشمل سلعًا أساسية وغذائية وضرورية، تقليص النفقات، ما من شأنه تحميل الناس فوق طاقتهم.

إن السياسات التي يتبناها صندوق النقد الدولي تهدف إلى تحويل البلدان المقترضة إلى أسواق مفتوحة لتصريف بضائع الدول الرأسمالية بأسعار عالية، وتخلق الظروف الموضوعية لتحويل الاقتصاد القائم على التخطيط والتوجيه المركزي إلى اقتصاد سوق رأسمالي تعبث به الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف سوى الجشع ومزيد من الأرباح.

فالإصلاحات التي يفرضها الصندوق هي في الأصل حزمة مسمومة ملغومة تؤدي في نهاية المطاف إلى تجويع العباد وتركيع البلاد.

أما البنك الدولي، فيعمد إلى دعم ما يسمى «بناء البنية التحتية» والتركيز على الثروات السيادية من أجل استثمارها كما يزعم؛ ولكنه ينتقي المشاريع التي لا تعود بالربح على الدولة، مثل مشاريع المحافظة على التراث، مشاريع البيئة، المشاريع السياحية، مشاريع الصحة الإنجابية (تقليل عدد السكان) وغيرها. أما المشاريع الضخمة والاستراتيجية فإن البنك لا يقوم باستثمارها إلا إذا قامت بها شركات غربية (متعددة الجنسيات)، ثم يغرق الدولة بالديون، ويعطل عجلة التنمية، ويساعد على نهب ثروات الأمة.

والقروض التي تُعطيها هاتان المؤسستان على نوعين: قصيرة الأجل، وطويلة الأجل. أما القروض قصيرة الأجل فإن القصد منها ضرب عملة البلاد لإيجاد اضطراب فيها؛ لأنه لا يُقبَل السداد إلا بالعملات الصعبة، وقد تعجز البلاد عن التسديد بهذه العملات لندرتها لديها، أو لأنها في حاجة إليها، مما يضطرها لشراء هذه العملات بأسعار عالية، فتهبط قيمة عملتها وتلتجئ إلى صندوق النقد، فيتحكم في عملتها حسب السياسة التي تراها أمريكا لأنها هي التي تسيطر عليه وتملك أكثرية أسهمه.

أما القروض طويلة الأجل فإنها توضع لآجال طويلة، ويُتغافل عن تسرب هذه الديون للأرصدة الشخصية ويُتساهل عند استحقاقها حتى تتراكم وتصبح مبالغ ضخمة تعجز البلاد عن تسديدها، فيبدأ تدخل الدولة المقرِضة إما مباشرة أو عن طريق المؤسسات المستخدَمة في الإقراض، ويجري فرض برنامج للتصحيح الاقتصادي يتضمن شروطًا مهلِكة مثل تخفيض سعر العملة، وتقليص الإنفاق الحكومي، وخصخصة المشاريع العامة، وتعويم أسعار العديد من السلع، ورفع الرسوم على بعض المواد والخدمات مثل المحروقات والمياه والكهرباء، وفرض ضرائب جديدة، وغيرها من الإجراءات التي تجعل اقتصاد البلد والسياسة المالية فيه في قبضة الدول المقرِضة. هذا بالإضافة إلى أن نسبة هامة من القروض التي تتحصل عليها الدولة المستدينة من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي ستوجه إلى دعم الميزانية لسداد القروض القديمة.

