Tuesday, October 5, 2021

ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر

 ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَة». متفق عليه.

«إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ»: أي العلامات، والمقصود ما يأتي به الأنبياء من خوارق العادات.

«مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ»: أي أن كل نبي أعطي آية أو أكثر، تجعل من يشاهدها يؤمن بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم من البشر.

«وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيا أَوْحَى الله إِلَيَّ»: قال النووي رحمه الله: «اختلف فيه على أقوال؛ أحدها: إن كل نبيٍّ أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يُعط أحد مثله، فلهذا قال أنا أكثرهم تابعًاوالثاني: معناه أن معجزات الأنبياء عليهم السلام انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن المستمر إلى يوم القيامة، مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله، مجتمعين أو متفرقين، في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا وهم أفصح القرون، مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة» شرح النووي لصحيح مسلم.

والمعنى الأخير هو الأظهر، واختاره ابن حجر رحمه الله قال بعدما أورده: «وهذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده، وقيل المعنى: إن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح، وعصا موسى… ومعجزة القرآن تُشاهد بالبصيرة؛ فيكون من اتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًا» فتح الباري شرح صحيح البخاري.

وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤتَ بآية إلا القرآن، وإنما ذكرت هنا لأنها هي الآية العظمى والأعم والأبقى. قال ابن حجر رحمه الله:« وليس المراد حصر معجزاته فيهن، ولا أنه لم يؤتَ من المعجزات ما أوتي من تقدمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره» فتح الباري شرح صحيح البخاري.

قال ابن بطال رحمه الله في حديث الباب: «صدق بتلك الآيات لإعجازها لمن شاهدها، كقلب العصا حية، وفلق البحر لموسى عليه السلام، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام، وكان الذي أعطيته أنا وحيًا أوحاه الله إليَّ، فكان آية باقية دُعي إلى الإتيان بها أهل التعاطي له، ومن نزل بلسانهم، فعجزوا عنه، ثم بقي آية ماثلة للعقول إلى من يأتي إلى يوم القيامة، يرون إعجاز الناس عنه رأي العين والآيات التي أوتيها غيره من الأنبياء قبله رُئي إعجازهم في زمانهم، ثم لم تصحبهم مدة إلا حياتهم، وانقطعت بوفاتهم، وكان القرآن باقيًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم « شرح صحيح البخاري لابن بطال.

 وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «والحصر هنا إضافي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي من الآيات غير القرآن؛ لكنه حصر الآيات بالقرآن؛ لأنه أعمها وأشملها وأبقاها… لأن القرآن بقي (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩) (الحجر: 9)، والآيات الأخرى كلها زالت. فمثلًا من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم أنه دخل رجل يوم الجمعة، فسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وسأل الله أن يغيثه، فرفع يديه وأغاثهم الله قبل أن ينزل من المنبر، نحن الآن وصلتنا هذه الآية عن طريق الخبر، ومن المعلوم لو أننا كنا شاهدناها؛ لكنا أكثر إيمانًا مما لو سمعناها لاشك… كل الآيات التي مضت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم زالت عنا باعتبار المشاهدة؛ لكن القرآن باقٍ بين أيدينا؛ لكننا فقدنا طعمه ولم نذقه؛ لأننا لا نقرأ على الوجه الذي أراد الله تعالى منا: (كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ)(لماذا؟)(لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩) (ص: 29) فهذا القرآن آية إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى برفعه؛ لأنه قد وردت آثار بأنه سيرفع عند قيام الساعة من المصاحف والصدور، وهذا والله أعلم إذا أعرض الناس عنه إعراضًا كليًا، لا يتلونه تلاوة لفظية ولا معنوية، ولا عملية يرفعها الله؛ لأنه أكرم من أن يبقى بين أناس لا يبالون به، ولا يهتمون به، كما أن الكعبة في آخر الزمان تهدم، لأن أهلها ينتهكونها ولا يعطونها حقها من الحرمة.
«فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: لأن آيته صلى الله عليه وسلم القرآن باقية مستمرة، فسيستمر تتابع الأتباع وكثرتهم إلى قيام الساعة.

