Monday, June 1, 2020

طاقات الأمة الكامنة وافرة للتغيير المنشود

طاقات الأمة الكامنة وافرة للتغيير المنشود

 حسن عبد المعطي 
مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
إن التغيير المنشود الذي نطمح إليه كأمة هو بإمكاننا وضمن طاقاتنا وقدراتنا المحدودة والكامنة في نفوسنا وفي مبدئنا وفي أمتنا. وهذا التغيير بمعنى النهوض والارتقاء نحو المكانة اللائقة بنا وبأمتنا ليس بالمستحيل وليس بخيال ولا أحلام، بل هو واقع مدرك تلمسه العقول المستنيرة، وتحسُّ به النفوس العالية المتحفزة والعازمة على أن ترتقي بأمة حية لها تاريخها المزدهر، وتتلوى من واقعها المؤلم، وترنو إلى مستقبل قريب مشرق. ورغم صعوبة الواقع، ورغم العوائق في الطريق، ورغم التأخير الكبير الذي يكبح جماح حركة الأمة، إلا أنه بمقدورنا تحقيق النهوض المنشود، وإنه لضمن طاقاتنا وإمكاناتنا، ومبتدؤه ومنتهاه قول ربنا جل وعلا:  (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ )
بداية لن نقول إن طاقاتنا لا محدودة ولا متناهية لننسج في مخيلة المسلم قدرات جبارة ولا لنجعل أفكاره تسبح مع معجزات وخوارق للعادة، بل نقول بكل صدق وموضوعية إن طاقاتنا وقدراتنا فيها من القوة الكثير إذا ما تفجرت، فهي طاقات كامنة وقدرات حبيسة في النفوس لا تظهر بسبب ضغوط الواقع الذي يقف الغرب ومعه الحكام العملاء له وراء منع إظهارها، فهو يدرك وجودها ويدرك أنها إذا تفجرت لن يصمد أمامها؛ لذلك هو يخشاها أشد الخشية، ويعمل جاهدًا على عدم السماح لها بالظهور.
فبالرغم من أن المسلم كإنسان بشكل عام خلق ضعيفًا، قال تعالى: (وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا٢٨) وبالرغم من تكرر وصف ضعف الإنسان ومحدوديته في غير آية من كتاب ربنا العليم بما خلق، ومنها قوله تعالى: في سورة المعارج: (إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠) ولكن هذا المخلوق المحدود في قدراته هو نفسه القادر على أداء مهمات ثلاث أنبأنا عنها الله جل وعلا في كتابه العزيز بأنه خلق فيه ما يجعله مؤهّلًا «للخلافة»، كما قال تعالى:
(وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ ). و»للعَمارة»، كما قال تعالى:
 (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ) و«للعبادة»، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ ).
هذه هي المهمات الثلاث التي خُلق لأجلها الإنسان: الخلافة، والعمارة، والعبادة. ولأجلها استحق التكريم والتفضيل على كثير مما خلق الله، فقال تعالى عن هذا الرقي والتكريم بمقتضى خلقنا من نسل آدم عليه السلام: (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠). وهذا التكريم استحقه الإنسان بوصفه مخلوقًا بغضِّ النظر عن أي وصف آخر من اللون أو اللغة أو الجنس.
ولأداء هذه المهمات، ولاستحقاق هذا التكريم، كانت الرسالات من الخالق العظيم للمخلوق الضعيف لترشده إلى سبل العيش الراقي، وهذا ما نسميه الطاقة الفكرية التي نمتلكها والتي هي أساس التغيير وطريقه ومبتغاه؛ ولبيان ذلك نتلو قوله تعالى في سورة الحديد: (لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ َأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥). فالبينات هي المعجزات الدالة على صدق الرسل، والكتاب والميزان هما التشريع والمنهاج ليقوم الناس بالقسط أي بالعدل، أي بالخلافة والعمارة والعبادة.
إن هذا الذي أرسله ربنا جل وعلا مع الرسل وآخرهم نبينا محمد J دين الإسلام، هو المبدأ الذي تؤمن العقول بصدقه وتطمئن القلوب لصوابه وتسلم له بالرضى والتطبيق، هو الطاقة الدافعة لتجعل الإنسان خليفة الله في الأرض يعمرها ويحييها ولا يفسد فيها، ويعيش فيها عابدًا لله عاملًا بما أمر؛ فيهنأ عيشه ويزدهر ويطمئن لمستقبله وحسن ثوابه ومعاده. قال تعالى:(قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤).
إن هذه الطاقة الفكرية التي أكرمنا الله بها وأتمَّها وأكملها، وجعل نصوص الشريعة من قرآن وسنة متَّسعة لبيان حكم كل ما يحدث أو يتجدد من أعمال وأشياء، قال تعالى:
(ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ) وقال تعالى: (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ)، وطلب من الناس أن يحكِّموا هذه الشريعة في كل شيء، فعلًا كان أو غير فعل، قال تعالى:
 (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ) وقال سبحانه: (فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ)، والرد إلى الله والرسول هو رد إلى القرآن والحديث، وما أرشدا إليه من القياس وإجماع الصحابة. هذه الطاقة الفكرية هي التي نحتاجها في عملية التغير، وهي كاملة غير ناقصة، وهي كافية لكل ما يتجدد من الأحداث، وهي محفوظة وميسرة للفهم، فقد حفظها الله لنا  فقال: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩ ) ويسَّرَ لنا فهمها فقال: (وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢) وجعل في سيرة خير الأنام محمد بن عبد الله J تبيانًا لها فقال: (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١)  وقوله تعالى: (وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ ) .
ومن أهم مميزات هذه الطاقة أنها مبنية على العقل أولًا، وأنها من عند خالق الكون والإنسان والحياة ثانيًا، أي هي طاقة فكرية إيمانية روحية من عند العليم الخبير القدير المدبر لشؤون الخلق  (أَلَا
يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤).
هذه المادة الفكرية عقيدة وشريعة ونظامًا للحياة في كل جوانبها تحتاج منا الإقبال عليها بكليِّتنا، ودون تردد أو تأخر، إقبال المؤمنين بها الواثقين بحلولها ومعالجاتها، فنتلقَّاها تلقيًا فكريًا إيمانيًا عميقًا وثابتًا، ونفهمها فهمًا مستنيرًا ومشرقًا، ونحملها لأمتنا لنقيم نهضتنا ونبني دولتنا على أساسها، ولنحقق قيادتنا وريادتنا للعالم، ونبلغ الدعوة للناس أجمع.
 هذه هي الوظيفة، وهذه هي المهمة التي خُلقنا لها، وهذه هي الأمانة التي كُلفنا بها، وحاشى لله أن يمنع عنا الطاقات والقدرات التي تعين على تحمّل هذه الأمانة، إذْ لا نُكلَّف إلا بمقدار ما نُعطى، قال تعالى:
 (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ) .
ولعل سائلًا يسأل: أليست هذه الطاقة موجودة ومحفوظة، ونقلتها الأمة لنا جيلًا بعد جيل، فلماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ وهذا سؤال مشروع ودقيق.
والجواب عليه يحتاج فهمًا دقيقًا لحال الأمة اليوم، فإن الأمة تتطلّع برمّتها لأي حركة أو تظاهر في بلد من بلاد المسلمين وتسمي ذلك ثورة حتى ولو لم تكن في الحقيقة ثورة، فهي اليوم في حالة حيوية وحركة، وهي بحكم وجود الأفكار والمفاهيم الإسلامية فيها، وبحكم تطبيقها لبعض أحكام الإسلام في العبادات وغيرها، وبحكم تمسكها بالعقيدة الإسلامية، وبحكم إيمانها بوجوب عودتها إلى الله، وعودة سيادتها للأمم الأخرى، كل هذا جعل مشاعرها مشاعر إسلامية عارمة، وجعل أحاسيس النهضة والتغيير موجودة فيها دائمًا. ولما كان هناك العديد من النصوص والأعمال التي ركّزت الروح الجماعية في الأمة؛ فقد وجد في الأمة الميل الطبيعي للتكتل والعمل الجماعي. هذا هو واقع الأمة. أمة فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية، والمشاعر فيها مشاعر إسلامية، والروح الجماعية مركزة فيها، وضرورة التغيير يحركها هذا الواقع الفاسد الذي تعاني منه. فأمة هذا حالها، يدل على أن لديها طاقة كافية للتغيبر، فلو تركت وشأنها لتحولت هذه الأحاسيس والمشاعر إلى فكر صحيح. ولكان هذا الفكر قد أنتج عملًا ينهض بالأمة ويغيِّر حالها.
ولكن وجود بعض الأفكار الدخيلة وبعض المشاريع المريضة شتَّت التركيز عند الأمة وأضاع طاقاتها وجهود أبنائها في حركة مضطربة حينًا وناقصة حينًا آخر وفاقدة للوعي الكافي غالبًا، ونضرب بعض الأمثلة عدًّا لا حصرًا. فوجود الجمعيات الخيرية مثلًا حال دون تركُّز الفكر الصحيح للنهضة، ودون الاهتداء إلى الطريق القويم للنهوض. إذ أوجدت عند الأمة متنفّسًا لعاطفتها المتأججة، واستنـزافًا لما فيها من طاقة للعمل الجماعي، وقيامًا بواجب تراه فرضًا عليها، واستجابة لقوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ ).
ووجودُ حالات الجهاد الفردي أو الجماعي الجزئي في بعض أقطار المسلمين المحتلة عسكريًا، وإيمان الأمة المطلق بوجوب الجهاد في سبيل الله جعل تركيز المخلصين من أبنائها على وجوب الجهاد والعمل المادي طريقًا للتحرير والتغيير، فاختلط الأمرُ في البلدان الأخرى المحتلة ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وصارت الأعمال المادية طريقًا للتغيير، فاستباح الحكام المجرمون دماءها وزادت معاناة أهلها.
أما من اتجه إلى العمل السياسي من أبناء الأمة فرديًا أو جماعيًا، فإنهم قد حملوا الأفكار المغلوطة  والتجارب السقيمة، وحاولوا ربط تلك الأفكار الواقعية الرجعية بالإسلام لما يرونه ويحسونه من أن الأمة وأبناءها لا يستجيبون ولا يتحركون إلا من منطلق إيمانهم وإسلامهم، فكانت أفكار التدرج، والإصلاح، والمشاركة في حكم الكفر، والاستعانة بالكافر، وخذ وطالب، وجلب المصالح ودفع المفاسد، وما يسمونه فقه الواقع، وفقه التمكين، والاستطاعة، وغيرها… كلها أفكار واقعية فاسدة أو غربية دخيلة ألبسوها لبوس الإسلام، وساقوا لها أحداثًا تاريخية مقطوعة عن سياقها وظروفها وملابساتها، أو أدلة في غير موضعها وليس لها محلٌّ للاستدلال على مسائل الحكم والتغيير التي عالجتها أدلة قطعية في ثبوتها وفي دلالتها؛ فخالفوا تلك الأدلة ومالوا إلى إرضاء الكافر المستعمر، أو للحاكم العميل المستبد، أو للحاكم البديل المستجد الذي يلعب على أوتار العمالة من جهة وعلى عواطف الأمة الإسلامية من جهة أخرى، ما جعلهم عاملًا في تثبيت التخلف والتبعية السياسية والثقافية، فشتَّتوا تركيز الأمة وأضاعوا بوصلة العمل السياسي الذي هو من أرقى أعمال وصفات أمة الخير والشهادة.
كل ذلك وأمثاله كانت خطورته على المجتمع والأمة أكبر وأعظم، فإن المجتمع يعقد أمله دائمًا على كل حركة تلوح في الأفق، ويرى أن أي عمل جهادي أو مادي أو سياسي في الأمة قد يؤدي إلى إنقاذها أو تحسين وضعها على الأقل. وحين يدرك المجتمع واقع هذه الحركات، وأنها تقع في شرك أعدائها، وتلدغ من جحر واحد مرة ومرة ومرتين، وتكرر الخطأ  مرارًا وتكرارًا، وحين يدرك المجتمع ويرى أن قيادة تلك الحركات إنما تركض وراء منافعها، وتلهث وراء زيادة مكاسبها ومكانتها؛ فانه يكفر بالتكتلات جميعها دون تمييز، ويرفض العمل الحزبي بشكل عام. وهذا يشكل عقبة كؤودًا أمام تحويل الطاقة الفكرية التي تؤمن بها إلى طاقة سياسية تعالج بها الوقائع والأحداث وتتخذها أساسًا للتغيير والنهوض.
إذًأ، فوجود المبدأ في الأمة ليس كافيًا لعملية التغيير، وثورات الأمة وحركاتها ووقوفها في وجه الطغاة ليس كافيًا لتحقيق مطالبها ومصالحها الحقيقية، وإنما هي بحاجة للحزب السياسي الذي يسعى لبعث الحياة والحركة فيها على أساس مبدأ الإسلام، ويتحرك فيها ومعها ويوجِّه حركتها وفق معالجات الإسلام فقط لاغير. وهنا نقول إن الأمة قد جعلت الإسلام أساس التغيير، وأدركت طريقته، وعرفت وجوب ربط فكرته بطريقته. وهذا هو واجبنا وهو عمل حزب التحرير في الأمة قبل الثورات ومع الثورات، ويستمر مهما انتهت إليه من نتيجة تلك الثورات.
هذه الطاقات الموجودة في الأمة من ناحية فكرية إيمانية جعلت لها سلوكًا مميزًا ميَّزها عن غيرها من الشعوب والأمم التي تطمح للتغيير، وهي الأساس وهي المعوَّل عليه في عملية التغيير. أما غيرها من الطاقات والثروات الموجودة في بلاد المسلمين والتي سوف يكون لها بالغ الأثر في توفير الإمكانات والوسائل التي سوف تعين الأمة على بناء دولتها وتثبيت أركانها وأداء مهمتها في نشر الإسلام والدعوة له فهي وافرة وكثيرة وهي مطمع أعدائنا في الوقت الحالي.
فما هو موجود في بلاد المسلمين، فإنه بالرجوع إلى ما هو معلن من قوائم وإحصاءات في مواقع الموسوعات مثل ويكيبيديا وغيرها، فإن النظر في أرقام الإحصاءات لأية مادة استراتيجية على وجه الأرض تجد أن مجموع ما في بلاد المسلمين تزيد مرة أو مرتين عن أعلى دولة تتصدر القائمة حاليًا. وأما النسبة المئوية فتكون غالبًا فوق 55% من الإنتاج العالمي أو الاحتياطي العالمي لتلك المادة، ولم تشذَّ عن هذه القاعدة في أغلب القوائم المعلنة سوى قائمة مادة القمح؛ حيث بلغ مجموع ما تنتجه البلاد الإسلامية 110 مليون طن متري، بينما تصدَّر قائمة أكبر منتجي القمح الاتحاد الأوروبي الذي احتلَّ المرتبة الأولى بمجموع دوله 150 مليون طن متري. أما إذا أخذت كل دولة على حدة، فإن الصين هي من تقفز للمرتبة الأولى بما يقدر بسدس إنتاج العالم بـ 134 مليون طن متري. فإذا علمنا أن حصة تركستان الشرقية في إنتاج القمح هي الثلث تقريبًا، وهي بلاد مسلمة محتلة لعرفنا أن مجموع بلاد المسلمين يساوي ضعف مرة ونصف ما لدى الصين، أي أكثر من سدس الإنتاج العالمي. وعندها يكون مجموع ما في بلاد المسلمين رغم التأخر الحالي أعلى من أعلى دولة في العالم، وهكذا تأتي معظم الإحصاءات في صالح مجموع البلاد الإسلامية بفارق ضخم يبين مدى شراسة المستعمر في كبح حركة الأمة نحو التغيير وتوجيهها نحو تثبيت مبدئه وهيمنته. هذه الأرقام والإحصاءات يجب أن تقلب أمام الأمة لتعرف حقوقها المسلوبة، ولتبتعد عن خطوط أعدائها وخططهم وأفكارهم، وتصر على عملية التغيير الشامل، ولا تقبل بأي فكر أو حل منقوص.
والخلاصة، إن التغيير المنشود الذي نطمح إليه كأمة هو بإمكاننا وضمن طاقاتنا وقدراتنا المحدودة والكامنة في نفوسنا، وفي مبدئنا، وفي أمتنا، والواجب على حملة الدعوة أن يرفعوا وتيرة العمل مع الأمة بتثبيت وجهة النظر الإسلامية في حركتها، ودوام الرفق بها وهم يُحسُّون آلامها ويدركون أمراضها فيعالجونها برفق ويتواضعون لها، ويقفون بحزم وصلابة أمام كل فكر منحرف أو عميل دخيل، فلا يختلط هذا بذاك بل يسيرون بسفينة الأمة سير الربَّان الماهر الذي يعرف كيف ينجو من الأهوال والمخاطر ويصل إلى مرافئ الخير والأمان.
قال تعالى:  (أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢). وقال تعالى: (وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥).
وقال تعالى: (وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَ‍َٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» رواه أحمد – حديث حسن- . 