إن الاقتصاد لا يعالج بالاقتراض من هذه المنظمة الدولية أو تلك، وإنما بتنفيذ مشروع مبدئي نابع من عقيدة الأمة ومنبثق من كتاب ربها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم، لا من نظريات المبدأ الرأسمالي ونهج الكفار في الحياة. علاوة على ذلك فقد أصبح معروفًا عند القاصي والداني أن صندوق النقد الدولي وكذلك البنك الدولي هما مؤسستان استعماريتان للدول الكبرى للتدخل في شؤون دول العالم بإغراقها في دوامة الديون وفرض التبعية الاقتصادية عليهم، فقد ازداد الفقر وتضاعفت المشاكل حيثما حلَّا، وبلدان كمصر وتونس والأردن خير شاهد على ذلك بعد تعاملات دامت عقودًا مع هاتين المؤسستين، ولقد حدا هذا الواقع ببعض المراقبين الدوليين النازهين للمطالبة بإلغائهما، أو وضع قيود للحد من تدخلاتهما في الشؤون الداخلية والخارجية للبلاد، فإن أمريكا والدول الأوروبية تتخذ منهما أدوات قوية لتحقيق أهدافها السياسية.

إن الاقتراض من هذه المنظمات التي تعمل بالنظام الرأسمالي الربوي يجرُّ البلاد الإسلامية إلى مزيد من الفقر والتابعية، والشواهد على ذلك في كل بقاع العالم أكثر من أن تُحصى، علاوة على استجلاب سخط رب العالمين لأنه تعامل بالربا الذي حرمه الشرع، يقول تعالى: (يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦) ويقول تعالى: (وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ ) وجاء في صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ»، فالاقتصاد لم ولن يتعافى بالحرام، ولن ينهض بمخالفة شريعة الله الغرَّاء وطريق الهدي المستقيم، قال تعالى:

 (وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا) ومن يفعل ذلك فكأنما يتجرع الداء ليتداوى، ويترك البلاد فريسة لمزيد من النهب من قبل الدول الكبرى ومؤسساتها. وحتى تنهض البلاد اقتصاديًا النهضة الصحيحة يجب تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي كاملًا في إطار تطبيق المنظومة الإسلامية الكاملة دون اجتزاء أجزاء منها، فإن أحكام الإسلام متداخلة مترابطة؛ لأنها جاءت لحل مشاكل الإنسان الناجمة عن حاجاته وغرائزه المتداخلة المترابطة، فلا يمكن ولا يجوز فصلها وتجزئتها بحال من الأحوال، ولن تؤدي إلى النهضة إلا بتطبيقها كاملًا في إطار دولة إسلامية هي دولة الخلافة.

(وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦).

مجلة الوعي: العدد 421: أخبار المسلمين في العالم

 مجلة الوعي: العدد 421: أخبار المسلمين في العالم

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

بعد إحكام طالبان سيطرتها على أفغانستان بعض قدامى المحاربين البريطانيين

يقدمون على الانتحار

قال وزير القوات المسلحة البريطاني جيمس هيبي إن بعض قدامى المحاربين البريطانيين في الحرب الأفغانية يقدمون على الانتحار بسبب الضرر النفسي الشديد الذي تعرَّضوا له جرَّاء الانسحاب الفوضوي للقوات التي تقودها الولايات المتحدة من ذلك البلد وانتصار طالبان، وتراجعَ الوزير البريطاني في وقت لاحق عن تصريحاته مؤكدًا أنه أخطأ عندما قال إن بعض الجنود البريطانيين السابقين انتحروا بسبب الغضب من الانسحاب الذي قادته الولايات المتحدة من أفغانستان. وأضاف هيبي لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) «في الواقع، الأمر الذي كنت أشير إليه كان غير دقيق… نبحث بعناية شديدة فيما إذا كان إقدام أحدهم على الانتحار في الأيام القليلة الماضية صحيحًا».

الوعي: نقول لكم ما قاله الله تعالى: ]قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ[ ونسأل الله أن يكون انتصارًا يتلوه يوم النصر الكبير بإقامة الخلافة الراشدة، وما ذلك على الله بعزيز