لقد أبقى الله تعالى القرآن الكريم آية محفوظة خالدة إلى قيام الساعة فقال تعالى: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩) (الحجر: 9)، وتحدى بها الثقلين على مر العصور إلى قيام الساعة على عدة أوجه:

تحدَّاهم بالقرآن كله فقال: (قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨) (الإسراء: 88) وتحدَّاهم بأقل من ذلك بأن يأتوا بعشر سور مثله، فقال تعالى: (أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ١٣) (هود: 13). وتحدَّاهم بأقل منه بأن يأتوا بسورة واحدة مثله، فقال الله تعالى: (وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣) (البقرة: 23).

وهذا الحديث دليل على أن الأنبياء عليهم السلام يتفاوتون في عدد أتباعهم، ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه؛ ولكن انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك» فهذا الحديث دليل على أن نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة، ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن عباس السابق، وما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة»، وما رواه أحمد وابن ماجة من حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعًا: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح. وذكر ابن القيم (رحمه الله) أنه لا تنافي بين العدد في الحديثين، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه رجا أولًا أن يكونوا شطر أهل الجنة، وأعطاه الله سبحانه وتعالى رجاءه وزاده عليه سدسًا آخر» حادي الأرواح.

وفي هذا الحديث دليل على أن القرآن سبب لكثرة الأتباع؛ لعموم نفعه، وتأثيره على تاليه وسامعه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال ابن حجر (رحمه الله): «رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته، وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والإخبار بما سيكون؛ فعمّ نفعه من حضر ومن غاب، ومن وُجد ومن سيوجد، فَحسُنَ ترتيب الرجوى المذكور على ذلك، وهذه الرجوى قد تحققت، فإنه صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تبعًا» فتح الباري شرح صحيح البخاري.

وهذا الحديث يعتبر علمًا من أعلام النبوة؛ حيث أخبر بكثرة الأتباع رغم قلتهم حينما قال ذلك. قال النووي (رحمه الله): «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا» علم من أعلام النبوة، فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا في زمن قلة المسلمين، ثم منَّ الله تعالى وفتح على المسلمين وبارك فيهم حتى انتهى الأمر واتسع الأمر في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة ولله الحمد” شرح النووي لصحيح مسلم.

الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه

 الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

هو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وخامسُ السابقينَ الأوَّلين. وأحد السِّتة الذين تُوُفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وَثَالِثُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أمير المؤمنين، عثمان بن عفان .رضي الله عنه

 وُلد هذا الصحابيُّ قبل عام الفيل بستِّ سنين على الصحيح، وأسلم في أول الإسلام قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان عمره قد تجاوَز الثلاثين، دعاه أبو بكر الصِّديق إلى الإسلام قائلًا له: ويحك يا عثمان! واللهِ إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحقُّ من الباطل. هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صمَّاء لا تسمع ولا تُبصِر، ولا تضر ولا تنفع‏؟‏ فقال‏:‏ بلى واللهِ، إنها كذلك، قال أبو بكر‏:‏ هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيَه وتسمعَ منه‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏. وفي الحال مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «يا عثمان، أجِب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه‏‏»،‏ قال‏:‏ فواللهِ ما ملكتُ حين سمعتُ قوله أن أسلمتُ، وشهِدتُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد الله ورسوله.

لقد كان ابنُ عفانَ هيِّنَ الطبع، سهلَ المعاشرةِ، تألَفُه القلوب، وترتاحُ له النفوس. وكان كثير القنوت، سليم الطوية، عظيم الخوف من الله تعالى، أوَّابًا لربه، جمع عثمان الحلم، والكرم، والحياء، والعِفَّة؛ فاجتمعت له القلوب، وبلغ من كرمه ما رُوي أنه كان لعثمان رضي الله عنه على طلحة بن عبيد الله خمسون ألف درهم، فقال طلحة لعثمان: «إن الذي لك عليَّ قد تهيَّأ فاقبضه. فقال له عثمان: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك». وبلغ من حيائه ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أصدق أمتي حياءً عثمان بن عفان». روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدَّث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدَّث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوَّى ثيابه، قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد، فدخل فتحدَّث، فلمَّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش ولم تبالِه، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تبالِه، ثم دخل عثمان فجلستَ وسوَّيتَ ثيابك؟! فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ولقد انتشر حبه بين الناس؛ حتى إنَّ المرأةَ من قريش كانت تُرَقِّص صبِيَّها الصغيرَ وتقولُ: أُحِبُّكَ والرَّحمنْ   حُبَّ قُرَيشَ لِعُثْمانْ.