الأمة قريبة من حسم الصراع مع الغرب

الأمة قريبة من حسم الصراع مع الغرب

حسن عبد المعطي
مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
بعد قضاء المسلمين على دولة فارس، أدركت أوروبا النصرانية أن الإسلام يشكل تهديدًا حقيقيًا لوجودها، وأن الصراع معه سيكون صراعًا حتميًا ومستمرًا، ففي أقل من ثمانين عامًا أنار فجر الإسلام طرفي أوروبا الشرقي والجنوبي. ووجدت النصرانية نفسها محاصرة في أقصى الشمال الأوروبي المظلم معزولة عن العالم، تتوعد ظلمتَها فتوحاتُ المسلمين المشرقة التي أنارت الأندلس ومصر والشام وشمال أفريقيا.
واستمرت صورة الفتح الإسلامي الخاطف تخلع قلوب الغرب وتقض مضاجعهم، حتى جاءت الحروب الصليبية التي شنَّها الغرب على بلاد المسلمين؛ فتنفس الصليبيون الصعداء، وظنوا أن الفرصة مواتية للقضاء على الإسلام والمسلمين، وبرغم نجاحهم في احتلال جزء من بلاد الإسلام لأكثر من قرن ونصف إلا أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا في تحطيم إرادة الأمة وعزتها؛ فاستطاع المسلمون أن يُلملموا شعثَ تفرقهم وتشرذمهم على يد صلاح الدين رحمه الله، ويلحقوا بالصليبيين شر هزيمة.
ثم استعادت صورة الفتح الإسلامي بريقها وقوتها، حين كانت الصدمة المدوية التي عصفت بالغرب إثر فتح القسطنطينية عاصمة النصرانية آنذاك. ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة. وقد انخلعت قلوب الصليبيين بنبأ هذا الفتح، وانتاب الغرب شعور بالفزع والألم والخزي، وتجسد لهم خطر جيوش الإسلام القادمة من اسطنبول؛ فالقسطنطينية كانت تشكل لديهم قاعدة متقدمة في الانطلاق نحو غزو المسلمين، ومنطلقًا لغزواتهم الصليبية للأمة الإسلامية، فإذا بها تسقط في يد دولة فتية هي الدولة العثمانية التي تعلي من شأن الجهاد والقتال في سبيل نشر الدين الإسلامي، والتي لن تتوقف حتى تقضم دول أوروبا الصليبية دولة وراء دولة. ازدادت قوة الدولة العثمانية ولمــَّت شعث الأقاليم الإسلامية الممتدة على طول بلاد المسلمين شرقًا وغربًا تحت لواء الخلافة الإسلامية، وهي تهدد أوروبا تارة، وتُطفئُ نار الصفوية تارة، وتصد هجمات روسيا القيصرية تارة أخرى.
حينها تيقَّن الأوروبيون أنه لا مجال لحسم الصراع عسكريًا مع المسلمين مهما كان حال قوتهم، كون الإسلام بدافعه الذاتي محركًا ومحرضًا للشعوب المؤمنة كي ترتقي سلم النهضة والقيادة والريادة العالمية. وتركزت في أذهان مفكريهم أن الهزيمة العسكرية للمسلمين إن حصلت فهي ممكنة ومؤقتة، ولكن حسم الصراع لن يكون إلا بالحرب الفكرية المركزة؛ لأن المسلمين لم ينهزموا فكريًا أبدًا أمام الصليبين.
وهذا قد جعل أوروبا تفكر جديًا في حرب صليبية أفظع وأعمق من سابقاتها، فنحَّت الغزو العسكري جانبًا إلى أن يحين وقته، وشنَّت حربًا فكرية وغزوًا ثقافيًا، وكان طلائعها المستشرقون والمبشرون ثم لحق بهم رعايا الدولة من النصارى واليهود والمشركين، ومن ثم انضمَّ إليهم طائفة من المضبوعين من أبناء المسلمين، وكان هدفهم جميعًا منصبًا على إزالة حكم الإسلام من الوجود أولًا ثم ضمان عدم عودة الإسلام إلى معترك الحياة نهائيًا، فكانت حربًا شرسة قاموا خلالها بتشويه أحكام الإسلام وحرف أفكاره في عقول المسلمين، وبدأت الدعوات المنحرفة الهدَّامة التي تحارب الإسلام بكل قوة ومن وراء حجاب، فتم رفع لواء القومية وتستَّروا به كي يستطيعوا حشد أبناء الأمة معهم ممن (أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا).
وهكذا تسلل إلى مواقع القرار في الدولة الإسلامية حفنة من القوميين الترك الحاقدين العملاء الذين ورَّطوا الدولة في الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت نفسه تحرك القوميون العرب الخونة بقيادة الشريف حسين لطعن الدولة الإسلامية في صميم فؤادها، ثم كان ما تعلمون من زوال حكم الإسلام، وتمزيق بلاد المسلمين، وسيطرة أنظمة الكفر وأفكاره على الدولة والمجتمع، وفرض فصل الدين عن الحياة. وتشتت تركيز الأمة بين حرب الكافر المستعمر عسكريًا والتصدي لأفكاره وأنظمته السياسية، فكان شوطًا أخَّر من معاناة أكثر إيلامًا ونزيفًا، وبعد أن أحتل الكافر المستعمر بلادنا لعقود طويلة لم يخرج منها بجيوشه إلا بعد أن اطمأن إلى تثبيت عملائه في السلطة وأنظمته وأفكاره في الدولة والمجتمع.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة وُجد من أبناء الأمة وعلمائها ثلة واعية حملت الدعوة إلى الإسلام، وعملت في الأمة ومعها لإعادتها لسابق عهدها خير أمة أخرجت للناس بإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، ومع ارتفاع الوعي الإسلامي في الأمة شعر المستعمرون أن المعركة لم تحسم بعد بزوال حكم الإسلام، فما زال الإسلام في نفوس المسلمين قويًا وعصيًا على الكسر، وما زالت المحاولات الجادة لإنهاض الأمة الإسلامية قائمة على قدم وساق يقوم عليها ويقودها حزب التحرير، فتجد شبابه في كل ميدان يعيدون الأمل بحكم الإسلام والثقة بأحكامه وأفكاره، وبهدم صروح العلمانية، ويكشفون مؤتمرات المستعمرين الأعداء.
فارتفع الوعي في الأمة وازادت حرارة الإيمان وصارت لا تطيق أجواء الظلم والفساد التي تخيم على بلاد المسلمين، فتحركت الأمة ضد العملاء والخونة الذين نصبهم الغرب الكافر على رقاب المسلمين، وجاءت الثورات متتابعة وخاطفة وهددت عروش الأنظمة العاتية، واستطاعت أن تسقط بعضًا من هؤلاء العملاء، ففزع الغرب من جديد لعملائه ولفكره، ودق ناقوس الخطر، ولمعت بين عينيه فاجعته يوم فتح القسطنطينية، فجمع كيده ثم أتى يدَّعي مناصرة الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، ويعمل على تثبيت الأنظمة ودعم الثورات المضادة، وهكذا أعلن الغرب الكافر حربًا جديدة على الإسلام والمسلمين يريد القضاء على أي حَراك جاد يهدف إلى إسقاط تلك الأنظمة العميلة في بلاد المسلمين.
ومع كل ذلك البطش والجبروت والدماء والأشلاء التي أعقبت الثورات، إلا أن الأمة لم تتراجع ولازالت تنشد إسقاط الأنظمة والتغيير. ومن هنا نستطيع القول إن هذه الأمة عصية على الكسر برغم الخطط التي وضعها الكافر المستعمر ليلفتها عن دينها وعقيدتها، وبرغم أن حجم المؤامرة كان كبيرًا وكبيرًا جدًا، وبرغم أن التضليل كان متقنًا لدرجة كبيرة.
إن الصراع مع الغرب صراع وجودي، وهو مستمر ولن يتوقف يومًا واحدًا، ولن تنتهي معاناة أمتنا إلا إذا أدركت بما تملكه من إيمان ووعي من هم قادتها الحقيقيون من أبنائها المخلصين الذين يصلون ليلهم بنهارهم لإعادة السلطان للأمة وجعل السيادة للشريعة، فيسعد الناس بحكم الإسلام وعدل الإسلام، وما هي إلا مسألة وقت ليُمكَّن للأمة، بعون الله، من جديد في دولة مهيبة عظيمة تعيد سيرة الأولين من الصحب الكرام والمجاهدين العظام. ومع إحساسنا بألم المرحلة وصعوبة الواقع إلا أننا نتلمس اقتراب الأمة من حسم الصراع مع الغرب، ونتيقن بأنها قادرة على حسمه لصالحها بإذن الله تعالى من خلال النقاط التالية:
1-الأمة اليوم أكثر وعيًا على إسلامها:
إن الأمة الإسلامية لم ترتدَّ يومًا عن دينها ولم تتنكر يومًا لهويتها الاسلامية، وإنما كانت تتمسك بفهم مغلوط لبعض المسائل المصيرية؛ فتاهت بفترة عصيبة من الانحطاط برز فيها صوت كل ناعق وكل متشدق يقدم لها أفكارًا ونظريات تخالف وبشكل واضح لا لبس فيه ما تحمله الأمة من عقائد وأفكار، وكل ذلك بدعم وإسناد من المستعمر الغاشم مباشرة أو من وراء حجاب. فقُدِم الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وممن هم على شاكلتهم كرواد للإصلاح والتغيير. وهو يريد أن يعيد الكرَّة اليوم من خلال وجوه كالحة جديدة؛ فنرى المسلمين يعودون إلى دينهم يتمسكون به، ويعضُّون عليه بالنواجذ مفتخرين بدينهم الحق، مدركين لواقع هؤلاء المتفيقهين الذين استعملهم الغرب الكافر لضرب الفكر الإسلامي الصحيح، لافظين أصحاب الأفكار العلمانية العفنة لفظ النواة، وقد أصبح أصحاب هذه الأفكار ضيوفًا غير مرحب بهم في الندوات وبرامج الإذاعة والتلفاز، وكثير منهم قد غير جلده مسايرةً للواقع الجديد الذي بدأ يفرض نفسه بقوة، فحاولوا أن يقدموا أنفسهم تحت مسمى «مفكرين إسلاميين»،  ذلك أن الإسلام هو الذي تتحرك له القلوب والمشاعر، والعالم اليوم «لم يبق فيه بيت إلا وفيه ذكر الإسلام».
2- الأمة اليوم تريد الحكم بالإسلام:
إن الأمة الإسلامية لم تؤيد يومًا حاكمًا أو نظامًا يحكم بغير ما أنزل الله، ولم تتنكر يومًا للعاملين لعودة الإسلام لواقع الحياة، وإنما غُلبت على أمرها وحكمت بالحديد والنار، فعانت الأمرَّين واكتوت بنارين، نار بعدها عن شريعة ربها، ونار ظلم وظلام الأنظمة التي حكمت بها؛ فكانت فترة عصيبة من الاستبداد والفساد، ثارت الأمة ضدها وهي تحمل الشوق لعودة الإسلام إلى حياتها، فنادت في ساحات الشام «الشعب يريد إسقاط النظام» «إسلامية إسلامية ثورتنا اسلامية» «قائدنا للأبد سيدنا محمد» «الشعب يريد خلافة من جديد» ولقد رأينا كيف خرج الناس بالملايين في مصر في الجمعة التي أطلق عليها جمعة الشريعة يوم 29/7/2012م، والتي طالبت بتطبيق الشريعة، كما خرج الناس في تونس يوم 16/3/2012م فيما سمي جمعة نصرة الشريعة. وإن الأمة اليوم وفي كل يوم تستعيد عزتها وكرامتها ورفضها للعملاء وأسيادهم المستعمرين، مهما كلفها ذلك من تضحيات، فهي أمة الجهاد والتضحية والشهادة، ويزداد إصرارها على التغيير مع ازدياد تضحياتها في سبيل إسقاط تلك الأنظمة الحاكمة العميلة، وستكون تضحياتها أعظم عندما يتعلق الأمر بالبديل الحقيقي لتلك الأنظمة الظالمة، ألا وهي الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
3- الأمة اليوم تعرف من هو عدوها:
لقد كان المضبوعون بالغرب من أبناء الأمة ينظرون للغرب نظرة إكبار واحترام، ويسوِّقون للناس أنه المثل الذي يجب أن تحذوه الأمة حتى تنهض وتلحق بركب الحضارة، وقد ساعدهم المستعمر على تبوُّء المناصب التعليمية والمنابر الإعلامية والنوادي الثقافية، ليسوِّقوا ثقافته العلمانية ويشوِّهو ثقافة الإسلام، ولم تكن الأمة وقتها مدركة أنها مخدوعة ببعض من هؤلاء المضبوعين، ومسحورة ببريق حضارة زائفة تخفي توحشها وجاهليتها وفساد معالجاتها وتحوي في ثناياها بذور اضمحلالها وفنائها. أما اليوم فقد ازداد وعي المسلمين على حضارتهم ودينهم، وازداد رفضهم لما سواه، وأدركوا أن الغرب هو عدوهم الحقيقي، وأدركوا مدى كذبه ودجله وفساده الخلقي. نعم لقد أدركت الأمة عدوها عندما رأت تكالب دول الكفر قاطبة على نهب خيراتها وثرواتها، وعلى قتل وتشريد أبنائها، وعلى احتلال أراضيها في العراق وأفغانستان، أدركت الأمة عدوها وأدركت كذبه ومخادعته بالحرية والديمقراطية عندما وقف بكل صفاقة مع الحكام العملاء المستبدين الذين أذاقوا الناس لباس الخوف والجوع خدمة لأسيادهم الكفار؛ ولذلك فإن الأمة اليوم تختلف اختلافًا جذريًا عما كانت عليه منذ أكثر من ستين عامًا. كما أن الأمة غير غافلة عما تدبره أميركا في بلادنا، وهي مرفوضة تمامًا عند غالبية الأمة لأنها العدو. فالأمة اليوم تعرف أن أميركا لم تكن ولن تكون في يوم من الأيام إلا عدوة لها، وهي تقود باقي دول العالم وتتشارك معهم في حربهم على الإسلام والمسلمين من تيمور الشرقية إلى بورما إلى تركستان الشرقية إلى غيرها من بلاد المسلمين. وبتحديد الأمة لعدوها الحقيقي وأنه هو من يسند ويساعد الأدوات المحلية من كيان يهود إلى كيانات الأنظمة المجرمة سوف تكون أكثر حذرًا من مكره وفخاخه، وأسرع استجابة لمن يحذرها من مؤامرته.
4- الأمة اليوم تريد الوحدة، وترفض الفرقة والتشرذم:
لقد حاول شياطين الإنس من حكام هذه الأمة أن يصرفوا الأمة عن التطلع للوحدة على أساس الإسلام، ولم يكن أمامهم سوى رفع شعارات الوطنية والقومية المنحطة. وعلى مدار ما يقارب التسعين عامًا لم تستطع هذه الشعارات أن تصرف الأمة عن إدراكها أنها أمة واحدة فرَّقت بينها اتفاقية سايكس بيكو اللعينة، وظلت شعارات «مصر للمصريين» و»الأردن أولًا» وأمثالها مجرد شعارات فارغة. ولو لم تكن الأمة مكبلة من قبل حكامها لتحركت منذ زمن بعيد لإزالة هذه الحدود المصطنعة التي تفصل بين شعوبها. وهي تنتظر اليوم الذي يتقدم المخلصون فيه لإعادة وحدتها في دولة الخلافة، وما الحديث عن مشاريع تقسيم المقسَّم من بلاد المسلمين إلا محاولة يائسة من الكفار لضرب مشاعر الوحدة في نفوس المسلمين .
5- الأمة اليوم أسقطت الخوف من حساباتها فهي لا تخشى أعداءها:
إن تحرك الأمة اليوم ضد أعتى الأنظمة الإجرامية في العالم ليدل على أنها نزعت برقع الخوف، ودخلت المواجهة المفتوحة مع أعدائها، وهي واعية على ما تدبره أميركا وأشياعها من حروب ومؤامرات ومصائب، ومع ذلك فإنها لا تتردد في المواجهة والمنازلة كلما سنحت فرصة لذلك. وعندما تقوم الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة قريبًا إن شاء الله، سوف تقود الأمة عقليات سياسية وعسكرية ورعوية مبدعة تحمل قضية الإسلام، وتأخذ الحلول والمعالجات من أحكام الإسلام فقط لا غير، وتعتمد على قوى وطاقات ومقدرات الأمة الإسلامية فقط لا غير. وعندها تقود المعركة ضد أعدائها متوكلة على الله الذي بيده مفاتيح النصر، وستدرك أميركا وأقرانها وأشياعها أن كل ما ذاقته خلال السنوات السابقة في صراعها مع الأمة لم يكن سوى نزهة لطيفة مقارنة بمعركتها حينئذ. فيومها سيكون الصراع مع دولة بحجم دولة الخلافة، وليس مع أفراد أو جماعات في الأمة؛ ولذا فسوف تفكر أميركا ألف مرة قبل أن تخوض صراعًا مع دولة الخلافة.
6- الأمة اليوم فيها حزب عريق يغذُّ السير نحو إقامة الخلافة الإسلامية:
لقد منَّ الله على هذه الأمة بنعمة الإسلام (ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ) وقد بزغ نور الدعوة للإسلام من  جنبات المسجد الأقصى المبارك على يد القاضي المجتهد المجدد تقي الدين النبهاني رحمه الله، وثلة من العلماء الأجلاء المفكرين السياسيين العظماء، وقد نما الخير وتكاثر سواده وأنصاره بعزم العاملين، وصدق الحاملين، وتضحيات المخلصين. وإن قوة الفكرة وسداد الطريقة ووضوح الهدف والثبات على المبدأ وغير ذلك مما يحمله حزب التحرير للأمة يجعله أقرب إلى تحقيق الهدف الذي يسعى إليه الحزب من خلال الأمة ومعها، والله نسأل أن يجعل ذلك اليوم قريبًا، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وفي الختام، فإننا نلمس قرب الأمة من وعد ربها يوم تحسم الصراع مع الغرب لصالحها بعودة الإسلام إلى واقع الحياة، ونلمس بأنها تترقب قيام دولة الخلافة، وتتشوق لأن تترعرع في ظلال دوحتها ورعاية وعدل خليفتها. واللهَ نسأل أن يجعل ذلك اليوم قريبًا، وما ذلك على الله بعزيز.   