في تآمر علني وفج ضد الإسلام… توقيع اتفاقية شراكة استثنائية

 بين رابطة العالم الإسلامي ومعهد بلير

قالت رابطة العالم الإسلامي، إنها وقعت اتفاق شراكة استثنائية مع معهد توني بلير للتغيير العالمي، لجمع رؤيتي المؤسستين. وأشارت الرابطة في بيان إلى أنها ستعمل مع بلير على مدى السنوات الثلاث المقبلة، على تقديم برنامج عالمي لتزويد 100 ألف شاب بين أعمار 13و17 بمهارات التفكير والنقد، في 18 دولة، لمواجهة تحديات فرص المستقبل وفق وصفها. كما سيعمل البرنامج من خلال شبكات المدارس وشركاء التعليم حول العالم على تدريب أكثر من 2400 معلم على «مهارات الحوار مثل التفكير الناقد، والاستماع النشط، والتواصل العالمي، لنقل هذه المهارات إلى طلابهم، وبذلك سيسهم البرنامج في بناء قدر أكبر من التفاهم المتبادل والتسامح والثقة بين الشباب ومجتمعاتهم، وتصحيح المفاهيم حول التنوع الديني والثقافي…» وانتقد مغردون الاتفاقية وقالوا إن بلير بالأمس هاجم العالم الإسلامي، واليوم توقع معه الرابطة اتفاقية مطالبين بتغيير اسمها بما يتناسب مع توجهاتها الصهيونية المحاربة للإسلام.

الوعي: رابطة الضِّرار هذه، والتي تحمل اسم الإسلام زورًا، إن هي إلا أداة من أدوات الأنظمة الخائنة لله ولرسوله ولدينه والمؤمنين، والموالية للنظام السعودي الخائن العميل بالأمس لبريطانيا، واليوم لأمريكا، وغدًا إن شاء الله في مقبرة التاريخ، وفي الآخرة في جهنم وبئس المصير

الغارديان: بلير يهاجم الإسلاميين بالذكرى العشرين لـ11 سبتمبر

في خطاب ألقاه أمام معهد الأبحاث «روسي» بمناسبة مرور 20 عامًا على هجمات 11 سبتمبر 2001م، هاجم رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، ما أسماها «الراديكالية الإسلامية» مشيرًا إلى أنها الخطر الأمني الأول على أوروبا. وأكَّد أنه وبرغم تراجع الهجمات الإرهابية فإن «الإسلامية: عنفًا وأيديولوجية، هي تهديد أمني أول، وفي حالة عدم مراقبتها فستأتي إلينا، حتى لو كان مركزها بعيدًا عنا، كما ظهر في هجمات 11 سبتمبر». وأضاف: «بالنسبة لي فإن أكثر التطورات في الأوقات الأخيرة والتي تشغل بالي هو حس أن الغرب ليست لديه القدرة أو الوصفة الاستراتيجية، وهو تفكير قصير الأمد قلَّل من إمكانية التفكير على المدى البعيد». و«هذا الحس أكثر من أي شيء آخر هو ما يعزز الشعور بالقلق لدى حلفائنا ويمنح أعداءنا الشعور بأن وقتنا قد انتهى». واعترف بلير بوجود قيود سياسية ضخمة على التدخلات العسكرية، وهو ما يمثل تحديًا لكل من الناتو وبريطانيا. واعترف ضمنًا أن بناء الدول كما تم في أفغانستان قد فشل، وأن القادة كانت لديهم فكرة ساذجة حول إمكانية تحقيقه والمدة التي يحتاجها. وأكَّد أن محاولة إعادة تشكيل الدول لم تفشل لأن الناس لا يريدون محاولات الغرب. وبالتأكيد «لم نستطع إعادة تشكيل أفغانستان للأفضل» لكن الأفغان لم يختاروا طالبان. وزعم أن آخر استطلاع رأي جرى في 2019 أظهر أن نسبة الدعم لطالبان لا تتجاوز 4%. وزعم أن طالبان غزت البلاد عبر العنف لا الإقناع.

الوعي: هذا هو بلير اليائس الخائب في آخر تصريحاته الحاقدة على الإسلام… والذي تعقد معه رابطة العالم الإسلامي اتفاق شراكة ثقافي تغريبي تذويبي للإسلام في مفاهيم الحضارة الغربية الكافرة.