وقد كانت لهذا الصحابي مواقفُ عظيمةٌ تدلُّ على فضله ونُصرته لهذا الدين، لـمَّا آمن عثمان أوذي وعُذب في سبيل الله تعالى على يد عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي أخذه فأوثقه رباطًا، وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدَث؟ واللهِ لا أحلُّك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان: واللهِ لا أدعه أبدًا، ولا أفارقه. فلمَّا رأى الحكم صلابته في دينه تركه… ثم إنه هاجَرَ الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينةوجهَّز جيش العُسرة، فعن عبد الرحمن بن خبَّاب السلمي قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحثَّ على جيش العسرة، فقال عثمان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاةً من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. روى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهَّز جيش العسرة، فينثرها في حجره، قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها في حجره ويقول: «ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم، ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم». روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جهَّز جيش العسرة، فله الجنة» فجهَّزه عثمان». وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حق عثمان لـمَّا جهز جيش العسرة: «اللهم أرضَ عن عثمان؛ فإني عنه راضٍ”.

وكذلك حفَرَ بئر رُومَة وتصدَّق بها على المسلمين. وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يشتري بئر رومة وله الجنة؟» فاشتراها عثمان بخمسة وثلاثين ألف درهم، وجعلها صدقةً للمسلمين رضي الله عنه… وكذلك لـمَّا ضاق المسجد النبويُّ بالمسلمين اشترى ما حوله ووسَّع به المسجد… وفي عهده جمع القرآن الكريم، وتوسَّعتْ فتوحات المسلمين، ووصلتْ إلى مشارق الأرض ومغاربها.

عبادته:

سمع عثمانُ القرآن غضًّا طريًّا من فم النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان أحدَ الصحابةِ القلائلِ الذين حفظوا القرآنَ كاملًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمه». وروى محمد بن سيرين رحمه الله، قال: «كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يُحيي الليل كله بركعة يقرأ القرآن كله». وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال في قوله الله تعالى: (أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ) [الزمر: 9] قال: «ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه». وروي أن زوجته حين اقتحموا عليه ليقتلوه قالت: «تقتلوه أو لا تقتلوه؛ فوالله إنه ليُحيي الليل كله بركعة». ولم يَلْتَهِ ابنُ عفان بتجارتِه، ولا بخلافتِه عن كلام ربِّه، ومن أقواله المأثورة عنه: «لو طَهَرَتْ قلوبُكم ما شَبِعَتْ من كلامِ اللهِ عز وجل»، وقال أيضًا: «إني لأَكرَهُ أن يأتيَ عليَّ يومٌ لا أنظرُ فيه في المصحف»، وكذلك قال: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا ثلاث: إشباعُ الجياع، وكِسْوَةُ العَريان، وتلاوةُ القرآن». وروى ابن ماجه: «أن عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إنَّ القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه؛ فما بعده أشد منه». رواه أحمد. وكان رضي الله عنه صوَّامًا، قوَّامًا، كثير الخوف من الله، مولَعًا بتلاوة القرآن. ومن أقواله التي تدلُّ على ورعه وتقواه، أنه كان يقول: ما زنيتُ ولا سرقتُ، لا في جاهلية ولا في إسلام.

جمعه للقرآن الكريم في مصحف واحد

في عهده انتشر الإسلام في بلاد كثيرة، وتفرَّق الصحابة مما أدى إلى ظهور قراءات متعددة وانتشرت لهجات مختلفة، فكان الخوف من اختلاف كتابة القرآن، وتغيُّر لهجته، فأمر بنسخ القرآن وكتابته، وجمعه في المصاحف على حرف واحد بلغة قريش، وكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقًا في الرقاع واللخاف وفي الصدور؛ فجمعه أبو بكر في صحف، ثم جمعه عثمان في مصحف واحد، وسُمِّي (المصحف العثماني)، ثم نسخ منه مصاحف عديدة، فأرسل إلى كل بلد من بلدان المسلمين مصحفًا. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: «أن حذيفة بن اليمان قدِم على عثمان، وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصةُ إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحفَ في المصاحف، ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق». فمن أجل ذا سُمِّي (المصحف الإمام).