شيء من أخبار طاعون عمواس

شيء من أخبار طاعون عمواس

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
جاء في (البداية والنهاية-الجزء السابع) لابن كثير، شيء من أخبار طاعون عمواس الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم.
أورده ابن جرير في هذه السنة، قال محمد بن إسحاق: عن شعبة، عن المختار بن عبد الله البجلي، عن طارق بن شهاب البجلي قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال: لا تحفوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرتفع هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى: من ذلك أن يَظنَّ من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزَّه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجرَّاح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: «أن سلام عليك، أما بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة، أريد أن أشافهك بها، فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إليَّ»
قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، فقال: «يغفر الله لأمير المؤمنين» ثم كتب إليه: «يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إليَّ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفيهم أمره وقضاءه، فخلَّني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي».
فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة؟ قال: «لا، وكأن قد».
قال: ثم كتب إليه: «سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضًا عميقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة».
قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعاني. فقال: «يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلًا حتى أتبعك بهم» فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه وقلت: والله لقد كان في أهلي حدث. فقال: «لعل صاحبتك قد أصيبت؟» قلت: نعم. فأمر ببعير فرحل له، فلما وضع رجله في غرزه طعن. فقال: «واللهِ، لقد أصبت»، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورُفع عن الناس الوباء.
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب، عن رابة، رجل من قومه: وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس. قال: لما اشتعل الوجع، قام أبو عبيدة في الناس خطيبًا، فقال: «أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة منه حظه»، فطعن، فمات.
واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبًا بعده، فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذ يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته، فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب أنَّ لي بما فيك شيئًا من الدنيا.
فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فيهم خطيبًا، فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال. فقال أبو وائل الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت شر من حماري هذا. فقال: واللهِ ما أردُّ عليك ما تقول، وأيمُ الله لا نقيم عليه. قال: ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا، ودفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه.
قال ابن إسحاق: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، أمَّر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمَّر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها. وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم يُرَ مثلهما، وطال مكثُه، وفنيَ خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو، وتخوَّفت قلوب المسلمين لذلك. قلت: ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام، فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام، ولله الحمد والمنة.
وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها، خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم، وقضيت الذي عليَّ في الذي ولَّاني الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفروج، وبوَّأنا لكم ووسَّعنا عليكم ما بلغ فيئكم، وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمَّينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم. فمن علم منكم شيئًا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. قال: وحضرت الصلاة، فقال الناس: لو أمرت بلالًا فأذن؟ فأمره فأذَّن، فلم يبقَ أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلَّا بكى حتى بلَّ لحيته، وعمر أشدُّهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن جرير في هذه السنة: من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام وتدلُّكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرَّم مسَّ الخمر فلا تمسُّوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولًا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه، فانتهى لذلك.
قال سيف: وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضًا، فمات بشرٌ كثير وجمٌّ غفير، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.