صحيفة: ألمانيا شحنت الخمور من أفغانستان وتركت «المتعاونين»»

قالت صحيفة «بيلد»  الألمانية إن قوات البلاد العاملة في أفغانستان شحنت آلاف علب البيرة والنبيذ من هناك عوض إجلاء الأفغان الذين تعاونوا معها طوال السنوات الماضية،  ووجهت الصحيفة انتقادات حادة للحكومة الألمانية بسبب «فشلها في إجلاء موظفي الدعم الأفغان» قبل سيطرة طالبان على كابول. وذكرت الصحيفة أن الجيش الألماني شحن ما يقرب من 65 ألف علبة بيرة و340 زجاجة نبيذ إلى ألمانيا أثناء استكمال انسحاب قواته من أفغانستان في نهاية حزيران/ يونيو، لكن المئات من الموظفين الأفغان وأفراد أسرهم لم يحصلوا على تأشيرة، ولم يتمَّ إجلاؤهم على الفور، وأوضحت الصحيفة أن «أولئك الذين عملوا لسنوات عديدة لفائدة ألمانيا وخاطروا بحياتهم من أجلها، قيمتهم على ما يبدو أقل من علب الجعة». وانتقد كريستوف هوفمان، النائب عن الحزب الديمقراطي الحر المعارض، وزير الخارجية هايكو ماس لارتكابه «أخطاء فادحة وفشله في إعطاء الأولوية لإجلاء الأفغان» المتعاونين، بحسب الصحيفة.

الوعي: هذا الموقف ليس مستغربًا من أصحاب الحضارة الغربية، والدليل تكرُّره من مختلف الدول الرأسمالية. وبالنسبة لنا فإن هؤلاء المتعاونين هم رخائص بما لا يقاس.

كاتب بريطاني: ضحايا أفغانستان ذهبوا سدًى

رأى الكاتب البريطاني ماثيو باريس، في مقال نشرته صحيفة «التايمز» أن مشهد انسحاب قوات بلاده، برفقة الحليفة الكبرى، الولايات المتحدة، يعكس «حقيقة حزينة» مفادها أن «من قتلوا في أفغانستان ذهبوا سدًى». وقال الكاتب إن القوات البريطانية «أخفقت في أفغانستان»، وإنه «على مدار ما يقرب من عقدين من الزمن، عززنا الفشل الواضح؛ حيث افتقرنا إلى العقل والشجاعة للاعتراف بما يجري على مرأى من الجميع». وأضاف: «على عكس ما يقوله بعض كبار العسكريين، فإنه يمكن أن تكمن الشجاعة في الاعتراف بالفشل، وليس من الشجاعة دائمًا مضاعفة الأرواح المهدَرة». وأوضح الكاتب أن عبارة «نحن مدينون للذين قتلوا، هي حجة (للمضي في الطريق الخاطئ) وستجعل التراجع عن أي جانب (من جوانب الفشل) مستحيلًا»، وبين أن ما يفترض أن يقوله الساسة الغربيون هو أنهم «مدينون للأحياء وليس للأموات، ولتقليل الخسائر فإن الأمر يتطلب رباطة جأش أكثر من مضاعفة هذه الخسائر».

الوعي: إن الغرب ذرائعي، ليس في قاموسه موضوع الحق والباطل بل التفكير المصلحي فحسب، ونحن نقول له: كلَّا، إن قتلى أفغانستان منكم لم يذهبوا سدًى، بل إلى جهنم وبئس المصير (قتلانا في الجنة إن شاء الله، وقتلاكم في النار)..