الفتوحات في عهده رضي الله عنه:

لـمَّا تولَّى أمير المؤمنين عثمان الخلافة واصل الجهاد في سبيل الله كما كان في عهد الخليفتين قبله، فذكر أهل السِّيَر أنه فُتح في عهده من بلاد فارس: طبرستان، وتركيا وخراسان، ونيسابور، وكان فتحها في عهد عمر؛ إلا أن أهلها ثاروا يريدون استرداد ما أخذ منهم وتحرير أملاكهم؛ فأمر عثمان رضي الله عنه على الجيوش التي في البصرة والكوفة بالتوغل في بلاد فارس، ومحاربة من ثار منهم، فتواصل الجهاد في بلاد فارس، وفتحت عمورية وطرطوس وأنطاكية وشمال أفريقيا، وأمر عثمان عمرو بن العاص أن يتوجَّه بجيشه إلى طرابلس وطنجة حتى وصلوا إلى الجزائر. وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطئ الإسلامية من هجمات البيزنطيين، فافتتح بلاد قبرص وما يتبعها حتى توغَّل في بلاد الروم.

منزلة عثمان رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده

شهد عثمان المشاهد كلها إلا وقعة بدر؛ فإنه كان يُمرض زوجته رُقَية، وضرب له الرسول بأجره وسهمه. زوَّجه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنته رقية ثم ماتت بعد وقعة بدر الكبرى، ثم تزوَّج أختها أم كلثوم ثم ماتت تحته، وكان لذلك يلقَّب بذي النورين، قال العلماء: ولا يُعرَف أحدٌ تزوَّج بنتَيْ نبيٍّ غيره، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كانت لي ثالثة لزوجته إياها». وهو أوّل من هاجر إلى الحبشة و معه زوجته رقية، وتخلّف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان، وسُمِّيت تلك البيعة ببيعة الرضوان. وفي تفاصيلها أنه في الحديبية، بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحربهم، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظَّمًا لحرمته‏.‏ فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللَّه ـصلى الله عليه وسلم إليهم‏:‏ إن شئتَ أن تطوف بالبيت فطُفْ، فقال‏:‏ ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل، ولـمًّا لم يكن قتل عثمان رضي الله عنه محققًا، بل كان بالإشاعة، بايع النبي صلى الله عليه وسلم عنه على تقدير حياته‏.‏ وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال‏:‏ ‏اللَّهم هذه عن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك‏. وفي صحيح البخاري من حديث قتادة، أن أنسًا رضي الله عنه حدَّثهم قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم أُحُدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، وقال: «اسكن أُحد، أظنه ضرَبَه برِجْله، فليس عليك إلا نبيٌّ، وصِدِّيق، وشهيدان». وروى الترمذي من طريق الحرث بن عبد الرحمن عن طلحة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي رفيق، ورفيقي في الجنة عثمان بن عفان». روى ابن عساكر في حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري: «كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بعضِ الحوائطِ ومعه عودٌ ينكُتُ بين الماءِ والطِينِ، فجاء رجلٌ فاستفتح فقال: افتَحْ له وبشِّرْه بالجنَّةِ؛ فإذا هو أبو بكرٍ فبشَّرتُه بالجنَّةِ. ثمَّ جاء رجلٌ فاستفتح فقال: افتَحْ له وبشِّرْه بالجنَّةِ ففتحتُ وبشَّرتُه بالجنَّةِ؛ فإذا هو عمرُ. ثمَّ جاء آخرُ فاستفتح فقال: افتَحْ وبشِّرْه بالجنَّةِ على بلوَى تكونُ ففتحتُ له وبشَّرتُه بالجنَّةِ على بلوَى تكونُ؛ فإذا هو عثمانُ، قال: اللهُ الـمُستعانُ وعليه التُّكلانُ».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نَعدِل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نُفاضِل بينهم».

وروي أن عليًا رضي الله عنه قال: «عثمان أوصلنا للرحم». وكذا قالت عائشة رضي الله عنها لما بلغها قتله: «قتلوه وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب”. وروى أبو خيثمة من طريق الضحاك، عن النزال بن سبرة، قال: «قلنا لعلي بن أبي طالب: حدثنا عن عثمان! قال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما جهَّز عثمان جيش العسرة: ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم».

حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

 حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي صحابي بدري، دخل في الإسلام وهاجر مع المسلمين إلى يثرب برفقة سعد بن خولي مولى حاطب، ونزل عند المنذر بن محمد بن عقبة، وقد آخى النبي بينه وبين رحيلة بن خالد، وقد شارك مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته التي غزاها؛ فقد شهد غزوة بدر، وغزوة أحد، وغزوة الخندق وصلح الحديبية، وفتح مكة، كما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في العام السادس للهجرة كرسول برسالة إلى المقوقس عظيم مصر يدعوه فيها إلى الإسلام، فبعث معه المقوقس مارية وأختها سيرين كهدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي يوم بدر: لما سمع حاطب بن أبي بلتعة منادي النبي عليه الصلاة والسلام يقول: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها. أجاب حاطب وخرج بسيفه. ولما التقى الجمعان عند بدر، أبلى حاطب بن أبي بلتعة بلاءً حسنًا. وفي يوم أحد، ثبت حاطب بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس، وراح هو وبعض الصحابة يذودون عنه وقد عاهدوه صلى الله عليه وسلم على الموت. وشهد حاطب بن أبي بلتعة غزوة الخندق وكانت له قصة يوم الحديبية:

ذكر محمد بن إسحاق: لـمَّا أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جعلًا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام.

وذكر البخاري عن عبيد الله بن أبي رافع «سمعت عليَّا يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناس مكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال: «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريشيقول: كنت حليفًا – ولم أكن من أنفَسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صَدَقكم» فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فأنزل الله سورة الممتحنة:

 (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١)وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب أن رسول الله قد توجَّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده، لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده. قال: وفي تفسير ابن سلام: أن حاطبًا كتب: إن محمدًا قد نفر، فإما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر.

حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب مصر.

بعد أن عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا على السلم- صلح الحديبية- لم يركن إلى الدِعة والهدوء، لقد أمره الله عزَّ وجلَّ أن يبلِّغ الرسالة، فبعث صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض وحكامها، فأرسل إلى قيصر، وكسرى، والنجاشي… ولـمَّا أراد صلى الله عليه وسلم أن يبعث إلى مصر قال: «أيها الناس، أيُّكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله؟ فوثب إليه حاطب بن أبي بلتعة وقال: أنا، يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «بارك الله فيك يا حاطب».

 أخذ حاطب كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدَّ على راحلته وسار إلى مصر، كان يعرف الطريق إليها فقد خرج للتجارة إلى مصر أكثر من مرة. وكان على مصر جريج بن ميناء وكان مصريًا؛ ولكنه كان يحكم مصر من قبل هرقل يجمع له الضرائب ثم يحملها إلى القسطنطينية، وكانت الإسكندرية مقرَّ حكمه.

قَدَّم حاطب بن أبي بلتعه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس فقرأه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى… أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيْتَ فإنَّما عليك إثم القبط، (قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤) [آل عمران: 64]».

التفت المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة وسأله: «ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو على من خالفه من قومه وأخرجوه من بلده إلى غيرها؟». وصمت حاطب، فأعاد جريج بن ميناء قوله لـمَّا رأى من الحاضرين إستحسانًا: «ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو على من خالفه من قومه وأخرجوه من بلده إلى غيرها أن يسلط عليهم؟» قال حاطب بن أبي بلتعة: «ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله؟»، قال الموقس: «بلى»، قال حاطب بن أبي بلتعة: «فما له حيث أراد قومه صَلْبَه لم يدعُ عليهم حتى رفعه الله إليه؟»، فهزَّ المقوقس رأسه إعجابًا وقال: «أحسنت، أنت حكيم، جاء من عند حكيم»، فقال حاطب بن أبي بلتعة: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبِر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك». [إنه يقصد فرعون عندما خرج وراء موسى عليه السلام وبني إسرائيل، فنجا كليم الله وبنو إسرائيل وغرق فرعون ومن معه]. نظر المقوقس إلى حاطب في دهشة وبدت في عيون الموجودين تساؤلات: من أين لذلك العربي مثل هذا العلم؟ واستطرد حاطب: «إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له يهود وأقربهم النصارى (الذين آمنوا بنبوته صلى الله عليه وسلم) ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما السلام الا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. فقال المقوقس : إني نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضالِّ، ولا الكاهن الكذَّاب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء – الغائب المستور – والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وكتب المقوقس كتابًا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد… فقد قرأت كتابك وفهمتُ ما ذكرتَ فيه وما تدعو إليه، وقد علمتُ أن نبيًّا قد بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج من الشام، وقد أكرمتُ رسولك وبعثتُ لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك».