أجوبة أسئلة واستفسارات حول مرض كورونا من حزب التحرير

أجوبة أسئلة واستفسارات حول مرض كورونا من حزب التحرير

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
 في أجواء الفراغ الذي خلفه غياب علماء المسلمين وهيئاتهم الدينية والمفتين… وعدم استنباطهم للأحكام الشرعية أو إصدارهم للفتاوى المتعلقة بانتشار وباء كورونا، وما الواجب الشرعي الذي على المسلمين أن يفعلوه… في أجواء هذا الفراغ، أصدر أمير حزب التحرير حفظه الله جواب سؤال خاص بهذا الوباء، وبسبب تعطش المسلمين لمعرفة أحكام الشرع في كثير من المسائل المتعلقة بانتشاره، وما المتوجب عليهم شرعًا، انهالت على الحزب تساؤلات ملحة تتعلق بصلاة الجمعة والجماعات وغسل الميت المصاب… وهذه التساؤلات تكشف عن عظيم حرص المسلمين لمعرفة أحكام دين الله في أحلك الأوضاع. وهذا بشير  على خيرية هذه الأمة وهذه الدعوة حتى آخر الزمان… وتعميمًأ للفائدة، ننقل إليكم، في مجلة الوعي، أجوبة أمير حزب التحرير حفظه الله ليطلع عليها المسلمون، وخاصة أنها تجيب عن تساؤلات تهمهم في دينهم، وتسد ثغرة لديهم. وإليكم ما ورد فيها:
(أجوبة الاستفسارات التي وردت حول جواب السؤال عن مرض كورونا:
إلى أصحاب التساؤلات حول جواب السؤال عن مرض كورونا… هذه أجوبة تساؤلاتكم:
1- بالنسبة للفرق بين الوباء والطاعون أو بين الكورونا والطاعون، فلا فرق من حيث العدوى، فالطاعون والكورونا مرضان فيهما إمكانية العدوى كما خلقهما الله القوي العزيز، بغض النظر عن كون المرض يُنقل بالبكتيريا أو الفيروس، فمن حيث إمكانية العدوى فهي موجودة؛ فلذلك لا يختلف الحكم من حيث إمكانية العدوى… وهو ما سُّلط الجواب عليه.
2- بالنسبة إلى التساؤل حول ما جاء في الجواب من عدم تصنيع البشر للكورونا المرض الحالي، والقول بأن هذا يعتمد على تقارير غربية فلا يجب أن يُركن إليها… فليس هذا الأمر دقيقًا، لأن النواحي العلمية يمكن أخذها من أي جهة إذا حصلت الطمأنينة برجحان صحتها؛ ولذلك لا شيء في الاعتماد على تقارير غربية حول عدم تصنيع البشر للكورونا التي نقلت المرض، بل هي موجودة بصورة طبيعية دون تصنيعها من البشر كما ورد في الجواب حيث رجحنا الوجود الطبيعي على القول بأن البشر صنعوها لأهداف لديهم… خاصة وأن المرض منتشر في الدول المتهمة بذلك مثل الصين وأميركا…
وقد ذكرنا في جواب السؤال ما يلي: )-وهكذا اندلعت حرب كلامية بين أميركا والصين بسبب تفشي الفيروس التاجي Covid19 (SARS-CoV2)… وكل من الدولتين تكيل التهم للأخرى بأنها هي العامل المباشر في انتشار هذا الداء، ومع أن كلا النظامين المطبقين في الصين والولايات المتحدة لا يُستبعد عنهما أن يكونا وراء نشره، إلا أنه بعد البحث يترجح عدم وجود دليل ملموس على أن الولايات المتحدة أو الصين، هي من نقلت الفيروس أو صنَّعته ثم شرعت في نقله إلى دول أخرى…( وهذا مفصَّل في جواب السؤال، وهو منشور في الصفحة ويمكن الرجوع إليه.
3- إن صلاة الجمعة تكون في المسجد وبعض الفقهاء يجيز كونها في الفضاء العام، أي في مكان عام لا يمُنع المصلي من دخوله، وأما في المكان الخاص «البيوت» فالأرجح أن لا تقام الجمعة ولا تصح، وإن لم يكن المسجد أو الفضاء ميسورًا فتؤدى في البيوت ظهرًا أربع ركعات، وتأثم الدولة إن منعت صلاتها في المساجد أو في الفضاء العام؛ وذلك لأن النصوص تفيد هذا الأمر، ويفهم هذا من قوله سبحانه (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ) فيسعى المسلم للصلاة دون أن يُمنع (فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ) فالسعي لها فرض؛ لأنه اقترن بترك المباح… أي لا تكون الصلاة في مكان خاص كالبيوت، حيث جواز المنع… ولهذا ورد في الجواب أن إقفال الحكام المساجد ومنع الصلاة فيها هو أمر لا يجوز، وفيه إثم كبير لهؤلاء الحكام. وعليه فإذا منع الحكام أداء صلاة الجمعة في المسجد، ولم يكن هناك مكان متاح للصلاة إلا البيوت، فتصلى في البيت ظهرًا أربع ركعات، وتأثم الدولة التي تقفل المساجد إثمًا كبيرًا كما ذكرنا في الجواب.
4- أما السؤال: (إذن تسقط صلاة الجمعة والجماعة اليوم بسبب الخوف من بطش الحكام كما فهمت والله أعلم)… إن هذا يحتاج إلى تفصيل، فقد جاء في جوابنا: (ولا تجب على الخائف لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ» أخرجه البيهقي في السنن الكبرى… فإن الخوف كما جاء في المغني لابن قدامة 1/451: )(881) فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ» وَالْخَوْفُ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ. فَالْأَوَّلُ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا… ونحو ذلك، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ…) وكذلك جاء في (المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي): (… ومنها أن يخاف ضررًا في نفسه أو ماله أو مرضًا يشقُّ معه القصد. والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ»…) أي يعذر المسلم إذا كان مُلاحَقًا ظلمًا بشخصه من سلطان ظالم، فإذا تيقَّن أو غلب على ظنه أن أعوان السلطان في الجامع ينتظرون قدومه للقبض عليه وإلحاق الأذى به، فهو معذور من أداء الجمعة في هذا المسجد وعليه أن يبحث عن جمعة في غيره، فإن تعذَّر بعد بذل الوسع فيصلي في مكان خاص الظهر أربعًا… فإن كان السائل قد فهم من جوابنا هذا الفهم فهو صحيح، والله أعلم وأحكم. 
5- الحديث «لَا عَدْوَى…» أخرجه البخاري، فهناك من يفسره بنفي العدوى… ولكن الأرجح أنه خبر في معنى الطلب، فإن كان المسلم مريضًا بمرض معدٍ أي فيه إمكانية العدوى كما خلقه الله سبحانه، فإن المسلم في هذه الحالة معذور عن الذهاب لصلاة الجمعة والجماعة خشية أن يعدي غيره من المصلين… وهو كذلك من الأعذار كما جاء في الحديث السابق «الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ».
6- حديث «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» أخرجه البخاري، فهو بالنسبة للمسافر أو المريض أي المعذور عن صلاة الجماعة أو الجمعة، فهذا يصلي حسب ما يوجبه الشرع عليه، ويكون له أجر بإذن الله كما لو صلى صلاة المقيم أو الصحيح، ولذلك لا تنطبق هنا على صحيح الجسم أو المقيم الذي لا يذهب لصلاة الجمعة دون عذر.
7- أما الاعتراض على قولنا أقل العدد في صلاة الجمعة ثلاثة وقوله عند الشافعي أربعون… فهذا بحث آخر ويضاف إليه أنها عند المالكية اثنا عشر… فليس هنا تعارض، بل الموضوع متعلق بعدم غلق المساجد ليصلي فيها المسلم الجمعة والجماعة بالعدد الشرعي؛ علمًا أن هناك رأيًا فقهيًا صحيحًا أن الثلاثة يصلون الجمعة كما ذكرنا في الجواب.
8- أما موضوع الأخذ بالأسباب فهو صحيح ولكن دون مخالفة للشرع، والأخذ بالأسباب هنا أن المريض لا يذهب لصلاة الجمعة والأصحاء يذهبون… فقد ذكرنا في الجواب ما يكفي لبيان عدم قفل المساجد ليتمكن الأصحاء من الصلاة، وتُتخذ الإجراءات لعدم حضور المرضى بمرض مُعدٍ الصلاة، وهو بيِّن واضح… ولا يقال إن الأصحاء قد يكونون مرضى بالكورونا ولكن الأعراض غير ظاهرة، وإذن يمنع الجميع من المساجد، أي يمنع سكان الكرة الأرضية من المساجد…! فهذا كلام لا تقوم به حجة ولا حتى غلبة ظن!! بل المريض مرضًا معديًا يقينًا يمنع، ويلحق به من تتوفر فيه هذه بغلبة الظن، ويصلي الآخرون… 
9- أما قول السائل إن فيروس كورونا لا عمود فقري له، وكأنه يقصد مثل الإنسان، فنعم هو ليس كذلك… ولكن يبدو أن ترابط النتوءات في هذا المخلوق جعل المصدر الإنجليزي يطلق عليه (backbone) ومعناها الطبي بالعربية (العمود الفقري) لشبه هذا الترابط بترابط الفقرات في العمود الفقري عند الإنسان… وقد أبقيناها هكذا… ولم نكن نظن أنها ستكون موضعًا للتساؤل! 
 10- بالنسبة لتغسيل الميت… فالحكم الشرعي هو كما يلي:
أ- الراجح أن وجوب تغسيل الميت المسلم هو على الكفاية… ومن الأدلة على ذلك:
– يقول صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» أخرجه البخاري عن ابن عباس. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن غسَّلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» أخرجه مسلم عن أم عطية.
– وواضح من الحديثين أن من قام بالغسل هم عدد من المسلمين فيهم الكفاية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم اكتفى بذلك… ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم داوم على هذا الحكم في كل ميت من المسلمين في حياته صلى الله عليه وسلم، ولم يستثنِ من تغسيل الميت إلا الشهيد في المعركة كما جاء في شهداء بدر وأحد… أي أن تغسيل الميت فرض على الكفاية.
ب- وقد أخذ بهذا كثير من الفقهاء:
– جاء في المبسوط للسرخسي (اعْلَمْ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقٍ» وَفِي جُمْلَتِهِ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلَكِنْ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ).
– وقال الإمام الشافعي في الأم: (حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه «وهذا» لا يسع عامتهم، وإذا قام بذلك منهم من فيه كفاية أجزأ إن شاء الله تعالى). 
– وجاء في الشرح الكبير لابن قدامة: ((فصل في غسل الميت) (مسألة) (غسل الميت ودفنه وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته راحلته «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» متفق عليه).
ج- إذا تعذر تغسيل الميت لسبب من الأسباب كانعدام الماء أو يكون الميت قد احترق جسده، ولو غُسِّل بالماء لتفسخ… أو توفي بمرض معدٍ كالجذام والطاعون والكورونا وغيرها من الأمراض بحيث لو غُسِّل لربما انتقل المرض إلى مُغَسِّلِهِ… فإننا لا نريد التبني في ذلك بل يقلد المسلم الرأي الفقهي الراجح الذي يطمئن به، وأنقل لكم بعض الآراء الشرعية عند الفقهاء:
– فالحنفية يرَون أن من تعذَّر غسله بالماء، إن كان بسبب انعدام الماء فإنه يُيَمَّم بالتراب، كما نص على ذلك في العناية: (16/261) فقال: (مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ؛ لِعَدَمِ مَا يُغْسَلُ بِهِ فَيُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ)… وأما إن كان تعذر غسله بسبب تعذُّر مسِّه، فإنه يصبُّ عليه الماء صبًّا، كما قال ذلك في مراقي الفلاح (224): (والمنتفِخ الذي تعذر مسُّه يُصبُّ عليه الماءُ)…
– ويرى المالكية أن من تعذر غسله بالماء لانعدامه يُمِّم… وإن كان التعذر بسبب قروح في جسده أو حروق أو جَرَبٍ أو جُدريٍّ؛ بحيث لو غُسِّل بالماء أدى إلى تزلعه وتفسخه، فإنه يصب عليه الماءُ صبًّا بالقدر الذي يحفظه من التفسخ والتزلع. فإن تَعذر صَبُّ الماء عليه يُمِّمَ… كما جاء في الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل…
– أما الشافعية فيرون أن تعذر غسل الميت بأي سبب من الأسباب؛ كفقد الماء أو خشية اهتراء جسد من احترق، فإن الميت لا يغسل بل ييمَّم. بل إنهم نصوا على أنه إذا خيف على الغاسل من غسل الميت ضرر فإنه يُيَمَّم وجوبًا. قال النووي رحمه الله في المجموع: (إذَا تَعَذَّرَ غُسْلُ الْمَيِّتِ لِفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ احْتَرَقَ بِحَيْثُ لَوْ غُسِّلَ لَتَهَرَّى لَمْ يُغَسَّلْ بَلْ يُيَمَّمُ، وَهَذَا التَّيَمُّمُ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ؛ فَوَجَبَ الِانْتِقَالُ فِيهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الماء إلى التيمم كغسل الجنابة وَلَوْ كَانَ مَلْدُوغًا بِحَيْثُ لَوْ غُسِّلَ لَتَهَرَّى أَوْ خِيفَ عَلَى الْغَاسِلِ يُمِّمَ…)
– أما الحنابلةُ فلهم روايتان الأولى: (عند تعذر غسل الميت مع الدَّلك لمانع صُبَّ عليه الماء صَبًّا من غير دَلْكٍ، وإلا انتقل إلى التَّيمم…)
وفي الرواية الأخرى (أن من تعذر غسله فإنه لا ييمم ويصلى عليه من غير غسل ولا تيمم، بناء على أن المقصود من الغسل هو التنظيف، وهو لا يتحقق بالتيمم).
– وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي في شرح عمدة الفقه: (ومن بـه مرض معـدٍ يضر، هذا بالنسبة للضرر على الميت، وقد يضر بالحي المغسِّل، كأن يكون به مرض معدٍ يعني بالاستقراء وشهادة أهل الخبرة أنه لو تولَّى أحد تغسيله يستضر فحينئذ ييممّ…).
وكما ترى فهنا رأيان: إذا تعذر تغسيل الميت يُيَمم ويُصلى عليه ويُدفن… أو إذا تعذر تغسيل الميت فلا يُيمم بل يُصلى عليه ويُدفن… وكما قلنا في بداية الجواب أن على المسلم أن يقلد الرأي الذي يطمئن بصحته.
11- أما أننا لا نتبنى في العقائد والعبادات فهذا صحيح إلا في العقيدة الأساسية والعبادات المتعلقة بوحدة الأمة مثل الصيام والعيد عند رؤية الهلال في أي بلد، وكذلك هنا بالنسبة لغلق المساجد فالواجب أن تبقى مفتوحة في الأوقات المطلوبة كما بينَّا في الجواب. 
18 شـعبان 1441هـ
11 نيسان/أبريل 2020م)