كتب مدرسية أمريكية تدرّس تاريخ البلاد من منظور عنصري

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريرًا استعرضت فيه نتائج التحقيق الذي أجرته حول حقيقة وجود كتب ذات طابع يميني عنصري، معتمدة ضمن المناهج التعليمية بعدد من المدارس الخاصة والمدارس المسيحية في الولايات المتحدة. وقالت الصحيفة في هذا التقرير الذي ترجمته «عربي21» إن كتاب «بوب جونز» المدرسي عن تاريخ العالم، يصف الدين الإسلامي باعتباره دينًا عنيفًا، ويضم قسمًا كاملًا بعنوان «الإسلام والقتل». فيما يتحدث كتاب «أبيكا»، وهو كتاب التاريخ لطلاب الصف الحادي عشر، عن العبودية في الولايات المتحدة من منظور اقتصادي بحت، حيث جاء فيه أن «العبيد يعتبرون استثمارات أفضل من الخدم المأجورين». وتصف هذه الكتب المدرسية العبودية باعتبارها «هجرة السود». ويشير أحد كتب التاريخ المدرسية إلى المهاجرين باعتبارهم «أجانب». بينما يناقش كتاب ثالث انتشار المنظمات التي تؤمن بـ«تفوق العرق الأسود» خلال حركة الحقوق المدنية، واصفًا مالكولم إكس بأنه أبرز دعاة تفوق السود في تلك الحقبة. وتُستخدم هذه الكتب لطمس إرث العبودية، وتهميش دور السكان الأصليين في تاريخ البلاد. وحسب آدم لاتس، الأستاذ بجامعة بينغامتون، فإن هذه الكتب التي تدرس التاريخ من منظور إنجيلي منذ عدة عقود، تثير المخاوف بشأن علمانية المجتمع. وتضيف الصحيفة أن المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، على عكس المدارس العامة، لا يُفرض عليها قدر كبير من الرقابة أو القيود فيما يتعلق بالمناهج الدراسية، ويفتخر موقع «أبيكا» بأن كتبه وصلت إلى أكثر من مليون طالب مسيحي سنة 2017م. ويزعم موقع «التعليم المسيحي المختصر» على الويب، أن مواده تُستخدم في «عشرات الآلاف من المدارس، وعدد لا يُحصى من المدارس المنزلية في أكثر من140دولة»

الوعي: إن مثل هذه المناهج إن دلت فإنما تدل على قابلية تفكك المجتمع الأمريكي وتفسخه، بل قل وتفجره؛ بسبب العنصرية الكامنة فيه،  ويعني فيما يعنيه أن المجتمع لا تنتظمه ثقافة علمانية جامعة؛ وهذا يشكل خطرًا وجوديًا على النسيج الأمريكي وتجعله قابلًا للتمزق الذي يمكن أن يطيح به.

مجلة الوعي: العدد 421: مع القرآن الكريم

 مجلة الوعي: العدد 421: مع القرآن الكريم

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

( إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣)

 سورة النصر مدنية، وآياتها ثلاث. هذه السورة الصغيرة، كما تحمل البشرى لرسول الله  صلى الله عليه وسلم بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وكما توجهه صلى الله عليه وسلم حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجُّه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار، وكما تحمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم البشرى والتوجيه… فإنها تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج، ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرُّد والخلوص والانطلاق والتحرر… هذه القمة السامقة الوضيئة، التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام، ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي هذا الهدف العلويَّ الكريم.

وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها رواية الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قوله: “سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليهقال: “إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابًافقد رأيتها… (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣) رواه مسلم.

وقال ابن كثير في التفسير: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة. قولًا واحدًا. فإنَّ أحياء العرب كانت تتلوَّم (أي تنتظر) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيٌّ، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمضِ سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبقَ في سائر قبائل العرب إلا مُظهرٌ للإسلام، ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوَّم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ… (الحديث) فهذه الرواية هي التي تتفق مع ظاهر النص في السورة: (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ… ) فهي إشارة عند نزول السورة إلى أمر سيجيء بعد ذلك، مع توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يعمله عند تحقق هذه البشارة وظهور هذه العلامة. وهناك رواية أخرى عن ابن عباس؛ لا يصعب التوفيق بينها وبين هذه الرواية التي اخترناها..
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا،ً فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له. قال: (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣). فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول (تفرد به البخاري). فلا يمتنع أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى علامة ربه أدرك أن واجبه في الأرض قد كمل، وأنه سيلقى ربه قريبًا. فكان هذا معنى قول ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له… وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة عام الفتح فناجاها، فبكت، ثم ناجاها فضحكت. قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتُها عن بكائها وضحكها. قالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت… أخرجه الترمذي.
فهذه الرواية تتفق مع ظاهر النص القرآني، ومع الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه. من أنه كانت هناك علامة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وربه هي:(إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ) فلما كان الفتح عرف أن قد قرب لقاؤه لربه، فناجى فاطمة رضي الله عنها بما روته عنها أم سلمة رضي الله عنها. ونخلص من هذا كله إلى المدلول الثابت والتوجيه الدائم الذي جاءت به هذه السورة الصغيرة