توفي حاطب في المدينة المنورة سنة 30 هـ، وعمره 65 سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل النار، فقد جاء عبد لحاطب بن أبي بلتعة يشكو حاطبًا فقال: يا نبي الله ليدخلنَّ حاطبُ النار. فقال صلى الله عليه وسلم: « كذبت لا يدخلنَّها، إنه شهد بدرًا والحديبية» رواه مسلم. ولحاطب رواية للحديث النبوي عن النبي صلى الله عليه وسلم رواها عنه ابنيه عبد الرحمن بن حاطب ويحيى بن حاطب وعروة بن الزبير.

كيسنجر: لهذه الأسباب فشلت الولايات المتحدة في أفغانستان

 كيسنجر: لهذه الأسباب فشلت الولايات المتحدة في أفغانستان

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

في مقال له منشور في«إيكونوميست»، أشار كيسنجر إلى أن فشل جهود الولايات المتحدة في مكافحة التمرُّد في أفغانستان كان بسبب عدم قدرتها على تحديد أهداف قابلة للتحقيق، ولم تكن الأهداف العسكرية واضحة بما يكفي، بينما كانت الأهداف السياسية عبارة عن شعارات فضفاضة وغير واقعية… وأدى الفشل في دمج الأهداف العسكرية والسياسية إلى توريط الولايات المتحدة في صراعات دون نهايات محددة… لقد أقنعنا أنفسنا أنه في نهاية المطاف أنه لا يمكن أن نَحُول دون إعادة تشكّل القواعد الإرهابية إلا من خلال تحويل أفغانستان إلى دولة حديثة بمؤسسات ديمقراطية وحكومة تدير البلاد دستوريًا؛ لكن ذلك لم يكن سهل التحقيق بسبب تعدُّد مكوِّنات الشعب الأفغاني… والتي كانت دائمًا مناوئة بشدة للسلطة المركزيةوتتركز السلطات في أيدي زعماء القبائل وأمراء الحرب الذين تدور بينهم صراعات طاحنة؛ لكنهم يتحالفون عندما تحاول قوى خارجية السيطرة على البلاد، مثلما حدث عندما اجتاح الجيش البريطاني أفغانستان سنة 1839، وقد أدى ذلك إلى طرده، ولم ينجُ حينها من القتل أو الأسر إلا أوروبي وحيد، كما اضطر الاتحاد السوفياتي للانسحاب من أفغانستان سنة 1989… لقد استطاعت أفغانستان إحياء الخلافات السياسية على الساحة الأمريكية، حيث إن ما كان الفريق المعني بمكافحة التمرد يعتبره تقدّمًا على الأرض، اعتبره الشق السياسي فشلًا كارثيًا، وقد عمل كلا الجانبين على عرقلة الطرف الآخر في ظل الإدارات المتعاقبة من كلا الحزبين… وأهملت الولايات المتحدة في ظل تلك الخلافات طرح خطة بديلة تجمع بين كل الأهداف القابلة للتحقيق. ولم تنسق الجهود مع الدول المجاورة لمكافحة التمرد؟ من المؤكد أنه كانت للهند والصين وروسيا وباكستان مصالح متباينة، لكن استراتيجية دبلوماسية خلاَّقة كان باستطاعتها أن تضع مع هذه الدول خططًا مشتركة للتغلب على الإرهاب في أفغانستان… لم تجرّب الولايات المتحدة بتاتًا هذه الاستراتيجية… لقد آلت المفاوضات في النهاية إلى انسحاب أمريكي غير مشروط في عهد الرئيس بايدن… والانسحاب كان مأساويًّا ومفاجئًا.