فيروس كورونا… المسلمون وشعوب العالم يفتقدون لتعاليم الإسلام لإنقاذهم منه

فيروس كورونا… المسلمون وشعوب العالم يفتقدون لتعاليم الإسلام لإنقاذهم منه

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
  تفشى فيروس كورونا عالميًا وفي بلاد المسلمين، ومن الطبيعي أن تتولَّى الدول بنفسها عملية مكافحته واتخاذ الإجراءات اللازمة الملزمة للأفراد. أما بالنسبة إلى ما يجب أن يتبع شرعًا وكيفية التعامل مع هذا الوباء من ناحية القيام بالالتزامات العبادية من صلاة وصوم وحج وعمرة في فترة انتشاره… فهذه يجب أن تترك للأحكام الشرعية وليس للدول القائمة في بلاد المسلمين والتي تفصل الدين عن الدولة. والإجراء الصحيح الذي كان على هذه الأنظمة العلمانية أن تتخذه أن تضع وزارات الشؤون الدينية أو دوائر الإفتاء بواقع خطر هذا الفيروس لتقوم هي، وليس الدولة، بتحديد المطلوب التصرف به شرعًا. وهذه المؤسسات عليها بالتالي بعد فهم الواقع من الدولة أن تتبنى الإجراءات الواجب القيام بها، وتلك التي يجب تجنبها؛ وذلك بالرجوع إلى النصوص الشرعية المتعلقة بها والأحكام الشرعية المستنبطة من المجتهدين وتطبيقاتها عبر التاريخ الإسلامي. هذه المؤسسات الدينية، (والتي لا نقرُّ بوجودها كوزارات ودوائر ومؤسسات من ضمن النظام العلماني القائم في بلاد المسلمين) عليها هي أن تحدد طبيعة هذه الإجراءات، من حيث إقفال المساجد أو عدم إقفالها، ومن حيث القيام بصلوات الجماعة في المساجد أو منعها أومنع صلاة الجمعة، أو إقفال الحرم أو منع العمرة… ومن ثَمَّ  تقترح البدائل المختلفة وتطلع الدولة عليها لاعتمادها كونها هي التي ستشرف على تنفيذها؛ وبهذا تكون هذه المؤسسات قد قامت بما عليها في هذه الجائحة، والدولة قد أشرفت على تنفيذه وليس العكس.
ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، فالدول التي تحكم المسلمين، والقائمون على مصالح المسلمين الدينية المعيَّنون من قبل هؤلاء الحكام لم يلتفت منهم أحد إلى ما يأمر به الإسلام، بل كانت إجراءاتهم هي نفس إجراءات دول الغرب تجاه شعوبهم، فأصبح الإعلام واحدًا في العالم، فأقفلت المساجد والكنائس على السواء، وغاب العلماء عن المشهد، مع أن بلاد المسلمين والحمد لله لم يصبها ما أصاب دول أوروبا وأميركا على نفس الدرجة، وبالتالي لم يكن من داعٍ لاتخاذ نفس إجراءات تلك الدول.
بيد أن الغرب هذا بدوله وشعوبه وإعلامه وعى على أهمية تعاليم الإسلام في هذا المرض وإجراءاته وراح يتكلم بها ويسأل عنها بينما في بلاد المسلمين فإن الإمعات من الحكام وتابعيهم من العلماء الموظفين اتخذوا قراراتهم خارج ما يأمر به الشرع، وهي قرارات لم تفرق بين مناطق لم يصلها الوباء مطلقًا، ومناطق قد وصلها بشكل متفاوت، ومن رحمة الله أن بلاد المسلمين لم يصلها الوباء بشكل مقلق، فأخذ الحكام القرار العام بإقفال المساجد ومنع صلاة الجمعة، ووقف المشاعر بشكل عام ومفتوح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من غير تفريق، مع تهويل من المخالفة… وكم كان المنظر مؤلمـًا أن نرى أن حكام المسلمين يتحكمون ويتبعهم الموظفون الدينيون الرسميون كالمفتين وهيئات كبار العلماء ودوائر الأوقاف في هذه المسألة، ويتصرفون كعادتهم كما تريد الدول لا كما يريد الله سبحانه وتعالى، وكم كان مؤلمـًا أن نرى الحرم المكي والحرم المدني خاليين بهذا الشكل. وكم هو محزن أن نسمع بإيقاف العمرة وأن هناك تفكيرًا بإيقاف موسم الحج.حتى وصل الأمر إلى أن يتم تداول الكلام عن الإفتاء بإيقاف الصوم في رمضان بحجة أنه يضعف المناعة ويجعل الحلق جافًا… صحيح إن الدول هي التي تقود عملية مواجهة الانتشار، وهذا ما حصل في الدولة الإسلامية من قبل، ولكن الفرق بين السابق واللاحق كالفرق بين السماء والأرض. فالدولة الإسلامية تتصرف لأنها هي الراعي الحقيقي للأمة الحريصة عليها، وهي التي تقود جوانب الحياة كلها وتشرف عليها من غير فصل… تجاه هذه الإجراءات، فقد كان المسلمون منزعجين من هذه التصرفات، وبدا لهم وكأن هناك من لا يريد بالمسلمين خيرًا ويريد هذا الإقفال وهذا التعطيل للشعائر بشكل جماعي وعن قصد.
نعم، إنه في الوقت الذي نجد فيه أن الغرب، كأفراد وكحالة عامة، يصحو على الإسلام وتعاليمه العابرة للزمان والمكان، فينتبه إلى أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في مرض الطاعون ويتقيد بها وتفتح نفوس الكثيرين منهم للدخول في الإسلام، نرى أن الدوائر الدينية الرسمية غائبة مغيبة لا تصدر تعميمًا ولا تقوم بتقديم دروس جماعية ولو عبر الإنترنت أو التلفزيونات (عن بعد) تضع فيها المسلمين في أجواء إيمانية حارة، ويتم الالتجاء فيها إلى الله في دعاء مسموع، ولا تقدم البرامج التوعوية على حسن التصرف تجاه ما يحدث… أو يقدمون الفتاوى الشرعية لمعالجة مختلف الحالات التي تقع بين المسلمين… بل هي لم تفعل من ذلك شيئًا؛ فقبع المشايخ في بيوتهم، وتركوا للإعلام المرتهن المجترِّ أن يأخذ كل وقتهم…
إن هذا الظرف الذي يمر به المسلمون اليوم هو من أكثر الظروف خصوصية؛ إذ لم يمر عليهم طيلة حياتهم مثل هذا الوباء، وهو ظرف أكثر ما يكون الناس فيه بحاجة إلى ربهم. وهم يؤمنون أنه ابتلاء من الله، ولا يرفعه إلا الله، والمطلوب أن يلتجئوا إليه فرادى ومجتمعين، مع أخذهم بالأسباب المادية… إن هذا الوباء عام ويحتاج إلى أجواء إيمانية عامة، وإلى الدعاء الجماعي العام، وإلى التضرع الجماعي العام، وإلى التوبة والاستغفار الجماعي العام… بينما الإجراءات المتخذة منعت وجود الأجواء الإيمانية العامة للتضرع والدعاء والاستغفار واللجوء إلى الله ليرفع أو يمنع عنهم بلاء هذا الوباء.
إن المسلمين بعامة، ومعهم شعوب العالم بعامة يفتقدون لتعاليم الإسلام لإنقاذهم مما هم فيه. هذا ما يجعل المسلمين يشعرون بوجوب إقامة دولة إسلامية لترعى شؤونهم بالإسلام. نعم، لو كان للمسلمين دولة إسلامية لأشرفت على الأمر من أوله إلى آخره؛ كون خليفة المسلمين هو صاحب الأمر الراعي لكل شؤون المسلمين. وهذا ما حدث في أيام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طاعون عمواس، فقد كان نعم الراعي، والمسلمون كانوا نعم المؤمنون في تقبل المصاب.
اللهم عجِّل لنا فرجك، واكشف عنا هذا الوباء، وأرحنا من بلاء هؤلاء الحكام بإقامة دولة خلافة راشدة يرعى فيها شؤون المسلمين خليفةٌ راشدٌ مثل الخليفة عمر بن الخطاب… اللهم آمين.