 فإلى أي مرتقى يشير هذا النص القصير: ( إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣ ) في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص، عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث، وما يقع في هذه الحياة من حوادث. وعن دور الرسول صلى الله عليه وسلم ودور المؤمنين في هذه الدعوة. وحدّهم الذي ينتهون إليه في هذا الأمر… هذا الإيحاء يتمثَّل في قوله تعالى: (إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ…) فهو نصر الله يجيء به الله، في الوقت الذي يقدره، في الصورة التي يريدها. للغاية التي يرسمها. وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء، وليس لهم في هذا النصر يد، وليس لأشخاصهم فيه كسب، وليس لذواتهم منه نصيب، وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم. وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حراسًا، ويجعلهم عليه أمناء.. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجًا

وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر، يتحدد شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه بإزاء تكريم الله لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم. إن شأنه ومن معه هو الاتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار، التسبيح والحمد على ما أولاهم من منَّة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسًا لدينه. وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجًا في هذا الخير الفائض العميم، بعد العمى والضلال والخسران، والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل: الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسَّس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء. وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار. والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسَّس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي، والشدة الطاغية والكرب الغامر، من ضيق بالشدة، واستبطاء لوعد الله بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: (أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤) فمن هذا يكون الاستغفار. والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره. فجهد الإنسان، مهما كان، ضعيف محدود، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان  (وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ ) فمن هذا التقصير يكون الاستغفار

وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار… ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصدُّ قوى الشعور بالزهو والغرور

ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلبًا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين؛ ليرقب المنتصر الله فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقًا لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله تصير الأمور.

إنه الأفق الوضيء الكريم الذي يهتف القرآن بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه، على حدائه النبيل البار، الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترفُّ فيه روحه طليقة لأنها تعنو لله!

إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحًا من روح الله. وليس لها حفظ في شيء إلا رضاه.

ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق؛ وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة؛ وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة، بانية عادلة خيِّرة، الاتجاه فيها إلى الله.

وعبثًا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته، مقيد برغباته، مثقل بشهواته. عبثًا يحاول ما لم يتحرَّر من نفسه، ويتجرَّد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده.

وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائمًا، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائمًا
كان هذا هو أدب يوسف عليه السلام في اللحظة التي تمَّ فيها كل شيء، وتحققت رؤياه:

 ( وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠) وفي هذه اللحظة نزع يوسف عليه السلام نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام:
(۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١) وهنا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولـمَّة الإخوان، ويبدو المشهد مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين عنده. من فضله ومنِّه وكرمه

وكان هذا هو أدب سليمان عليه السلام وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضرًا بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه:
(فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠) وهذا كان أدب محمد صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له، انحنى لله شاكرًا على ظهر دابته، ودخل مكة في هذه الصورة. مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة… فلما أن جاءه نصر الله والفتح، نسي فرحة النصر وانحنى انحناءة الشكر، وسبَّح وحمد واستغفر كما لقنه ربه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار. وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين.

وهكذا ارتفعت البشرية بالإيمان بالله، وهكذا أشرقت وشفت ورفرفت، وهكذا بلغت من العظمة والقوة والانطلاق