 الوعي: لا شك أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان كان مذلًّا… ولا شك أن أمريكا أدركت فشلها منذ عهد المعتدي الأول بوش الابن؛ ولكن هذا الانسحاب لا يعني ترك أمريكا للمنطقة؛ خاصة وأنها منطقة استراتيجة بالغة الأهمية لها، وإنما المتوقَّع أن تكون خطتها الجديدة تقوم على تأجيج الصراع بين المسلمين هناك في المنطقة بمن فيهم الأفغان وبين الصين، واللعب على وتر أن الصين تعادي المسلمين الإيغور وتضطهدهم؛ وبذلك تنقلب الأدوار؛ وتصبح علاقتهم مع الصين علاقة دموية… على أن تقوم الولايات المتحدة من وراء حجاب بدعم المسلمين هناك عن طريق عملائها من دول الخليج أو من تركيا أو من الهند أو من باكستان. فليحذر الإخوة في طالبان والمسلمون هناك مما يكاد لهم.

الإسلام يمكن أن يكون بوابة لرؤية عالمية أكثر ديمقراطية وتعددية

 الإسلام يمكن أن يكون بوابة لرؤية عالمية أكثر ديمقراطية وتعددية

 

مجلة الوعي: العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

في مقال له بموقع (ميدل إيست آي) قال الدكتور آلان غابون، الأستاذ المشارك في الدراسات الفرنسية ورئيس قسم اللغات الأجنبية وآدابها في جامعة فيرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية إنه – وعلى عكس الخطاب السائد – يمكن للحركات الإسلامية تعزيزُ المشاركة المدنية، ونزعُ فتيل إغراءات «التطرف»، والمساعدةُ في اندماج المسلمين في الغرب، وتشكيل نظم مدنية ديمقراطية في الدول ذات الأغلبية المسلمة. ونقل عن الفيلسوف البارز جاك رانسيير بأن عدم التمييز بين الحركات الإسلامية تؤدي إلى نتائج عكسية بشكل عميق، وأوضح أن الحركات الإسلامية ليست متجانسة، وليست جميعها ضد الديمقراطية، بل متنوعة والاختلافات بينها كبيرة لدرجة أنه لا يمكن التوفيق بينها، وأن تجاهل ذلك خاطئ. وأورد مثالًا على ذلك بالاختلاف بين «تنظيم الدولة الإسلامية» و»حركة النهضة التونسية» قائلًا إن الفجوة بين الاثنين شاسعة لا يمكن التوفيق بينهما حتى لو كان كلاهما «إسلاميًا». ونسب إلى جوسلين سيزاري، إحدى أكبر الأكاديميين بشأن الإسلام في العالم، قولها إن القول إن الإسلام يؤدي إلى العنف والتطرف هو رواية زائفة، مؤكدة أنه في ظل ظروف معينة، يمكن أن يكون الإسلام بوابة إلى رؤية عالمية أكثر ديمقراطية وتعدُّدية. كما نقل عن كليمنتين لاروك قولها إنها بمجرد وصولها إلى السلطة، تميل الأحزاب أو الحركات الإسلامية إلى الاعتدال بل حتى إصلاح نفسها، مع السعي للابتعاد عن الجماعات الأكثر راديكالية، وخاصة «الجهاديين». وقال إن كبار الخبراء الآخرين في الإسلام، بمن فيهم جون إل إسبوزيتو، الباحث الرائد عالميًا في هذا الموضوع، أظهر أن البحث الحقيقي عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يقع في قلب المشروع الإسلامي، وأضاف غابون أن العديد من حالات الإسلاميين في السلطة تظهر أنهم إذا أتيحت لهم الفرصة فهم مستعدون تمامًا للعيش وفقًا للقواعد الديمقراطية. فحركة النهضة في تونس يمكن لسلوكها أن يعلّم دروسًا في الروح المدنية والسلوك الديمقراطي للأحزاب الغربية. وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا يعتبر نموذجًا للسلوك الديمقراطي، ومثال آخر مهم يذكره غابون، هو مصر في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي والإخوان المسلمين. فربما كانت فترة ولايتهم موجزة؛ لكنها تميزت بتوسع جوهري ونوعي في الديمقراطية. وختم غابون مقاله بالقول إن التشهير الشامل والفاضح بـ»الإسلامية» والإسلام السياسي، يتجاهل عن عمد وجود اتجاهات إسلامية ديمقراطية.

الوعي: إن محاولات الغرب لا تفتر في الكيد للإسلام، والعمل على دمقرطته، ودمج المسلمين في مفاهيم الحياة الغربية، وجعل الإسلام روحيًا فحسب بإبعاد الجانب السياسي عنه… هذه المحاولات تتخذ من حركات الاعتدال الإسلامية لتكون واسطتها في تحقيق اختراق لها في هذا المضمار.