خبراء: لن يبقى العالم كما هو بعد انتهاء الأزمة

خبراء: لن يبقى العالم كما هو بعد انتهاء الأزمة

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
استمزجت مجلة “فورين بوليسي” آراء عدد من الخبراء حول العالم عن التحولات التي ستطال العالم بعد وباء كورونا وخرجت باحتمالات أهمها أن العالم سيتغير بعدها، ومن هؤلاء:
– الدبلوماسي الأميركي السابق ريتشارد هاس، رأى أن معظم الحكومات ستنكفئ على الداخل، وتبحث عن اكتفائها الذاتي، وستكون الحكومات معادية للهجرة، فيما ستصبح الدول الفاشلة أكثر فشلًا. وعن العلاقات الأميركية الصينية، قال إن الأزمة ستضيف مزيدًا من الأزمات، وستؤثر على التكامل الأوروبي.
– الدبلوماسي الأميركي، نيكولاس بيرنز، قال إن التداعيات الاقتصادية للأزمة «قد تفوق الأزمة المالية لعام 2008م، ويمكن أن تغير بشكل دائم النظام العالمي وتوازن القوى كما نعرفه… وإذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي حماية مواطنيه الخمسمئة مليون فإن الحكومات الوطنية ستسترد المزيد من الصلاحيات من بروكسل».
– الأكاديمي ووزير الخارجية السنغافوري السابق كيشور محبوباني، قال إن الفيروس سيحوِّل العولمة المتمحورة حول أميركا إلى عولمة تتمحور حول الصين، قائلًا: «الشعب الأميركي فقد إيمانه في العولمة والتجارة الدولية مع أو بدون الرئيس ترامب، بينما الشعب الصيني لم يفعل. وبالتالي أرى أن الصين انتصرت».
– مدير معهد بروكنغر، الجنرال الأميركي، جون ألين، رأى أن الأزمة ستعيد تشكيل «هيكل القوة العالمي بطرق يصعب تخيُّلها. سيستمر الفيروس في الضغط على النشاطات الاقتصادية وزيادة التوتر بين الدول، وعلى المدى الطويل سيخفّض الوباء القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي.
– أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون جون أيكينبري، رأى أنه على المدى القصير «ستعطي الأزمة دفعة للقوميين ومناهضي العولمة وأعداء الصين في العالم الغربي. وكذلك للانهيار الاجتماعي. والأكلاف الاقتصادية التي تتضح يومًا بعد يوم ربما تشابه تلك التي وقعت ما بعد الأزمة المالية في ثلاثينات القرن الماضي”. ولفت إلى أن العالم «قد يتجه إلى بناء نظام جديد».
– الدبلوماسي، والمستشار السابق في مجلس الأمن القومي الهندي، شيفشانكار مينون، رأى أن السياسات ستتغير بعد كورونا «سواء داخل الدولة أو بين الدول، وقال إن على المستوى الدولي هناك اتجاه إلى الانغلاق.
– قال الأكاديمي والسياسي الأميركي، ستيفان والت، إن الفيروس المستجد سينقل القوة والتأثير عالميًا من الغرب إلى ناحية الشرق بعد استدراك الصين لأخطائها، في حين كانت أوروبا وأميركا تتخبطان.
الوعي: هناك شبه إجماع لدى الخبراء والباحثين الدوليين حول الرأي القائل بتغيير النظام الدولي جراء فيروس كورونا، وهذا صحيح، ولكن كيف سيكون شكله فهذا فيه تخبط لديهم… ونحن نقول إن النظام الدولي الجديد لن يكون إلا كما بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». 

أزمة فيروس العالمية: الغرب ينتبه إلى أحقية تعاليم الإسلام

أزمة فيروس العالمية: الغرب ينتبه إلى أحقية تعاليم الإسلام

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
في تقرير للباحث الأميركي كريج كونسيدين نُشر في 21/03/2020م، بمجلة “نيوزويك»، ونشرته «الخليج أونلاين» نقل فيه عن الدكتور أنتوني فوسي عالم المناعة، والدكتور سانجاي جوبتا المـراسل الطبي، قولهما: إن «التزام النظافة الصحية والحجر الصحي أو ممارسة العزل الاجتماعي عن الآخرين أملًا في الحيلولة دون انتشار الأمراض المعدية تُعد أكثر التدابير فاعلية لاحتواء تفشي وباء فيروس كورونا المستجد” وسأل هذا الباحث سؤالًا: «هل تعلمون من الذي أوصى بالتزام النظافة والحجر الصحي الجديد أثناء تفشي الأوبئة؟» وأجاب بنفسه قائلًا إنه: «نبي الإسلام مُحمد، قبل 1400 عام”. ورأى الكاتب أنه «على الرغم من أنَّ نبي الإسلام ليس خبيرًا تقليديًا بالمسائل المتعلقة بالأمراض الفتاكة، فإنه كانت لديه نصيحة جيدة لمنع ومكافحة تطور الأوبئة مثل فيروس كورونا المستجد” وقال إن النبي محمد قد أوصى بعزل المصابين بالأمراض المـُعدية عن الأصحاء، وحثَّ البشر على التزام عادات يومية للنظافة قادرة على حمايتهم من العدوى، مستعرضًا عددًا من الأحاديث النبوية المتعلقة بالنظافة، منها، والكلام له مترجَمًا: «محمد قال: إذا ما سمعتم بانتشار الطاعون بأرض ما، فلا تدخلوها، أما إذا انتشر الطاعون في مكان خلال وجودك فيه فلا تغادر هذا المكان» وقال أيضًا: المصابون بأمراض مُعدية يجب إبقاؤهم بعيدًا عن الآخرين الأصحّاء» وتابع: «في حال مرِض شخص ما، فإن النبي محمد “بالفعل سيُشجعهم على السعي للحصول على العلاج الطبي والأدوية”. واستشهد بالحديث النبوي الشريف والقول كذلك له مترجَمًا: «قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: «نعم، يا عباد الله تداووا؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، إلا داءً واحدًا»، قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال، “الهرم”. وقال الكاتب إنَّ نبي الإسلام كان حكيمًا في الموازنة بين الإيمان والعقل. ووفقًا للتقرير، فإنَّ منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمرًا واضحًا ومفهومًا، ولكنَّ منع من كان فيها من الخروج منها إن كان صحيحًا معافًى كان أمرًا غير واضح التبرير في ذلك الوقت؛ حيث كان يُفترض بالشخص السليم الذي يعيش في بلدة الوباء أن يفرَّ منها إلى بلدة أخرى سليمة حتى لا يصاب بالعدوى، ولم تُعرف العلة في ذلك من أن حامل الميكروب قد لا يكون مريضًا أو تظهر عليه أعراض المرض إلا في العصور المتأخرة التي تقدم فيها العلم والطب.
الوعي: هناك وعي جماعي دولي بدأ يتولد في الفترة الأخيرة، وهو أن ما من أزمة عالمية تحدث اليوم إلا وحلها في الإسلام. ففي الأزمة المالية العالمية التي حدثت سنة 2008م، نُقل عن باحثين مختصين غربيين أن النظام المالي الإسلامي يمنع الوقوع بمثل هذه الأزمة أصلًا وهو يملك حلًا لها، ونادى بعضهم بـ»أسلمة وول ستريت». وها هي أزمة فيروس كورونا العالمية التي جعلت المسؤولين في مختلف دول العالم، ومنها أميركا ودول أوروبا، يتخبطون في المعالجات؛ ما أدى إلى انتشار الفيروس وانتشار الموت معه؛ ما دفع بعض من ليسوا من المسلمين لأن ينتبهوا إلى تعاليم الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يؤكد حاجة العالم الماسَّة للإسلام لحل أزماته، ويلفت إلى أحقية الإسلام، وهذا يبرز في هذه الفترة من التاريخ التي يعتبر كثير من المحلِّلين الاستراتيجيين أنه زمن تغيير كوني.  

بين يدي العدد

بين يدي العدد

مجلة الوعي: العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م
يأتي هذا العدد الخاص لهذه السنة من الوعي، ودول العالم وشعوبه يعيشون وضعًا مخيفًا واحدًا سبَّبه فيروس كورونا القاتل الـمَهين الذي لا يكاد يبين، مهددًا البشرية بالفناء نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، متحديًا حضارة الغرب بالذات حيث أصاب بالدرجة الأولى أكابر مجرميها، أميركا ودول أوروبا ومعهما الصين، كاشفًا زيفها وسوء أنظمتها على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث بدت أمام هجومه أنها حضارة خاوية على عروشها، وأنها على شفا جرف هار، وتنتظر أن تنهار… وهذا ما صرح به رؤساؤهم والهلع يملأ رؤوسهم أن ما بعد كورونا ليس كما قبله: (الغارديان: تدمير الإنسان للطبيعة سبّبَ وباء «كوفيد-19» 21/03/2020م) (الصحف البريطانية: «خلال ٧ أيام «كورونا» قلب العالم والدول الكبرى انهزمت» 22/03/2020م) وصارت مثل هذه العناوين (ميلاد نظام عالمي جديد…) (إعادة تشكيل النظام العالمي الحالي…) (كوفيد-19 يغير وجهة القيادة العالمية ويرسم شكلًا جديدًا من العولمة…) وغيرها من مثلها هي العناوين التي تشغل بال العالم وتثير همه وعليها يتركز نظره… وقد جاء تصريح كبير دهاقنة السياسة الأميركية الثعلب المخضرم كيسنجر ليؤكد هذه الأجواء وبشكل مبكر، داقًا ناقوس الخطر، معلنًا (جائحة كورونا ستغيّر النظام العالمي للأبد).
هذا ما كانت تركز عليه مجلة الوعي من قبل وما زالت، وقد صدَّق الواقع كل ما كانت تقوله من أن المبدأ الرأسمالي الغربي قد أثبت فشله، والبشرية تفتش عن بديل حضاري صالح لقيادتها، وهي ما زالت في مقولتها تزيد على تصريحات مسؤولي الغرب بالقول: إن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هو التغيير الكوني القادم، والنظام الدولي المنتظر سيكون إن شاء الله بقيادتها، وإن غدًا لناظره قريب.
في هذا الإطار، جاءت مقالات الوعي في هذا العدد الخاص مقسَّمة على ما يشبه المحاور، المحور الأول يتناول مواضيع تثبت هذا التوجه الذي تبشر به الوعي منذ أمد بعيد.، فكلمة الوعي الأولى بعنوان (النظام الدولي الحالي… هل يصيب فيروس كورونا منه مقتلًا؟. لا بديل عن الخلافة الإسلامية لقيادة النظام الدولي الجديد، وهي وحدها المنقذة…) تبحث كيف أن الحضارة الغربية صارت خطرة على البشرية وحتى على أهلها، وأنه يجب البحث عن بديل، وأن انتشار الأوبئة والطواعين على مَرِّ التاريخ كان يترك بصمته الواضحة في ذهاب ممالك وقيام ممالك، وأن الحضارة الغربية لو كانت قوية لهزمته، ولكنها ضعيفة مهترئة وقد كشفها هذا الفيروس وعرَّاها أمام شعوب العالم فازداد وضعها سوءًا، وأن العالم اليوم يعتبر خاليًا من أي طرح حضاري منافس للغرب سوى الإسلام، وأن أميركا والصين ستتنافسان، ولن يسفر تنافسهما عن تغيير جذري للعالم، ليس أكثر من عالم ثنائيِّ القطبية (أميركا والصين)… إذًا لا تغيير حقيقي إلا بـ «خلافة راشدة على منهاج النبوة» وسيكون خيرها للمسلمين ولغيرهم. وكما كان الفيروس من الله سبحانه وتعالى فسيكون العون على النصر من الله سبحانه وتعالى… أما الموضوع الثاني في هذا المحور هو بعنوان: (حزب التحرير… سنته في التغيير وإقامة الخلافة هي ]سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧[) وهو يتناول أن عمل الحزب في التغيير هو كعمل الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله، ويبين أنه اليوم على بعد قرن من هدم الخلافة مذكرًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها». ومؤكدًا أنه قد مر بسنّة الأنبياء في حمل الدعوة والتي هي سنة واحدة من التكذيب والتعذيب والإشاعة والاستضعاف وقلة النصير وتباطؤ النصر… ويبين كيف أن خطوات التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم قد استكملت، وإننا نظن أنفسنا على أبواب النصر التي مفاتيحها بيد الله وحده، ولا يفتحها إلا هو، وإننا ندعوه مخلصين له الدين أن ينصرنا ويكشف الغمة عن هذه الأمة بمنِّه وإحسانه إنه على ما يشاء قدير… ثم ذكرنا مقالًا بعنوان: (فعاليات حزب التحرير العالمية في الذكرى الـ99 لهدم دولة الخلافة1441هـ – 2020م) بشكل يعطي صورة حية عن وجود حزب قد أصبح رقمًا صعبًا في التغيير، ويغطي مساحة عمل تطال الأمة الإسلامية جمعاء حاملًا لها الأمل والخلاص، ثم أنهينا هذا المحور بقصيدة بعنوان: (أمير الركب بايعناك طوعًا).
ثم انتقلنا إلى محور تدور مواضيعه حول أن الإسلام يملك القدرة على قيادة البشرية، وأن طاقات الأمة الكامنة هي وافرة للتغيير المنشود، وأن الأمة قريبة من حسم الصراع وخاصة بعد أن زالت كل الأقنعة الزائفة، والثورات كانت هي الدليل والبرهان، وختمت بقصيدة  (عودة الخلافة). أما عناوين مقالات هذا المحور: (قدرة الإسلام على قيادة البشرية) (طاقات الأمة الكامنة وافرة للتغيير المنشود) (الأمة قريبة من حسم الصراع مع الغرب) ثم قصيدة بعنوان: (عودة الخلافة)
ثم انتقلنا إلى بيان العلم الشرعي مذكرين المسلمين بما لا يعذرون بجهله مما هو واجب عليهم في إقامة الدين، ومبينين حكم وجوب اتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في التمكين، وإقامة الدين، وداعين المسلمين إلى دولة الخلافة التي تظلُّهم والتخلي عن دويلات العار التي تذلهُّم، أما عناوين مقالات هذا المحور فجاءت على الشكل التالي: (ما لا يعذر المسلم بجهله من الإسلام) (البيان المبين في إقامة دولة الإسلام والتمكين) (في ذكرى هدم الخلافة… دولة قرار تظلُّك لا دويلات عار تذِلُّك) وختم المحور بقصيدة بعنوان: (ومن ينصر الإسلام كان هو البطلْ).
ثم انتقلنا إلى وظيفة العلماء الربانيين الذين تفتقدهم الأمة وذكرنا مثلَ صدقٍ وسلفَ خيرٍ لهم وهو الإمام السرماريُّ الذي كان شيخ البخاري (رحمهما الله) كعالم رباني عابد مجاهد. أما عناوين مقالات هذا المحور فجاءت على الشكل التالي: (أين هم العلماء والحركات الإسلامية من مقاومة الهجوم على الإسلام؟) (العلماء الربَّانيون يبلغون رسالات ربهم، ولا يخشون أحدًا سواه) (فارس الإسلام الإمام العابد المجاهد السّرْمَاري) ثم ختمنا بقصيدة بعنوان: (البعض قال دعوا السياسة جانبًا).
ثم انتقلنا إلى محور تتناول مواضيعه مختلف المواضيع التي تبين كيد الغرب لهذه الدعوة التقية النقية التي تبغي رضى ربها وحده وكانت عناوينها المفهمة على الشكل التالي: (الدور المشبوه لوسائل الإعلام في الصراع بين مشروع الأمة التوحيدي ومشروع الغرب التفتيتي) (مراكز الفكر والمؤسسات البحثية الأميركية ودورها في الهيمنة على العالم والحرب على الإسلام والمسلمين) (المديونية وسياسة الغرب في الاستعمار) (في معادلة الحرب الأميركيّة على الإسلام…ترجمات معاني القرآن الكريم: كيدٌ خفيٌّ للقضاء على مرجعية كتاب الله) (الإسلاموية: نموذج الغرب الكافر للمسلمين الذي يتبناه ويدعو إليه أردوغان) وختمنا بقصيدة بعنوان: (ودارت بنا الأيام يا رجب).
ثم أضفنا محورًا يحاكي ما يشغل العالم اليوم، ألا وهو فيروس كورونا، وورد في هذا المحور الكيفية التي يرعى الإسلام فيها شؤون الناس ويحفظ حياتهم ومصالحهم تحت وطأة الأوبئة والطواعين، فكان الموضوع الأول بعنوان: (فيروس كورونا… المسلمون وشعوب العالم يفتقدون لتعاليم الإسلام لإنقاذهم منه)،  كما أحببنا أن نعيد نشر أجوبة أسئلة وردت لأمير حزب التحرير حفظه الله حول فيروس كورونا لأهميتها، تحت عنوان: (أجوبة أسئلة واستفسارات حول مرض كورونا من حزب التحرير)، وختمنا المحور بشيء من تاريخ المسلمين والصحابة الأولين في وباء أصابهم نقلًا من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، وحمل المقال عنوان: (شيء من أخبار طاعون عمواس).
ثم انتقلنا إلى المحور الأخير بأبوابه الثابتة وهي: أخبار المسلمين، ومع القرآن الكريم، ورياض الجنة، ومقالة قصيرة بعنوان (بحجة كورونا يريدون تعطيل شعائر العبادة في رمضان) وختمنا العدد كالعادة بكلمة ثانية، وغلاف ثانٍ.
وختامًا، يمكن القول إن مجلة الوعي هي عمل من أعمال حزب التحرير الصالحة، ونسأل الله أن يصل ما يكتبه إلى العقول فيوقظها وإلى القلوب فيحييها، ويكون غرسه مثمرًا وخيره منتشرًا، وأجره لا ينقطع. ونسأل الله من كل قلوبنا أن يحفظ أميرنا ويمدَّه بالصبر والإيمان والسكينة والسلوان، وأن يجزيه عن هذه الدعوة وعنا خير الجزاء، وأن يقرَّ عينيه وأعيننا بالنصر المؤزَّر… إنه خير مسؤول وخير مجيب.
ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .